**العولمة قدر محتوم ولكن عوامل الإخفاق والعقبات كثيرة على مستوى العالم حقيقة تعقيبي على ما طرح من مداخلات ذو طابع اجمالي عموما الا ما اقتضت الضرورة الاشارة اليه تخصيصا مستفيدا طبعا من الاطروحات التي قدمت، وأنا كما اشرت في بداية حديثي ان ما تناولته هو مجرد اثارة اهتمام حول قضية شائكة او معقدة، ولم يتبين بعد ملامحها ولا معالمها ولا قسماتها، وبالتالي فان ما طرحناه هو القليل مما هو مطروح، والذي هو في نفس الوقت قليل حول هذه القضية التي لا تزال تعتمل تحت السطح. أشرت في حديثي الأول بان الملامح التي ذكرتهاحول النظام العالمي الجديد كانت بمبادرة من((فيلي برانت))، ومعه((أولف بالما)) و((يوليوس نيريري)) و((سنجور)) واخرين.. هذه كانت تمثل وجهة النظر التي هي أكثر موضوعية.. اي أكثر توازن الى حد ما، لكن هذه الرؤية التي طرحت في تقرير شامل أهيل عليها النسيان او انها ماتت تقريبا كما أشار الأستاذ محمد محمود ناصر الى ان التفريق الذي ذكره بين النظام العالمي والعولمة هو تفريق في محله. بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتحول النظام العالمي من قطبية ثنائية الى قطبية احادية.. وبعد احداث 11سبتمبر على وجه التحديد، أخذت المبادرة الولايات المتحدة، وسارت فيما يسمى بالعولمة في نهج اخر مختلف، كان النهج الاول وهو نهج يعبرعن وجهة النظر الاوروبية اساسا يقوم على اساس مبدأ الحوار والمشاركة بدوافع الاحساس بمشكلات عالمية ملحة، منها مسالة الفقر والبيئة- الاحتباس الحراري – والمناخ- التنمية في المجتمعات المختلفة، والهجرة وسباق التسلح او ما يسمى بنزع الاسلحة وحقوق الانسان والديمقراطية بطبيعة الحال. وكان النهج الأوربي يقوم على ان هذه الصيغة لشكل النظام العالمي ومضمونه ينبغي ان تقوم وفقا لآليات ومؤسسات دولية متفق عليها، وبروح الشراكة اعرافا وقوانين وغيرها..لكن جاءت الرؤية الأمريكية مختلفة تماما عن الطرح الاوربي الذي اشرنا اليه. ومصدر التباين ان أمريكا- تتحرك وفقا لشعورها بالقوة المتفردة وتتحرك بدافع هواجس امنية وتهديدات ارهابية وما الى ذلك – تعتبر بان المهمة الرئيسية لها هي ان تقف في مواجهة هذه التهديدات التي يمثلها الارهاب وغيره، وان تحول دون بروز او نشوء منافس جديد دولي على غرار الاتحاد السوفيتي.. هذه المنطلقات كانت متباينة. وما ساعد أمريكا ان تاخذ زمام المبادرة هو انه توفر لها مبرر موضوعي قوي، نجحت في استثماره وتوظيفه بحيث كان من العسير على دول العالم كبيرها وصغيرها ان تقف في مواجهته، وهو ما تعرضت له في 11سبتمبر2001م، وكان يمثل هدية ثمينة تاريخية لا تتكرر. جاء التحرك الأمريكي في ظرف كانت القوى الدولية الكبرى الاساسية- الاتحادالاوربي، روسيا، الصين، اليابان.. وغيرها- كل مشغول بمشكلاته وهمومه.. الاتحاد الاوروبي كان مهموما بقضية استكمال بناء شكله السياسي وتوسيعه ومؤسساته، ويريد ان يستكمل بناء قوة عالمية تستطيع ان تقف في مواجهة الجموح الامريكي. وبالنسبة لروسيا والصين نفس الشيء.. واليابان لها ظروفها الخاصة أيضا.. فكانت القوى الدولية الكبرى في وضع لا يمكنها من ان تنزل الى