تأسيس حزب الرشاد السلفي .. أهميته ودلالاته؟

ما من شك ابداً، سواء من يختلف مع السلفيين وطبيعة نهجهم ومواقفهم او من يتفق معهم، بأن إقدام سلفيواليمن، او على الاقل أغلبيتهم الملحوظة، بالاعلان عن تأسيس وتشكيل حزب سياسي يعبرعنهم، تحت اسم (( إتحاد الرشاد اليمني)) وذلك لأول مرة في تاريخ وجودهم كقوة ذات مرجعية (دينية اسلامية) في اليمن، يُعد حدثاً سياسياً كبيراً ومُهماً في مُجمل الحياة السياسية والممارسة الديمقراطية الوليدة في اليمن، يكتسب العديد من الأبعاد والمغازي والدلالات السياسية والثقافية والفكرية والحزبية والحركية على المستوى الذاتي الخاص بالسلفيين انفسهم، أفراداً وجماعة ، وعلى المستوى الموضوعي المتعلق بالحركة السياسية والعلاقات التفاعلية بين الاحزاب بعضهم ببعض، وايضاً على صعيد أفكاروثقافة الحوار والتعايش والقبول بشرعية الآخر وإحترام حقه في التعبيرعن أرائه وقناعاته وبرامجه والعمل من أجل تطبيقها عبرالوسائل السلمية والخيارات الحرة للشعب الناخب وصناديق الاقتراع ونبذ العنف والاحتكام للقوة في فرض الأراء والاجتهادات الفردية اوالجماعية.. والواقع بأن خطوة سلفيي اليمن بإقامة حزب سياسي يمثلهم، او كما اطلقوا عليه ((كيان سياسي)) تعتبر، بحق ، خطوة جرئية وشجاعة الى حد كبير، من التوقيت الزمني ، والظروف والأجواء الجديدة، محلياً وعربياً، وبالنظر  الى الحجم الكبير من اجتهاداتهم الفقهية ورؤاهم ومواقفهم السياسية إزاء أنظمة الحُكم او القوى والاحزاب السياسية القائمة بمختلف اتجاهاتها الدينية اوالقومية او اليسارية او الليبرالية ، المتراكمة عبر فترة زمنية طويلة مضت من تاريخهم ، بما في ذلك سلسلة فتاويهم الصادرة تجاه كل تلك القوى السياسية بل وبحق مذاهب فقهية ومدارس فلسفية اسلامية قائمة وناشطة على إمتداد العالم ، والتي غلبت عليها احكام (( التكفير) و(( التفسيق)) لكل الآخرالمختلف معهم فقهياً او سياسياً ، تبعاً لمدى بُعدها او قُربها من رؤاهم واجتهاداتهم ومواقفهم، مع ما عرف عنهم دائما من موقف ثابت لا يلين ولا يتزعزع في موالاة السلطات الحاكمة ودعمها ومساندتها وتحريم الخروج عليها بصرف النظرعما ترتكبة من جرائم ومفاسد ومظالم وقمع واضطهاد وقتل وتعذيب لمواطنيها وكل من يعترض عليها او ينتقد ممارساتها ، والاكثرمن ذلك تحريمها لإقامة الاحزاب والمنظمات المدنية وتكفيراشكال الانتخابات والديمقراطية بالمطلق.. وبناء على كل ذلك اعود لاؤكد مجدداً على مدى جرأة وشجاعة إقدامهم على تأسيس حزب سياسي مُعبر عنهم وناطقاً بأسمهم عموماً، وتكفى قراءة سريعة للمضامين والأفكارالتي تضمنها البيان الختامي الصادرعن مؤتمرهم العام(( التأسيسي)) الذي اعلن عن قيام حزب (( إتحاد الرشاد اليمني )) السلفي ، تظهر، بكل وضوح وجلاء المدى الواسع والتحولات العميقة في فكروثقافة ورؤى وعقلية القوى السلفية في اليمن بالقياس والمقارنة مع ما درجوا عليه وتمسكوا به بكل صرامة وثبات طوال تاريخهم المعروف كله، صدرالبيان يوم الأربعاء الموافق لتاريخ 14 مارس 2012 ميلادية عقب إختتام أعمال المؤتمر، مستهلا بالتأكيد على الأساس العقائدي الديني المُبرِروالمُسوِغ لفكرة إقامة الحزب وضرورته فيقول ما نصه ((خوض المعترك السياسي كضرورة شرعية وحتمية واقعية وإشراكاً لقواعد الدعوة السلفية في هذا الأمر)). ثم يعلن عن مشاركتهم (( في الحوار الوطني الشامل وتكليف الهيئة التحضيرية المؤلفة من 14 عضو، بإعداد رؤية سياسية شاملة لتقديمها الى مؤتمرالحوارالوطني تشمل كافة القضايا الوطنية وفي مقدمتها القضية الجنوبية)) ويتضمن البيان (( دعوة رئيس الجمهورية عبدربه منصورهادي والقوى السياسية والاجتماعية الى الحفاظ على ثوابت الأمة والاحتكام الى الشريعة الاسلامية في كل شئون الحياة ، وتجسيد مبدأ استقلال الوطن وسيادته ورفض جميع أشكال الوصاية والتدخل الاجنبي في شئونه)).. ثم يواصل البيان مستدركا(( مع الترحيب بكل تعاون اقليمي او دولي يحقق مصالح الشعب اليمني ويرفع معاناته ولا يضر بثوابته وسيادته واستقلاله)).. ثم يورد البيان ويؤكد على مبدأ مهم وحساس فيقول (( أدان المشاركون الخيانات الوطنية وكل أعمال العنف والتخريب ضد المصالح العامة والخاصة وقتل الأبرياء اياً كانوا ، والقتل خارج إطار القضاء الشرعي من اي جهة كانت)) ويضيف مؤكداً على مبدأ مهم ايضا بالقول : (( إن الوسيلة الناجحة والطريقة المثلى لحل مشكلات اليمن هي الحوارالجاد المنطلق من ثوابت الأمة ومراعاة مصالحها ، وتقديم ذلك على كل المصالح الضيقة والمشاريع الصغيرة، والارتهانات الخارجية)).  ويختم البيان بالتفاتة ذات دلالة مؤكداً على (( ضرورة استكمال جميع الاهداف المشروعة للثورة الشبابية الشعبية السلمية ، ودعوة حكومة الوفاق الوطني للمسارعة والتعجيل برفع معاناة شعبنا الكريم وتحسين ظروفهم المعيشية والخدمية ، كالمشتقات النفطية والماء والكهرباء واتخاذ الاجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك )) ومُشيداً بالثورات العربية ضد الظلم والاستبداد وبانجازاتها الرائدة في التغيير. ويتبين من خلال هذه المضامين والأفكار التي حواها البيان الختامي وعبرعنها ، أنها تكاد ان تكون جديدة الى حد بعيد عن طبيعة ومضمون الخطاب السلفي الذي عرفناه وسمعناه متكرراً في الماضي، ما يدل على ان عملية واسعة وعميقة جرت ، في الأونة الأخيرة، لتجديد وتطوير وتحديث جوانب كثيرة من تراث وادبيات وأفكار ورؤى وإجتهادات التيار السلفي في اليمن ، وذلك قياساً ومقارنة بما كان عليه في السابق، ومن المؤكد بأن عملية التجديد والتحديث والتطوير تلك قد حدثت تحت تأثيرالثورات العربية وأثارها ونتائجها ومعطياتها البالغة الاتساع والعمق وتعاطي وتفاعل التيار السلفي والتأثر بها وإستلهام دورسها وعبرها وإفرازاتها الفكرية والسياسية والحركية ، خاصة في ظل قيام القوى والأحزاب والجماعات ذات المرجعية الدينية الاسلامية ، وعلى رأسها تنظيم الاخوان المسلمين ، بدور رئيسي في أحداثها ووقائعها ، ونجاحها في أن تكون اكبرالمستفيدين والرابحين من نتائجها النهائية سياسياً، إضافة الى إستفادة القوى السلفية من تلك النتائج رغم حقيقة كونها أقل القوى مشاركة في وقائع وأحداث وتضحيات تلك الثورات وآخرها إنخراطاً فيها ! وعلى اية حال فإنه من الثابت والواضح ، فإن دخول القوى السلفية من خلال حزب سياسي مُنظم يمثلهم ، ورغم رفض شرائح منهم للفكرة وعدم المشاركة في ذلك الحزب