الى اخي وصديقي العزيزعلي الشرعبي ذاك الذي عرفته مناضلاحقيقياً يجمع بين الجسارة والبساطة وبين الثبات والتجدد، ولا يزال كما كان شعبياً في حياته ونشاطاته، يعيش ويتلمس ويتفاعل مع معاناة قاع المجتمع وفئاته الاكثر حرمانا ومعاناة، إليه هذه ” الرؤية السياسية المتواضعة التي تتصور المرحلة الانتقالية و كيفية إدارتها ” بعد انتصار ثورة شعبنا السلمية العارمة التاريخية التي أعددتها على عجل تلبية لطلبه الكريم علها تشكل دليلاً لصناع الثورة شبابنا الثائر و الواعي الذي سطر ويسطر أروع وأعظم ملاحم أعظم و أعمق وأنضج ثورة في تاريخ اليمن الوطني كله آملاً أن تكون هذه المحاولة باعثاً و محفزاً و مثيراً لنقاشات و حوارات و إسهامات متميزة وواسعة النطاق من قبل طلائع الشباب خاصة، و سائر أطراف و فصائل و مكونات الثورة السياسية و الاجتماعية و المنظمات المدنية لبلورة و تعميق و إنضاج و اكلمال تلك الرؤية على النحو المنشود. ” محاولة أولية لصياغة رؤية سياسية ثورية للمرحلة الانتقالية ” أولاً : مقدمة تمهيدية لما قبل المرحلة الانتقالية : إن ثورتنا الشعبية السلمية العارمة و العظيمة وهي تواصل مسيرتها الظافرة لشهرها الثامن على التوالي أصبحت بؤرة اهتمام و متابعة و تحليل و دراسة المفكرين و المراقبين و الأوساط السياسية و البحثية سواء على النطاق الوطني أو العربي و العالمي إذ يعتبرها الكثير منهم أعظم وأصلب وأقوى ثورات ما بات يعرف بـ ” ربيع الثورات العربية ” و التي ستكون عنوانا لدراسات و بحوث أكاديمية متخصصة في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية و السياسية و التاريخية، هذه الثورة لا تزال تثير مظاهر الدهشة و الذهول و الإعجاب لدى كل أولئك المتابعين و الدارسين أفراداً أو مؤسسات، بالنظر إلى صمودها و إصرارها و محافظتها على وتيرة إيقاعاتها العالية وحجم مشاركة الملايين من أبناء الشعب اليمني من كافة فئاته و شرائحه الاجتماعية و السياسية و العمرية دون وهن أو تناقص أو نكوص رغم مضي شهور ثمانية من عمر مسيرتها، وهي في شهرها الثامن مثلاً لاتزال كما كانت في شهرها الأول أو الثاني، وكل يوم يمضي من عمرها ومسيرتها تتزايد اعداد المُنظمين إلى مسيرتها و المؤيدين لها، و بالمقابل تُستنزف و تتآكل و تتناقص أعداد و مجاميع من لا يزال باقياً في خنادق و حصون بقايا السلطة المتهالكة، وخاصة بعض وحدات عسكرية محدودة تتمترس خلف تحصيناتها ومواقعها المعزولة في قمم الجبال في العاصمة وما حولها، وهكذا استطاعت ثورتنا الشعبية الملايينيه السلمية التي لا سابق ولا نظير لها في كل تاريخنا الوطني اليمني أن تؤثر و تستميل و تجذب إلى صفوفها و مسيرتها قوى عسكرية و قبلية و مدنية واسعة و نافذة و مؤثرة مؤيدة و مناصرة و داعمة لثورة الشباب وأهدافها الإستراتيجية، وعلى ضوء و بناء على كل الحقائق السالف ذكرها فإن الثورة تكون في الواقع منتصرة يقيناً دون أدن شك، لكنها ومن موقع الاقتدار والواثق من النصر يقيناً