الميدان لتعلن عن مواجهتها او على الاقل ((فرملتها) للتحرك الامريكي.. لكنها جارت التحرك الامريكي الى حد خط معين.. فلو لاحظتم القرار الاخير لمجلس الامن بشأن العراق وهو تأكيد لما قاله (( الحبيب السقاف)) انه كانت الضربة في العراق لكن (( البرع)) كان في مكان اخر.. وكأن ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق هو عبارة عن رسالة موجهة لأطراف دولية اخرى يعنيها الأمر.. وبالتالي عملت باقصى ما تستطيع (( لفرملة)) الجموح الامريكي في الحصول على (( كارت)) ابيض بضرب العراق دون التشاور مع الاخرين، فأكدوا على الأقل جزءا مما يريدون ان يؤكدوه بانه فيما يتعلق بمعالجة مشكلات العالم يجب ان يكون هناك قدر من الشراكة، او كأنهم يريدون ان يقولوا اننا موجودون.. ولكن الى حدود نسبية. هذا الوضع الخاص وهذه الحسابات الخاصة مقدر لها ان تستمر ما بين 15سنة الى 20سنة، وهذا المدى الزمني كاف لأمريكا لأن تكمل ما بدأته. المشكلة في قضية العولمة.. ان أمريكا في هذا الدور الكوكبي العالمي، يبدو انها تنزلق نحو وضع يتجاوز حدود قوتها الى حد ما، لأن هذا الدور العالمي الشامل يتطلب إنفاقا، وهذا يؤثر على أمريكا ولو على المدى المتوسط، والقوى الدولية الاخرى واعية لهذا، فارادت ان تترك أمريكا تتمادى في هذا الدور، بحيث انه يؤدي الى استنزافها، وبالتالي ضعضعتها واضعافها.. تماما كما فعل هتلر في الحرب العالمية الثانية عندما تجاوز حدود القوة، وبالتالي ((انفلش)). المشكلة الثانية هو ان امريكا وهي تقوم بهذا الدور.. باسم من تقوم به؟ ما هو شكل النظام السياسي في أمريكا الذي يقود التحرك الأمريكي، هذا الدور الأمريكي؟ ان ما يقود هذا التحرك هو تحالف يميني متطرف يشمل تحالفا مسيحياً بروتستانتياً صهيونياً من ناحية متحالف مع الكارتيلات الكبرى لشركات الطاقة والتسلح.. وحتى تجارة المخدرات كما يبدو، وهذا الاتجاه اليميني المتطرف يقود أمريكا بشيء من الجنون نحو هيمنة عالمية. والذين قرأوا تصريحاً للرئيس كلينتون مؤخرا في أوربا وايضا تصريحات لكارتر والتي تفيد بأن سعي الرئيس بوش الى الهيمنة على العالم سيقود العالم الى كارثة.. لكن الدور القيادي ودور الهيمنة المطلقة الاُحادية.. بمعنى ان هناك شرائح في الراي العام الأمريكي تشعر بخطورة هذا التوجه.. هذا جانب. الجانب الثاني.. هو ان العولمة كما نرى في المجتمعات الصناعية، لها ثلاثة جوانب.. جانب اقتصادي هو تغليب النمط الراسمالي، أسلوب الاقتصاد الراسمالي.. فيما سمي بمرحلة الرأسمالية المتوحشة.. ياتي هذا الدور للرأسمالية في وقت تخلى فيه النظام الرأسمالي عموما واصحاب الطريق الثالث الاشتراكية الديمقراطية في اوروبا عن خصوصياتهم بانهم كانوا يمثلون الوسط ما بين جموح الرأسمالية وما بين الاشتراكية الماركسية.. يعني يراعون قضية الطبقات الفقيرة، ومظلة الضمان الاجتماعي.. فمؤخرا تخلوا عن نقطة مهمة تميزهم وهي مظلة الضمان الاجتماعي.. الراسمالية الغربية التي تقودها امريكا، تقول بان التنازلات التي قدمتها ابان القطبية الثنائيةكان بدافع ان هناك نظاماً منافساً، وبالتالي اُجبرت على تقديم تنازلات