إلى ساحة العمل السياسي العلني والديمقراطي من شأنه إدخال قوة لا يستهان بثقلها ونفوذها وإتساع انتشارها الجغرافي والاجتماعي وقدرتها الحركية التنظيمية الدقيقة، وإمكانياتها المالية الملحوظة ، الى ميدان المعترك السياسي ، مما يعيد رسم وبناء موازين القوى في الساحة السياسية اليمنية ، ويحقق قدراً اكبرمن التوازن بين القوى والاحزاب السياسية القائمة، واذا ما اضيف الى هذه الساحة قوى الحوثيين وقوى الحراك الجنوبي ، سيؤدي الى الحد وربما إنهاء مكانة ودورالتجمع اليمني للاصلاح وتفرده او إحتكاره للقوة السياسية الأقوى والأكثر نفوذاً وهيمنة في كامل الساحة السياسية التي ظلت قائمة منذ ما بعد قيام الوحدة اليمنية والتعددية الحزبية اوائل تسعينيات القرن الماضي ، ومعلوم ان تحقيق حالة التوازن الدقيق والمتكافئ بين اطراف ومكونات الساحة السياسية الوطنية يُعد عملاً ايجابياً وبالغ الأهمية يُضفي على العمل والمعترك السياسي طابع من الإنسجام والحيوية والتفاعل والتوافقات والصيغ الائتلافية اوالتحالفية، وربما دفعت في إتجاه حدوث اندماجات بين عدد من الأحزاب والقوى القائمة لخلق احزاب وقوى سياسية اكبروأقوى واكثر تاثيراً واداءاً وانجازاً وهو ما يساعد على التطويروالترشيد الدائم لمسارالعمل السياسي وأساليبه وأدواته نحوالأفضل والأحسن والأكفاء.. من ناحية اخرى فإن ولوج القوى السلفية – من خلال وعبر حزب سياسي يمثلهم ويعبرعنهم – آفاق وميادين ومجالات العمل السياسي الحزبي العلني والمفتوح وحرية التعبير والصحافة وعلنية الحوارات والمجالات والفعاليات السياسية والثقافية والفكرية على اوسع نطاق لجميع القوى والأحزاب ذات المرجعيات الدينية اوالاتجاهات القومية واليسارية والليبرالية وغيرها ، والتفاعل الحيوي المباشر بينها جميعا، ثنائياً او جماعياً، سيئودي حتماً ومنطقياً الى حالة نشطة ومتواصلة من التفاعل والتمازج والتزاوج والتلاقح والتأثيرالمتبادل فكريا وثقافيا وسياسيا بينها جميعا، مما ينتج عنه التطوير والتحديث والانضاج والتجديد المستمروالمتواصل والخلاق في فكر ورؤى وبرامج وقناعات توجهات كل منها على حدة وكلها مجتمعة، ولهذا فإن القوى السلفية من خلال وعبرحزبهم السياسي (( اتحاد الرشاد اليمني)) لا شك انه سيؤثرفي غيره من الأحزاب ويتأثربها، فكراً وثقافة وحركة واساليب عمل سياسي وجماهيري عام ، وذلك ما يجعلنا نثق بأن السلفيين سيشهدون قدراً أكبر وأعمق من التجديد والتحديث والتطويرالدائم والمتواصل على مختلف الاصعدة والمجالات ، شأنه في ذلك شأن باقي القوى والاحزاب القائمة بدون استثناء ،لأن واقع التنافس والحرص على كسب وإستمالة تأييد الرأي العام كان ولا يزال انجح الوسائل واكثرها نجاعة وفاعلية وفرضاً لضرورة إستلهام تطلعات وآمال اوسع الشرائح الشعبية والرأي العام والتجاوب معها والتعبيرعنها مما يجعل التغييروالتجديد ضرورة سياسية للفوز في الانتخابات والوصول الى الحُكم وتغييرالواقع المعاش نحوالأفضل دائما.. فمرحباً بالسلفيين وحزبهم السياسي ، وتمنياتنا لهم بالتوفيق والنجاح. والراجح انهم لن يخيبوا الآمال المعقودة عليهم وعلى دورهم الإيجابي المثمر .. والله تعالى الموفق.           

By Editor