والتزاماً بمنهجها الإستراتيجي السلمي لم تشأ الاندفاع المتعجل للحسم الثوري النهائي وهي قادرة عليه وفي متناول يديها لثقتها المطلقة بنفسها وبانتصارها التاريخي ولأنها تدرك و تعي تمام الإدراك و الوعي بأن عامل الوقت يعمل لصالحها وفي خدمتها، وبالمقابل يلعب عامل الوقت نفسه سلباً على بقايا مواقع وتحصينات سلطة الفساد والتخلف المتهالكة المنهكة ويُعجل عملية سقوطها التلقائي والنهائي في زمن هو أقصر كثيراً مما صوره لها خيالها السقيم والأعمى، والواقع أنه لم يعد أمام بقايا تلك السلطة الآيلة للسقوط بل الساقطة بالفعل سوى مواصلة اللعب بورقتين لا تزالان في يدها وهما : الورقة الأولى: تضخيم التلويح والتهديد باستخدام ما تبقى من وحدات عسكرية وأمنية تحت سيطرة أبناء الرئيس المُغيب و أفراد أسرته في افتعال مواجهة حسم عسكري نهائي وشامل، لكن هؤلاء المتحكمين بتلك الوحدات من أفراد أسرة الحاكم الهارب يدركون أكثر من غيرهم تمام الإدراك، أن الحسم العسكري بالنسبة لهم مقامرة بالغة الخطورة و هي بمثابة ” انتحار جماعي ” لهم ستقضي عليهم فوراً، ولن تؤثر في مسيرة الثورة أو قواها قيد أ نملة، وهذه حقيقة أكدها لهم مستشاروهم العراقيون من كبار قادة جيش ومخابرات نظام صدام حسين البائد، والذين لجأوا تحت حماية السلطة المنهارة منذ سنوات خلت، ولهذا فهم يلوحون و يهددون باستخدام ورقة الحسم العسكري دون أن يجرأوا على استخدامها عملاً بالقاعدة السياسية العسكرية القائلة ” إن التلويح باستخدام القوة كاستخدامها ” ! الورقة الثانية: وهي الأكثر خطورة و تأثيراً وتندرج ضمن خطة ” إستراتيجية خلخلة صفوف الثورة وبث الفرقة بين قواها ” وهي إستراتيجية تمت صياغتها ورسمها من قبل مجموعة المستشارين العراقيين المشار إليهم آنفاً، وخاصة كبار قادة مخابرات صدام الذين وجدوا أنفسهم سواء أكانوا مختارين أم مجبرين للعمل مع السلطة الحاكمة منذ هروبهم إلى اليمن كنوع من دفع ضريبة المأوى ، و تبلورت معالم وأسس و أساليب و أهداف هذه الإستراتيجية منذ بداية مرحلة الثورة الأولى وتقوم على مفاهيم و أساليب الحروب النفسية والدعاية الماكرة أثناء الحروب، بغرض خلخلة صفوف العدو وتدميره ، و أوكلت مهمة تنفيذ أهداف هذه الإستراتيجية للجماعات المتبقية من الأجهزة الأمنية وخاصة ” جهاز الأمن القومي” وباقي الأجهزة الأمنية العسكرية وغير العسكرية، إضافة إلى بقايا تكوينات وعناصر الحزب الحاكم التي واصلت ولائها للقادة العسكريين والأمنيين من أفراد أسرة الحاكم والأجهزة الإعلامية الرسمية الواقعة تحت سيطرتهم… الخ، وبحسب بعض التعميمات السرية جداً الصادرة عن قيادة جهاز الأمن القومي للعناصر والشخصيات العاملة معه أو الصديقة له داخل البلاد و خارجها ، يمكن استشفاف معالم تلك الإستراتيجية على النحو التالي: 1) ليس المطلوب في المرحلة الراهنة الدخول في مواجهات أو أنشطة للدفاع المفضوح عن السلطة الحاكمة ، بل المطلوب الانخراط بشكل أو بآخر في التيار العام المؤيد للثورة إجمالاً مع التركيزعلى تأييد ومناصرة الشباب . 