لصالح العمال بما فيها الضرائب المتصاعدة، والضمان الاجتماعي، والضمان الصحي، والى اخره.. لكنها الان ليست مجبرة على ان تقدم شئياً لانه لم يعد هناك منافس وهي اذا قدمت شيئا فانما تقدمه طوعياً اذا رأت.. وهذا يغيِر من الصورة الرأسمالية التي انطبعت في اذهاننا والمعدلة، وهي كانت سبب في تجنب المصير الذي تصوره ماركس للرأسمالية في تطورها في مسارها.. وعدلت من شروط نموها وتطورها لكي تتفادى هذا المصير. الان يبدو ان مسار الرأسمالية سيتخذ شكلا اخر فبدأت 20%على حد اقصى من طاقة العمل المتاحة في المجتمعات الصناعية هي التي تعمل وستحتاج لها في تشغيل مصانعها وغيره،80% هم بدون عمل والذين سموهم في كتاب (( فخ العولمة)) مجتمع الخمس اي 20% وهذا طبعا في ظل غياب مظلة الضمان الاجتماعي والتامينات والى آخره سيؤدي الى تفاقم الصراع الاجتماعي داخل الدول الصناعية نفسها، كما نلاحظ المظاهرات التي تجري حول المنتديات الاقتصادية في ((دايفوس) و(( سياتل)) وغيره في ايطاليا والبندقية. وفي الجانب الاخر.. العالم الثالث أو النصف الجنوبي من الكرة الارضية، مجتمعات لاتزال انتقالية تعيش ظروف فقر مدقع يتسع يوماً بعد يوم.. فهل هذا المسار للعولمة سوف يتفق مع نبوءة ماركس فيما ذكره عن مآل الرأسمالية في الثورة العالمية ؟.. لأنه سوف يتوحد العاطلون عن العمل في المجتمعات الصناعية وهم 80% من قوة العمل بالاضافة الى البقية الذين هم داخلون في نطاق قوة العمل وشعوب فقيرة تشكل النصف الجنوبي من الكرة الارضية، وكأن نبوءة ماركس الان سيأتي تحققها.. هذا جانب. لاشك بان العولمة هي قدر محتوم بدون شك، ولكن هل ستنجح في الوصول الى غاياتها المرسومة ام ستخفق.. عوامل الإخفاق والعقبات تبدو كثيرة على مستوى العالم ككل. انعكاسات العولمة على النطاق الاقليمي العربي والمحلي، أشار(( الحبيب السقاف)) الى انه لم يكن هناك اشارة الى اسرائيل، والحقيقة انا تكلمت في الأول باقتضاب حتى لا اتوه.. وبدون شك بأنه في المنطقة العربية، اول شيء من ضمن التصورات المقترحة لميثاق الأمم المتحدة او شكل المنظمة الدولية التي ستقوم، لتغيير ميثاق الأمم المتحدة الحالي سوف تكون هناك اشارة ذات دلالة من ضمنها اشارة الى تجريم ما يسمى بالعداء للسامية، الذي هو بعبارة اخرى معاداة اليهود.. بمقتضى هذا النص سوف يجري فرضه على المستوى العالمي سواء على صعيد المناهج التعليمية أو الخطاب الإعلامي او السياسي.. اي سيعتبر كانه جريمة عالمية، والتي هي اثارة الاحقاد، اثارة الكراهية.. الخ. لكن في هذا النظاق سيجد من قرأ كتابا صدر قبل سنوات للدكتور نديم البيطار(( هل يمكن الاحتكام الى الولايات المتحدة في حل مشكلة الشرق الاوسط ؟ )) تنبأ بسيطرة اليمين المتطرف الديني الاقتصادي على النظام في الولايات المتحدة، وان هذا التيار اليميني المتطرف بحكم جذوره الفكرية والتاريخية هو صاحب نزعة عميقة في معاداة اليهود.. في معاداة السامية.. وانه سوف يعمل على ضرب الوجود اليهودي او التأثير اليهودي او السيطرة اليهودية(( اللوبيات الصهيونية)) داخل الولايات المتحدة وغيرها، بل حتى ممكن ان يتعداها الى الضغط على اسرائيل، وفقا لسياسة معينة.. لكن قد يستلزم الامر في البداية بعض التكتيكات التي لا تذهب مباشرة الى هذا الهدف، لكنها قادمة بدون شك بحكم الجذور الفكرية التاريخية لليمين المتطرف. الذي يلاحظ ما هو جار الآن في العولمة، ان ما يصرح به اليمين المتطرف في اوربا وغيرها ضد المهاجرين ونزعات العنصرية يجري تطبيقه عمليا بصمت في مختلف دول أوربا وأمريكا على مستويات مختلفة. العالم يشهد مخاضاً.. كل قوة تحاول ان ترتب اوضاعها.. في مقابل الاتحاد الأوربي تجري خطوات حثيثة في الجزء الغربي من الكرة الارضية وهو التهيئة لكيان سياسي مقابل يتشكل من الولايات المتحدة، كندا، المكسيك.. هذه دول هي المقابل الذي يعد لمواجهة الاتحاد الاوربي وغيره، بالنسبة للمنطقة العربية لا شك بان اعادة رسم الخارطة السياسية وارد، وكتاب((شمعون بيريز)) [ نحو شرق اوسط جديد] يشير الى ان المطلوب هو إعادة رسم الخارطة وليس من الضروري ان يكون تقسيم الدول هو في راس القائمة.. لكن المطلوب تطويع الدول العربية ضمن نظام شرق اوسطي.. ليس هناك شيء اسمه صيغة عربية او ما شابه ذلك.. شرق أوسطي يتيح لاسرائيل ان تحقق هيمنتها الاقتصادية، التكنولوجية، العلمية.. وهذا هو المطلوب.. هي لا تريد ان تحتل ولكن تريد تحقيق مصالح اقتصادية وغيره. في ظل تطبيع ثقافي يزول فيه العداء لليهود وما الى ذلك.. حتى يمكن ان يدخلوا الى إبعاد الآيات التي تشير الى اليهود وغيره.. هذه طبعاً للتصورات. الهم الرئيسي لهذا المخطط على المنطقة العربية هو مواجهة قضيتين.. فضية التطرف والارهاب الديني بطبيعة الحال، وهو في الواقع هدف نتفق معه بشكل او بآخر.. لماذا ؟ لأننا مستهدفون من قبل هذا التيار المتطرف الارهابي، واكتوينا بناره في الماضي، ولا احد يستطيع ان ينكر من قضايا التكفير والقتل وإجازة قتل من يخالف حتى وان كان اسلاميا.. ومهمتنا يبدو في المستقبل القريب هئ ضرورة ان نعمل اقصى ما نستطيع لطرح الاسلام الحقيقي وفقا لما ورد في القرآن.. والذي يقرا بالذات.. لان السنة فيها جوانب اختلافات كثيرة كانت سبباً في الصراعات هذه كلها.. لكن اذا قرأت القرآن قراءة منهجية موضوعية ستجد ان الاسلام حقيقة جاء من اجل ان يؤكد السلام في المجتمع الانساني، ولم يجز الحرب والقتال الا تقريبا في ثلاث حالات: قصاص- نفس بنفس- او رد اعتداء الى ان تجبر الطرف المعتدي على ان يمتثل للسلام، فلا بد ان تجنح للسلم..(( ولا تقل لمن القى اليكم السلام لست مومنا))((واذا عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به، وان تعفوا وتصفحوا ذلك خير)).. يعني هناك قيم سامية جدا، ليس هناك مجال لحرب في الاسلام اطلاقا،وهناك فرق بين الجهاد في سبيل الله والقتال.. القتال له احكامه في القرآن، قال الله تعالى: ((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياريكم ان تبروهم وتقسطوا اليهم))،(( انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم)).. تحديد دقيق جدا. وبعد ذلك ومع انك ترد الاعتداء فلا بد ان تعمل من اجل السلام.. اذ السلام هو الهدف.. لا بل اكثر من هذا.. انه يذهب في حرية الاعتقاد والتعبير الى