قبل حولي شهرين تقريبا اتصل بي أحد الأخوة الصحفيين الممتازين، ممن أحبهم وأقدرهم ،مقترحا علي أن أكتب حول الحملة القاسية التي شنها الاستاذ عبد القادر باجمال ، رئيس مجلس الوزراء ، ضد قيادات الأحزاب المعارضة وصحفها وخطابها الإعلامي ، وكانت حملة معاكسة ومضادة قد بدأت تتصاعد حدة واتساعا  ضد باجمال ليس في صحف المعارضة فحسب ، بل وفي بعض الصحف شبه الحاكمة أو قل المدعومة من الحكم .                           وأذكر أني قلت لصديقي الصحفي بتلقائية وبنوع من الاستغراب مستفسرا ، ولماذا حددت لي هذا الموضوع بالذات لأكتب حوله ؟ خاصة وأنه لا توجد بيني وبين باجمال أي مشكلة أو سوء تفاهم مطلقا ، ورد بشرح مقابلة صحفية لرئيس الوزراء اتسمت      بالحدة وعدم الموضوعية والتجني على الأحزاب وقيادات الأحزاب وخطابها الإعلامي معتبرا ذلك مؤشر خطر يهدد حاضر ومستقبل الديمقراطية والتعددية الحزبية حديثة العهد في بلادنا .. ولأنني اميل بطبعي ، دائما ، الى المجاملة وتجنب أي ما من شانه الإساءة من قريب او من بعيد الى مشاعر الآخرين ، فقد وعدت صديقي العزيز بالتفكير بالأمر ،ولم استطع حينها ان البي رغبته بالكتابه عن باجمال ، ولكني كتبت له مقالا في موضوع اخربعيد عن الشان الوطني .. بعد ان فشلت في العثور على دوافع ومبررات كافية في نفسي تقنعني بالكتابة عن باجمال وموقفه من الاحزاب والمعارضة وما يتعلق بذلك ، ليس لانني اتفق معه في رؤيته وموقفه ذاك ، حيث اختلف معه يقينا في رؤيته وموقفه ، وانما لانني اقتنعت بان الرجل كان صادقا وواضحا وجريئا في اعلان  ما يراه وما يعتقده دون مواربه او خداع الفاظ اومجاملات زائفة، تعلن شيئا وتضمر نقيضه ، هذا من ناحيه ، ومن الناحيه الاخرى فان ما اعلنه وصرح به الاخ عبد القادر باجمال لا يتعدى تاثيره وانعكاسه النطاق الاعلامي والراي والراي الاخر كما يقولون ، ولم يترتب عليه خطوات او إجراءات عملية او تنفيذيه تضر بالتعددية الحزبية او الديمقراطية المحدودة في بلادنا او بالحريات الفردية والعامة ، في حين ظلت الاحزاب السياسية ((المعارضة )) تتعرض لسلسلة متواصلة من الضربات الاجهاضية والمؤامرات التخريبية كاختراقها من داخلها وشراء او افساد الذمم والاخلاق بالترغيب وبالترهيب واثارة الصراعات والانتفاضات داخل كل حزب على حده وفقا لسياسة التفريخ والاستنساخ سيئة الذكر ، من قبل اجهزة النظام ومؤسساته الرسمية منذ بدء العمل بالتجربه الديمقراطية والتعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطةعقب قيام دولة الوحدة في 22 مايو 1990 م، ولاتزال حتى اليوم هي السياسة المعتمدة للاسف الشديد!                                                                                             وبهذه المقارنة يمكن النظر الى تصريحات باجمال باعتبارها قمة الرحمة واللطافة ، لان تاثيرها لايتجاوز دائرة ونطاق الكلام والراي، بالقياس الى الاثار السلبية المدمرة والتخريبية لتلك السياسة المعتمدة والمتبعة في الواقع والميدان العملي وان لم يصرح بها او يعلن عنها بطبيعة الحال . والواقع ان اكثر ما دفعني الى هذه الكتابة عن عبد القادر باجمال ، هو انني لاحظت ان هذا الرجل ظل هدفا للحملات الصحفية منذ  كان وزيرا ثم نائبا لرئيس الوزراء ، وازدادت تلك الحملات ، حدة واتساعا ، بعد ان اصبح رئيسا للحكومة ، بل منذ اليوم الاول لتوليه هذا الموقع ولما يشرع في ممارسة مهامه ! ، ولم تكن احزاب المعارضة وصحفها وحدها في هذا الميدان ، بل هناك صحف (( اهلية )) و ((خاصة )) معروف عنها صلتها العضوية بجهات رسمية تمولها وتزودها بالمعلومات والبيانات والوثائق ، كانت هي رأس الرمح وكتيبة الاقتحام الاول في تلك الحملة ! والاشد غرابه في هذا الصدد ان باجمال اصبح في الاونة الاخيرة هدفا لحملات ومعاداة الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم الذي يراس باجمال حكومته التنفيذية . فلقد بات الراي العام في بلادنا يتم تعبئتة وتوجيهه ، في الغالب الاعم ، وجهة مؤداها  ان باجمال ، رئيس الحكومة ، هو وحده ولا احد سواه، المسؤول الوحيد والاوحدعن : * مشاكل وازمات وبلاوي البلاد وشقاء وبؤس العباد فيها . * ازدياد نسب البطالة واتساع نطاق الفقر .  * استشراء واستفحال الفساد الذي بات سيد الموقف راسيا وافقيا وصاحب الهيمنة المطلقة في البلاد . * تدهور قيمة العملة الوطنية ((الريال)) مقارنة بالدولار والانخفاض المريع في قيمته الشرائية. * الفوضى والانفلات الأمني ، وسقوط هيبة القانون واحترامه . * وربما كان هو المسؤول عن الجفاف وتأخر هطول الامطار وشحتها ! واذاما تساءل البعض ، بكل براءة، عن كيفية نجاح هذا الرجل ،الرهيب ، في إحداث كل هذه المصائب والكوارث ، قالوا لهم اليس باجمال هو مهندس ومنفذ وفارض الاصلاحات الاقتصادية والمالية والادارية وتجريع البلاد بجرعها المميته ارضاء ومجاملة لصندوق النقد الدولي ودوله الغنية المانحة أي (( المتصدقة ))؟! مع ان الجميع يعلمون يقينا ، بمن فيهم وفي مقدمتهم القائمون على تلك الحملات خاصة ان مسالة الاصلاحات المذكورة ، ومن ضمنها الجرعات ، كانت سياسة ثابتة اتبعتها اليمن منذ ما بعد قيام دولةالوحدة وصاغتها في برنامج شامل ومتكامل حكوماتها المتعاقبة ذات الائتلاف الثنائي اولا ثم الائتلاف الثلاثي ثانيا ، فالائتلاف الثنائي بعد حرب1994 م وقدمتها كالتزام للمعنيين الدوليين حينها ، حيث لم يكن باجمال في اثنائها شيئا مذكورا على صعيدصنع القرار في البلاد.فلماذا ياترى تشن كل هذه الحملات الشعواء والمتعددة المنطلقات والاغراض والحسابات ضد الاخ عبد القادر باجمال رئيس الحكومة ؟ وهل من الانصاف والعدل ان يحمل وحده كل مشاكل وازمات البلاد وكل اوزار الفوضى والفساد والاختلالات التي تعصف باوضاعنا عصفا مريعا ؟ وبادئ ذي بدء اود التاكيد على حقيقة انني هنا لا انوي نصب نفسي محاميا اومدافعا عن باجمال ، كما انني لست مؤهلا ولاقادرا على ذلك ، وكل ما اهدف اليه مجرد التعبير عن دهشتي واستغرابي وحيرتي الشديدة ازاء ضراوة الحملات الصحفية الموجهة ضد باجمال واتساع نطاقها وتصاعد حدتها سواء من صحف احزاب المعارضة او غيرها من الصحف الاهلية لصيقة الصلة بدوائر النظام واجهزته ، اضافة الى مواقف الكتلة البرلمانية التابعة للحزب الحاكم الذي يتولى باجمال رئاسة حكومته اصلا !! حيث اعتقد ان تلك الحملات الضارية بالاضافة الى حقيقة كونها مغالية وتنطلق من رؤى واحكام مسبقة وتخرج ، بهذا القدراو ذاك ، عن معايير الموضوعية  والدقة والحيادية، فانها الى ذلك تعتبر فريدة من نوعها اذ لم يحدث طوال تاريخ البلاد المعاصر، ان تعرض رئيس حكومة اواحد من كبار الزعماء الرسميين، لحملات مماثلة من حيث مضمونها ونطاقها واطرافها وحدتها ! ولعلي مجبر هنا على اذاعة سر وهو انني شخصيا لم يسبق لي ان حظيت بشرف اللقاء بالاخ عبد القادر باجمال او التعرف اليه مباشرة وعن قرب اطلاقا ، وكانت المرة الاولى التي وجدت نفسي فيها وجها لوجه معه ومصافحته بالصدفه البحته صباح يوم الثلاثاء 27 /7 في دار الرئاسة الذي وجهت لي دعوة بالحضور اليه بدون ذكر سبب لذلك مع عدد اخر من المدعوين ، حيث عرفنا حينها ان دعوتنا كانت بمناسبة اصدار فخامة رئيس الجمهورية قرار تشكيل (( لجنة وطنية للوساطة ))والعمل على حل احداث صعدة الدموية سلميا .  