2) تركيز الهجمات و الحملات على ثلاث قوى أصبحت من مكونات الثورة وهم : ” الإخوان المسلمين ” هكذا بهذا الاسم و ليس التجمع اليمني للإصلاح ، وأولاد الشيخ / عبد الله بن حسين الأحمر ، و اللواء علي محسن الأحمر ومن معه من القادة العسكريين، باعتبارالقوة الأولى إسلامية متطرفة تريد السيطرة على الثورة و إقصاء واستبعاد الآخرين والإنفراد بالسيطرة على الحكم… الخ، ولأن القوتين الثانية والثالثة هم من كبار رموز الفساد و نهب الأرضي والأموال العامة و استغلال مقدرات البلد لمصالحهم الشخصية أكثر بكثير من كل المسؤلين في الدولة … الخ، وأنهما القوتان الداعمتان للإخوان المسلمين… الخ .. 3) الاستمرار دون كلل أو ملل في بث المخاوف والشكوك داخل أوساط الشباب خاصة، وبين الإصلاح وسائر أحزاب اللقاء المشترك، وبين الحوثيين والإصلاح، وبين الجنوب و الشمال، و بث الإشاعات وزرع الفتن و المؤامرات بهدف إحداث صراعات و انقسامات و تفككات داخل صفوف الثورة وقواها بعضها ضد بعض لإضعاف الثورة من ناحية ، وإظهارها – و هذا هو الأهم – بمظهر الحركات الارتجالية التي لم تستطع أن تتوحد فيما بينها و هاهي تتصارع اليوم وهي لا تزال خارج السلطة فكيف سيكون حالها إذا حكمت !! والواقع أن علينا جميعاً أن نعي و نتنبه جيداً إلى خطورة هذه الورقة الثانية التي تواصل بقايا السلطة الآيلة للسقوط اللعب بها، والآثار والنتائج الخطيرة التي قد تنتجها هذه الإستراتيجية مع المدى، وأكثر ما يبعث في نفوسنا الأسف و الأسى أن هذه الإستراتيجية بدأت تعطي ثمارها الخبيثة مما نراه و نلمسه من مُجاراة، لاشك أنها برئية وغيرمقصودة، لبعض أهداف وغايات تلك الإستراتيجية المدمرة، فحملات الشكوك و التشكيك و العداء للأطراف والقوى التي باتت تشكل مكونا ً من مكونات الثورة بمواقفها المعلنة والعملية واستدعاء الماضي وتضخيمه و تهويله للتشكيك بمواقف ونوايا كل من أولاد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، واللواء علي محسن الأحمر و رفاقه من القادة العسكريين خاصة، إضافة إلى تجسيم الوهم و تضخيم وتهويل خطر الإصلاح الداهم والماحق ، باتت للأسف تنشط و تتردد في ساحات الثورة وبين مكوناتها و قواها في الداخل والخارج أيضاً، دون أن نعي و نتنبه إلى أننا- من حيث نعلم أو لا نعلم- نردد و ننفذ الأساليب و الأهداف الشيطانية لإستراتيجية خلخلة صفوف الثورة و زرع الفُرقة و الصراع والتمزق بين قواها و مكوناتها. و بكل أسف فقد ساعد و هيأ المناخ الملائم لظهور و تنامي تلك الظواهر و الممارسات السلبية والخطيرة على مسار الثورة، أسباب و عوامل عدة أهمها: 1) الإخفاق في إيجاد آلية عملية فعالة لتحقيق تواصل وحوار وتفاهم مستمر و متواصل بين شباب الثورة وكل من أحزاب اللقاء المشترك والقوى العسكرية والقبلية والأطراف السياسية الفاعلة كقوى الحوثيين والحراك الجنوبي وحزبي رابطة أبناء اليمن والتجمع الوحدوي اليمني ومعارضة الخارج لتبادل الآراء والمعلومات و إجراء مشاورات وتفاهمات حول مختلف القضايا والمستجدات التي تهم حاضر ومستقبل الثورة أولاً بأول و على نحو يفضي إلى تعزيز الثقة و التلاحم و الوحدة العامة لقوى الثورة ومكوناتها . 