اقصى درجة غير متصورة، الى الحد الذي يوجب على المسلم ان يعمل بكل مايستطيع حتى بما في ذلك ان يدفع حياته ثمنا لحق الاخر في ان يعبر عن اعتقاده ورأيه.. فقال: (( وان احد من المشركين استجارك فآجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه)) بمعنى ليس فقط ان تُجيره، ولكن ان تبغله المكان الذي يأمن فيه على نفسه، وهذا طبعا يعرضك لمخاطر.. اي انك مسؤول.. اذا من اين جاء هؤلاء بهذا الارهاب الذي يتمسح بإسم الدين.. وقال القرآن ايضا: (( ما كان لمؤمن ان يقتل مؤمناً الا خطأ )) هذه قاعدة ، ((وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى امر الله)): اقصد اننا مطالبون بان نعمل جهدا مكثفا فكريا اعلاميا لكي نطرح الاسلام كما هو على حقيقته وان نزيل عنه الصورة التي التصقت فيه على غير حقيقته.. وهذا يتطلب جهدا منسقا فكريا بحثيا سياسيا اعلاميا تواجه التطرف الداخلي للاسلام والتشويه العدائي القادم من الخارج، لاننا حقيقة لا نستطيع ان نلوم الغرب وغيره من الذين فهموا الاسلام بانه دين ارهاب وقتل ، لان النماذج التي اعطاها بعض المسلمين خطأ للاسلام تعطيهم السند الذي يستندون عليه.. اذا هذه مهمة، وهي موضوع اخر على كل حال. الاثار المتوقعة للعولمة على الوطن العربي هو إحداث إصلاحات جذرية واسعة على شكل وطبيعة الدولة: المشاركة، الحريات، الديمقراطية ،حقوق الانسان.. الخ، كما اشرت سابقا في ظل دولة منزوعة السلاح لتهيمن فيه، وتبقى دولة تتوزع اكثر صلاحياتها على المستويات الادنى، وتوجد فيها حركة تغيير حقيقية لافساح الطريق امام قوى التغيير هذا.. على المستوى العربي العام. لننظر الى الثورة الفرنسية وشعاراتها، كانت النظرية شيئا والتطبيق شيء آخر، بما يعني انه عندما تكون انت كياناً ذا قدرة وفاعلية لا احد يستطيع ان يواجهك الا اذا وجدت عوامل خلل داخلي.. لاحظ كيف واجهوا العراق ؟ وكيف واجهوا كوريا الشمالية ؟.. هناك اختلاف.. لاحظ الفارق في المواجهة بالنسبة للعراق وايران، وهذا يوضح حقيقة مفادها انه عندما يكون المجتمع متراصاً وتتوفر فيه عوامل الوحدة والتلاحم بقوة، يصعب اختراقه لان موقفه يكون قوياً لانه يستند الى معارضة حقيقية، الى شعب، الى فاعلية.. لكنهم يعرفون بان الديمقراطية عندنا اذا ما خرجت مظاهرة سرعان ما توصف بانها منظمة ومدبرة وامور من هذا القبيل. من هنا اصبح إقامة قواعد عسكرية اجنبية صورة للمفاخرة على النطاق العلني باعتباره حقق انجازاً.. بينما اطراف اخرى تتحدث بكلمة مؤدبة او اخف وطأة: التسهيلات الأمنية وغيره.. ماهو الشيء الذي لم نعطه لأمريكا ؟.. لا شيء.. والذين يراهنون على أمريكا بأنها تريد ان تغيِر هذه الانظمة غير دقيقين، لانه ما الذي سيفعله النظام الذي تريد ان تاتي به امريكا ولم يقدمه النظام الحالي او النظم العربية الحالية ؟.. كل شيء عملوه. اذا بالنسبة لنا- يمنيا- ففي تصوري ان الذي قرأ مقال هيكل في – مقالات يابانية- فقد اوضح فيها ان الحرب في 1994م، كانت فصلا في فصول مخطط معين، وان لهذا الفصل ما بعده. ويبدو ان اول ما سيتم هو استكمال الفصل الختامي لسيناريو الحرب.. في تصوري كان