ورغم انها كانت المرة الاول التي التقي بها مباشرة مع باجمال واصافحه مصافحة عابرة ، لكنني كنت اعرف عنه بالسماع والمتابعة لاخباره منذ ان كان مسؤؤلا في مكتب الرئيس علي ناصر محمد عام 1979 م، مرورا بمختلف المسؤوليات والمواقع التي تولاها سواء في الشطر الجنوبي من الوطن قبل اعلان دولة الوحدة او بعدها ،حيث لم يكن بالشخصية المجهولة اوالهامشية التي لا تبين. والواقع ان الصورة التي رسمت في ذهني ، منذ عام 1979 م وحتى اليوم ،عن عبد القادر باجمال تتحدد معالمها وجوانبها الرئيسية العامة بانه شخصية تمتلك مقومات وقدرات قيادية بارزة تميل او بالاصح تنزع الى الخلق والابداع والتجديد ،استنادا الى خلفية ثقافية وسعة اطلاع متنامية ومتسعة باستمرار ، وجرأه وشجاعة في التعبير عما يؤمن به والسعي لتنفيذ ما يعتقدة صائبا باسلوب صادق و مباشر دون مواربة او تغليف او تردد ، هذا اضافة الى ما يعرفه الكثيرون عنه من دأب ومثابرة وطاقة ضخمة على العمل والعطاء دون كلل او ملل ، وهوحريص على الا يدع الاحباطات والعراقيل والمنغصات تحدث اية تاثيرات سلبية على نفسيته واندفاعه للاستمرار في العمل والعمل الايجابي. والحقيقة المنطقية تشير الى ان هذه السمات والخصائص المتميزة لشخصية عبد القادر باجمال هي وحدها التي هيأته واهلته لتبوؤ اعلى موقع سياسي تنفيذي في البلاد وهو ((رئيس الحكومة )) بعد سنوات طويلة ومريرة من العمل الدؤوب والعطاء اللا محدود منذ ان بدأ في سلك الوظيفة العامة انطلاقا من اولى درجات سلمها الطويل  حيث لم يهبط بمظله ((باراشوت )) فجأة على موقع رئاسةالحكومة ولا كان دخيلا او طارئا عليها ، بل ارتقاها خطوة خطوة وعن تجارب وخبرات طويلة ومتراكمة قليلا ماتتوفر لغيره . ومع انني لا اريد ان اجعل من نفسي مدافعا او محاميا لباجمال ،كما قلت ذلك انفا ،الا ان الانطباع او الشعور العام الذي تخلفه الحملات ضد باجمال في الذهن ، ان الرجل يتعرض لمحاولات استهداف بالغة الشراسة وعلى نحو منظم ومدروس ومخطط ، وهو استهداف لا يستند – بكل اسف – الى ابسط معايير الواقعية والموضوعية والدقة والمصداقية ، وقد الحق به كل ذلك ظلما فادحا بعيدا عن مراعاة العدل والانصاف.. ذلك ان الجميع تقريبا يعرفون ان عبد القادر باجمال ، رئيس الحكومة ، لم يكن في أي يوم من الايام – ولا هو الان –صاحب الكلمة الاولى في البلاد ، ولا صاحب الكلمةالثانية او الثالثة اوالرابعة ، وربما يكون صاحب الكلمة (( الخامسة )) اذا ما كشرعن انيابه  وحول صوته ( زئير) اسد غاضب ! فكيف يمكن ، والحال هذه، ان نجعل منه (شماعة)  لكل الموبقات والازمات والاختلالات والمصائب ويصبح هو وحده دون سواه             المسئول الاول والاخيرعن كل شي واي شي في البلاد ؟! ولو كان باجمال رئيسا للحكومة في ظل نظام سياسي برلماني مثلا يعتبر ((الحكومة )) هي وحدها صاحبة السلطة والمسئولية الاولى والاخيرة في البلاد ، لكان من المعقول والمقبول بل ومن العدل والانصاف التامين ان نحمله كامل المسئولية عن كل اوضاع واحوال البلاد ، اما في ظل النظام الحالي حيث الحكومة تحتل المرتبة الثالثة او الرابعة في سلم سلطات الدولة ، والحكومة تابعة وموجهة من سلطات خارجها ، فليس من العدل والانصاف والموضوعية والمنطق ان تحمل الحكومة او رئيسها كافة المسئوليات عن الاوضاع العامة مطلقا .                                                                                           مااردت ان اصل اليه في هذه المقالة هو مناشدة الصحف وكتابها تحري الدقة والموضوعية ، والتزام معايير الحق والعدل والانصاف ، والعمل باقصى قدر مستطاع على عدم الانسياق وراء حسابات واحكام سياسية مسبقة ،وان يكون نقدهم وملاحظاتهم ضد هذا المسئول او ذاك قائما على الحقائق والادلة المادية المقنعة .. اما ما يتعرض له باجمال من حملات شرسة وظالمة فان ذلك من وجهة نظري راجع الى نجاح باجمال في ادارته الى حد ما ،والى قدرته وفهمه لقواعد واسرار ومكونات واصول اللعبة السياسية الكبرى القائمة على ادارة شئون البلاد ، وحنكته في اخذها بعين اعتباره في ادارته السياسية للحكومة ، وهو ما جلب عليه كل هذا الضجيج والزعيق والغضب العارم…لكنه رغم كل ذلك يظل مقتدراوناجحا بكل المعايير والمقاييس .                                                                                            

By Editor