2) إنفراد قيادة أحزاب اللقاء المشترك بإجراء حوارات و تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة مع سُلطة ،الشعب في حالة ثورة عارمة عليها وعقد اتفاقيات والموافقة على مبادرات إقليمية –دولية- والتوقيع عليها مع السلطة محل الثورة الشعبية دون تشاوروتفاهم مسبق مع قوى ومكونات الثورة الأخرى، مما أكسب تلك السلطة مشروعية افتقدتها بالثورة وتبرع لها بشرعية إعادة إنتاجها استناداً إلى شرعية داخلية وإقليمية و دولية، و هذا خطأ سياسي جسيم و بالغ الخطورة وقع فيه المشترك موجهاً ضربة موجعة للثورة ومشروعيتها إذ جعل المجتمع الدولي والإقليمي ينظر لما يحدث في اليمن لا باعتباره ثورة شعبية تطالب بالتغيير الشامل وإسقاط السلطة القائمة و إنما باعتباره صراع سياسيي وأزمة سياسية بين السلطة والمعارضة تُحل بالحوار وصفقات الحلول الوسطى، والغريب أن الثورات العربية التي سبقتنا أو تزامنت معنا كثورة تونس ومصر وغيرها لم يحدث أن أنبرى حزب معارض إلى إجراء حوار وتوقيع اتفاقيات مع السلطة الحاكمة اثناء غليان الثورة وعنفوانها ابدا، مما جعل العالم يعتبرها ثورات شعوب ومطلبها باسقاط السلطة، والتغيير مطلب مشروع يجب دعمه ! 3) إن مجموعة التكتلات والائتلافات الشبابية التي نشأت وتكونت تحت و قع الثورة وزخمها الثوري المتصاعد، و أن يكن بعضها أنشئ من قِبل أحزاب المعارضة ” اللقاء المشترك “، ورغم الكثرة العددية لها فإنها على وجه الإجمال تُعد ظاهرة صحية وإيجابية تدل على حيوية الثورة وزخمها المتدفق وفعلها الخلاَق، ومع هذه الإيجابية البارزة المسجلة لصالحها إلا أنها عانت من سلبيتين: السلبية الأولى: أن بعض تلك التكتلات والائتلافات الشبابية، و خاصة منها تلك التي أوجدتها و كونتها أحزاب المعارضة السياسية القائمة ، لم تتمكن من إيجاد ” مساحة فراغ ” بين ولائها للثورة الشعبية التي هُم أحد أهم صانعيها و بين انتمائها و التزامها الحزبي ، مساحة تتيح لها تغليب ولائها للثورة على التزامها الحزبي، ولا أقول إلغائه بل جعله في المرتبة الثانية ، مما أدى ، و كان من الطبيعي أن يؤدي ، إلى حدوث حالة من المواجهات و الصراعات على شكل ” صراع فرض الإرادة و الهيمنة ” بين التكتلات والائتلافات الشبابية التابعة لأحزاب المعارضة والمستقلة عنها ، صراع خلق حالة من التذمر والاستياء و فقدان الأمل لدى قطاعات لا يستهان بها من جماهير الثورة .. و يبدو ، للأسف الشديد، أن أحزاب المعارضة أرادت تحقيق احتواء الثورة و تجييرها حزبياً والثورة كانت أكبر بكثير جداً من أحزاب المعارضة في واقع الأمر. السلبية الثانية: وبغض النظر عن السلبية الأولى المشار إليها آنفاً ، فإن العدد الكبير من التكتلات