للسيناريو ثلاثة ادوار بحسب تحليلي سابقاً، الفصل الاول كان هو نزع انياب طرف من احدى القوتين اللتين صنعتا الوحدة وهو الحزب الاشتراكي ومسح الجيش لاعتبارات عديدة. اولاً كان التوازن بين القوتين في اليمن يحول دون تشكل سياسي جديد يتواكب مع واقع الوحدة الجديد.. لانه كان أي تشكل جديد اما ان ينضم لهذا او ذاك، وكان لا بد من ازاحة طرف حتى يفسح المجال لحصول مناخ افضل لتشكلات سياسية.. وكان الجيش باعتباره جيشا(( مؤدلجاً)) بأيديولوجية معينة، كان لابد ان يُضرب كهيكلية ثم بعد ذلك يتم استيعابه كافراد. الفصل الثاني كان يتجه نحو استكمال نزع الانياب عن الطرف الآخر بوسائل شتى.. يعني مراكز القوى العسكرية توحدها مع المركز الاول (( يا هذا او ذاك)) ليس هناك استكمال سيطرة، حتى تبقى جميع القوى السياسية قوى مدنية سياسيا، منزوعة الأنياب، ويصار الى الفصل الختامي الذي هو ايجاد توليفة سياسية وتطبيق معاهدة او وثيقة العهد والاتفاق او اعادة بناء النظام السياسي وفقا للاطارالعام لوثيقة العهد والاتفاق، في ظل تركيبة سياسية منزوعة الانياب بحيث انه لو غضب احد يذهب الى البيت ولا يحرك قوات.. اي يوجد استقرار.. هذا هو الاحتمال المتفائل .. اما الاحتمال المتشائم هو ما نلاحظه من نزع التسلح الان مع غض النظر ومرافقة السلاح بموكب احتفالي من قبل السفن الامريكية الى الحديدة او حضرموت،يخشى منه ان أمريكا تعمل على إعداد اليمن لتكون قوة مواجهة في المنطقة. واذا ما تحقق هذا الاحتمال المتشائم فانه يكون استمرارلنهج درجت أمريكا على القيام به عادة، والذي هو ضرب طرف بطرف اي عربي بعربي، وسامي بسامي. هذه تقريباً التصورات التي استكملها لما اُجمل في الطرح الاول، يبقى على العرب اذا ارادوا ان يكونوا شيئاً.. فهو مطلوب منهم اعادة النظر سريعا وجذريا بصيغة النظام العربي القائم، ان يوجدوا صيغة معينة.. قد لا تكون كونفدرالية، ويمكن ان تكون بشكل سوق عربية مشتركة اولاً ينبني عليها بقية المجالات.. هذا النظام هو الذي اشار اليه الدكتور نديم البيطار ان الدول العربية مالم تحقق جبهة متناسقة متناغمة متكاملة في الدور على برنامج الحد الأدنى في ظل استراتيجية عربية تحقق الحد الأدنى للاتفاق في مواجهة اسرائيل . وما يتعلق بالعولمة وغيره فانها لن تكون شيئاً. لكي يتحقق هذا لا بُد من مركز متحرك للاحداث.. أضلاع هذا المثلث الذي هو المركز المتحرك.. هو مصر والسعودية وسوريا.. الذين يستطيعون لاعتبارات كثيرة ان يشدوا الاطراف وان يحققوا صيغة العمل العربي، لكي ندفع بها قدما الى الأمام خطوة نوعية الى الأمام. لكن الأهم من هذا هو: هل تستطيع الانظمة العربية ان تحقق سريعا- وفق رؤية اصلاحات داخلية جذرية-.. تحقق كرامة المواطن.. تحقق مشاركة للشعب اوسع وحقيقية، تحقق قدرا من الديمقراطية اولياً، تحقق مصالحة تاريخية على الصعيد القومي، وعلى الصعيد الداخلي بين الحكام والمحكومين احزاباً ومنظمات شعب ؟ .. نحن اقصى ما نطمح اليه ان تحفظ لنا كرامتنا فقط اي حريتنا، اكثر من هذا لا نريد.. في الختام لا ادري ما اذا كنت قد استطعتُ ان اُفصل بعض الشيء لما اُجمل.. وشكرا جزيلا.