و الائتلافات الشبابية التي نشأت و تكونت بفعل الثورة وإيحاءاتها و ضروراتها ، لم تستطع تحقيق ” إطار تنسيقي أعلى ” فيما بينها ، إطارعام ينسق و ينظم و يُكامل طاقاتها و قواها وإمكانياتها تحت و بناء على مقتضيات هدف إستراتيجي مشترك واحد وهو ” قيادة مسيرة الثورة و تصعيد فعالياتها نحو تحقيق هدفها الأول المتمثل بإسقاط السلطة القائمة وانتصار الثورة ” ذلك أن غياب و عدم وجود شكل أو إطار تنسيقي عام أعلى كهذا ترك المجال مفتوحاً للتنافسات الذاتية فيما بينها وحدوث مواجهات هادفة إلى سعي كل واحد منها إلى فرض وجوده وتسييد إرادته على حساب الآخرأو بالانتقاص من أدوارهم ومكانتهم ، وفي هذا الصدد كان من الطبيعي و المتوقع أن تكون الغلبة أو قُل الحضور الأبرز من نصيب التكتل الشبابي الحزبي بفعل تمتعه بمزايا الدعم اللوجيستي و المالي و الآلة التنظيمية الأضخم والأدق تنظيماً . ثانياً: الضمانات الأساسية لحماية الثورة وضمان استمرارها: إن ثورات ” الربيع العربي ” كما اصطلح على وصفها ،ومنها ثورتنا ، هي في المجمل العام ، ثورة معاصرة مختلفة تماماً في فلسفتها و مناخها الفكري و السياسي وفي طبيعتها وأساليبها وأهدافها ، عن كل ما تعلمناه و عاصرناه من ثورات و انقلابات و تحولات في الماضي ، أنها ثورة آذنت و أسست لعصر ومرحلة تاريخية جديدة ومغايرة لما سبقها ، عصر ومرحلة عمادها و صُناعها و حُماتها هم الشعوب و إراداتها الجمعية وليس النُخب كما كان الحال في سالف الدهر. إن ثورات الشعوب هذه وفي هذا العصر أوالمرحلة التاريخية المعاصرة، هي ثورات انطلقت من الإرادة الحرة لشعوب أخضعتها سلطاتها الحاكمة لعقود طويلة من الزمن لاسوأ وأمر وأقسى حالات الهوان و الإذلال وسحق الكرامة والعزة الفردية و الوطنية وفرضت عليها صنوف غير مسبوقة من الإفقارالمتعمد والتجويع والإرهاب والرعب ظناً واهماً من قبل تلك السلطات البشعة أنها أساليب ناجحة تضمن لها تأييد سيطرتها على الحُكم و توريث أسرها عليه من بعدهم ! ثورات عارمة انتفضت فيها الشعوب وانطلقت مصممه على عدم العودة أو التراجع، لتصنع الفجر العربي الانساني الجديد المشرق و لتعيد صناعة الحياة على أرضها، حياة تحقق لها ولأجيالها القادمة من بعدها قيم الكرامة والعزة والحرية والعدل و التقدم والازدهار، حياة جديدة تصوغ و تبني الإنسان الحرالمقتدر والقادر على صنع الغد المشرق والمستقبل الزاهر الذي يؤهلها لتتبوأ مكانها ومكانتها اللائقة بين أمم وشعوب الأرض . لقد ثارت الشعوب وانطلقت من قمقمها المغلق مارداً جباراً عملاقاً، عاقدة العزم و مصممة على أن تكون في حالة ثورة دائمة متواصلة مستمرة بدون انقطاع، لقد أعلنت وفاة وانتهاء المرحلة التي غُيبت فيها الشعوب عن كل دورأو فعل أو رأي، وصنعت الزمن الذي يعلن فيه عن حضورالشعب الدائم وامتلاكه لزمام أمره بنفسه و بشكل مباشر مَنبعاً و مَصدراً لكل سلطة ورقيباً و حسيباً لكل سلطة فلم يعد قادراً على غض الطرف أو التسامح إزاء أدنى انحراف أو فساد أو تسلط بمجرد ظهور مؤشراته أو بوادره الأولى، بل يعلن النفيرالعام لثورته لتصيحح المسار ومعالجة الخلل و تقويم الاعوجاج فوراً وبدون إبطاء، وهكذا يُجْبر حاكميه على البقاء في حالة خوف وتيقظ و انتباه وحرص على تحاشي الوقوع بأي خطأ أو انحراف في أي لحظة خوفاً و تحسباً من ثورة الشعب المتحفز والمستعد دائماً لمعاودة ثورته ضد مثل تلك الأخطاء والانحرافات دون تركها تتمادى و تتعمق و تستفحل وتتعقد وتتجذر. و مما لاشك فيه أن الثورة الدائمة المتواصلة هذه عمادها و محركها و صناعها هم الشباب بطبيعة الحال وعلى الشباب أن يعي تمام الوعي أن ديمومة الثورة والحفاظ عليها وإبقاء جذوتها متوقدة يتطلب إيجاد وتأكيد ضمانات أساسية لها لعل أهمها: 1) الإيمان الراسخ أن الثورة لا ينتهي فعلها أو تنطفئ شعلتها بمجرد انتصارها الأول المتمثل بإسقاط السلطة الفاسدة القائمة بل أنها فعل إنساني دائم ومستمر ومتواصل ما دامت تجربة الإنسان على الأرض باقية فالأخطاء والتجاوزات و الانحرافات ظواهرملازمة لكل عمل إنساني ينفلت عن ضوابط الرقابة و المحاسبة وروادع العقوبة و الجزاء، و هوما يحتم ديمومة الثورة واستمرارها بتعاقب الأجيال . 2) على تكتلات وائتلافات شباب الثورة المسارعة دون إبطاء إلى ” مجالس تنسيق و تعاضد” داخل كل ساحة من ساحات الثورة على حدة، و ” مجلس تنسيق و تعاضد أعلى ” يربط مجالس التنسيق و التعاضد القائمة في كل ساحات الثورة لضمان وحدة الحركة و الفعل و بلورة الرؤى والمواقف المشتركة المتفق عليها بالحوار الودي . وبحيث يتمثل كل مجلس تنسيق وتعاضد في كل ساحة من ممثل واحد لكل تكتل اوائتلاف بغض النظرعن الحجم و الثقل ويتمثل مجلس التنسيق والتعاضد الأعلى من ممثل واحد لكل ساحة بغض النظر عن الحجم و الثقل. إن الإسراع في إنجاز هذه الضمانة من شأنه أن يوفر لقوى الشباب ” إطار مرجعي سياسي ” يعبرعنهم و يمثلهم كقوة رئيسية وأساسية من قوى الثورة من ناحية ، ويتيح لهم المجال للمناقشة والتوصل إلى صيغ عملية فعالة للإبقاء على الكيان الشبابي هذا لمراحل ما بعد انتصار الثورة بإسقاط بقايا السلطة العائلية الحاكمة و ضمان ديمومة الثورة و حضورها الدائم . 3) الشروع بعقد لقاءات تشاوريه تفاهمية حوارية وتنسيقية مستمرة بين الإطار التنسيقي الممثل للتكتلات و الائتلافات الشبابية في كل الساحات ” مجلس التنسيق و التعاضد الأعلى ” و بين قوى و مكونات الثورة الأخرى أحزاب اللقاء المشترك – القوى العسكرية المؤيدة للثورة – القوى القبلية المؤيدة للثورة – الحوثيين – الحراك الجنوبي – حزب الرابطة – التجمع الوحدوي اليمني… الخ بهدف التنسيق و التفاهم حول العمل الثوري المشترك والعمل على تضافروتكامل الجهود كلها نحوهدف الثورة الأول بإسقاط السلطة أوما تبقى منها، و التفاهم حول البرنامج السياسي المتصور لتسيير وإدارة المرحلة الانتقالية القادمة وأسسها وآلياتها. ويمكن الاستناد إلى المبادرة أو التصورات التي قدمها الشيخ عبدالله الناخبي كأساس للحوارهذا من أجل الخروج بصيغة مشتركة للعمل المشترك . 4) ويجب إعطاء الأولوية الأولى من الاهتمام و العناية للقضية الجنوبية بالتوافق على صيغة مرضية للجميع لحلها بشكل جذري و يمكن في هذا الصدد أن تكون مبادرة أو تصورات الشيخ عبدالله الناخبي أساساً في هذا الحل ، و باختصار فإن الحل لا يخرج عن أحد خيارين: الخيار الأول : تشكيل هيئات الثورة وسلطات المرحلة الانتقالية القادمة بالمناصفة بين الجنوب والشمال باعتبارها مرحلة تأسيس للنظام الثوري الجديد الذي سيقوم على بناء دولة فيدرالية واسعة السلطات بحيث تشرك الهيئات المنتخبة في الأقاليم الفيدرالية في انتخاب وتعيين الرئيس ورئيس الوزراء وكبار مسئولي الدولة الأساسيين، إضافة إلى السلطات الواسعة الممنوحة لها في إدارة وتسيير شئون أقاليمها أصلاً و على أن تُبنى هذه الدولة الفيدرالية و فقاً لأرقى وأفضل المعايير والأسس التي تقوم عليها الفيدراليات في العالم في إطار دولة مدنية ديمقراطية حديثة وعادله. الخيار الثاني : أو تتم العودة إلى إستفتاء شعب الجنوب تحت إشراف دولي ليختار بين الدولة الفيدرالية أوالانفصال و يجب على الجميع احترام إرادة شعب الجنوب وإنفاذها . 5) إن الشكل أوالإطارأوالكيان الشبابي المقترح سرعة إنشائه بدون إبطاء وكما أشرنا إليه في نقاط الضمانات السالفة الذكر يجب أن يكون هو من يتحمل مسئولية حماية الثورة و ضمان ديمومتها و استمرارها كفعل ثوري غير منقطع ، لانفصد أن يكون بناؤه على غرار البناء الحزبي التقليدي القائم على التشكيل الهرمي التسلسلي في مراتبه وتشكيلاته وآلياته التنظيمية و إنما المقصود هو إيجاد توافق عام بين قوى الشباب على الاستمرار و مواصلة دورهم و حضورهم عبر وسائل أساليب جديدة مبتكرة تقوم على مواصلة اتصالاتهم و مشاوراتهم و تبادل وجهات النظر و مناقشة القضايا التي تهم ثورتهم و بلادهم و التفاعل معها من خلال و سائل الاتصالات الحديثة التي توفرها تكنولوجيا الاتصالات ( فيسبوك – تويتر – يوتيوب – وغيره (تماما كما فعلوا حين خططوا لتفجير الثورة أول مرة و قادوها بكل وعي و اقتدار و بما يكفل لهم رصد ومراقبة التطورات و اكتشاف الانحرافات و الأخطاء والتجاوزات و التحرك لمواجهتها عند اللزوم ، و دعم و مساندة المرشحين للمناصب الرئيسية القيادية للدولة من ذوي التاريخ النظيف و النزاهة والاستقامة والكفاءة ، و التحذير من الفاسدين والملوثين و كشفهم للناخبين دون تجاوز للقوانين المرعية… الخ . ومثل هذا الكيان الشبابي ينبغي أن لا يكون شكلاً جامدا و متحجراً فشباب اليوم مصيره أن يشيخ غداً وهكذا وعلى هذا الكيان مراعاة سنة التغييروالتجديد الدائم في تكويناته بعملية ضم مستنيرة للشباب الجديد المتعاقب . 6) إن الشباب و قد كان صانعا واعيا ومقتدرا للثورة الشعبية العارمة ينبغي أن لا يكون شاب سلطه بل يجب عليه أن يكون دائما صانعاً للسلطة ورقيبا شعبياً صارماً على أدائها ، على أن هذا بطبيعة الحال لا يعني مطلقاً حرمان الشباب المؤهل والقادر والموهوب من التقدم لتولي أي منصب أومسئولية في الدولة فإن ذلك حقه وواجبه ،وانما المقصود هنا أن يظل الكيان الشبابي صانعاً للسلطة، طاقة ثورية دائمة رقيباً على السلطة محركاً للثورة في حال انحراف أو تجاوز السلطة ، فمن يصبح مسئولاً أو قائداً من قيادات الدولة من الشباب يصبح تلقائيا محلاً لرقابة الكيان الشبابي الثوري و هكذا . ثالثاً : المرحلة الانتقالية مهامها و إدارتها : المرحلة الانتقالية هي دائما سلطة مؤقتة تقام عقب سقوط مرحلة حكم انهار وباد وتستند في مشروعيتها على الشرعية الثورية الشعبية التي أطاحت بالسلطة القديمة البائدة ،واوكلت مهام تصفية الاوضاع الفاسدة والسئية التي خلفتها السلطة المبادة والتأسيس والإعداد و التهيئة للنظام السياسي أو الدولة الجديدة التي قامت الثورة الشعبية أساسا لإقامتها بديلاً إيجابياً جديدا لسلطة منحلة و مبادة . واذن فالمرحلة أو الفترة الانتقالية هي سلطة تأسيس و بناء أسس و مقومات و مؤسسات الدولة الجديدة البديلة للوضع الذي كان قائما قبل الثورة ، و هي تبدأ مهامها عمليا فورسقوط السلطة القديمة . وعموماً يمكن التطرق للمرحلة الانتقالية المنتظرة وفقاً للنقاط الرئيسية التالية: 1) تستند سلطات المرحلة الانتقالية في تشكيلاتها ومهامها و إدارتها الى ” إعلان دستوري ” يصدر بقوة الشرعية الشعبية الثورية و يحكم كامل فترة المرحلة الانتقالية وسسلطاتها و قوتها . 2) وتدار سلطة المرحلة الانتقالية حسب ما يفترض أن ينص عليه ” الإعلان الدستوري ” من خلال ” مجلس ر رئاسة انتقالي ” و ” مجلس وطني انتقالي ” و ” حكومة انتقالية ” و مجلس قضاء انتقالي ” و ” مجلس دفاع وطني انتقالي ” ، و يحدد الإعلان الدستوري في أحكامه مهام و صلاحيات و سلطات و علاقات كل منها على حدة ، وهي في مجملها مهام ومسئوليات تأسيسية للنظام السياسي و الدولة الجديدة المزمع إنشائها كبديل للقديم إضافة إلى إدارة شئون الدولة و المجتمع اليومية و الروتينية . 3) ولما كانت المهمة الكبرى للمرحلة الانتقالية و هيئاتها و سلطاتها تتمثل با لتهيئة والإعداد والتأسيس لأسس و مقومات النظام السياسي أو الدولة الجديدة البديلة المراد إقامتها على أنقاض السلطة المبادة ، فلأن القيام بتلك المهمة لا يمكن أن يتأتى الا على ضوء وفي إطار تصوركامل لشكل الدولة الجديدة البديلة وطبيعتها ، وهذا بدوره لا يأتي الا على ضوء دستور جديد كامل ينبغي صياغته والاستفتاء عليه واقراره ،من هنا تحتل مسألة إيجاد دستور جديد أهمية قصوى وأولوية أولى ضمن مهام ومسئوليات سلطات المرحلة الانتقالية ، و بموجبة وتقيدا بإحكامه يتم إعادة صياغة و إصدار كامل المنظومة القانونية للدولة الجديدة . 4) وعلى ماسبق يجب أن تبدأ مهام ” المجلس الوطني الانتقالي” أولاً و قبل كل شيء بإدارة حوار سياسي و طني شامل يتمخض عنه صياغة الدستور الجديد، حتى يتسنى لسلطات المرحلة الانتقالية كل في محال مهامه و صلاحياته.