خلال فترة زمنية قصيرة للغاية لا تتعدى 48 ساعة فقط … سقط أربعة أبرياء صرعى برصاصات التطرف والتعصب والإرهاب دون أي مبرر أو مسوّغ ديني أو أخلاقي أو إنساني سوى التعبير وإتباع نزعة الإجرام الوحشية وسفك دماء وأرواح بشر أبرياء من قبل حفنة من المجرمين المنحرفين غير الأسوياء ، الذين نشأوا وترعرعوا على عشق القتل وسفك الدماء ، ومقت الحياة الإنسانية وانتهاج الكراهية والأحقاد ضد كل ما هو جميل ومشرق ومفيد وإيجابي في حياة البشر . ففي صباح يوم السبت 28 ديسمبر 2002م سقط القائد العملاق الشامخ جار الله عمر ، الأمين العام المساعد للحزب الإشتراكي اليمني ، شهيداً برصاصات الغدر والجهل والجهالة والتطرف والإرهاب التي اخترقت صدره النحيل لتدمر قلبه الكبير ، ولّما تزل أصداء كلمات خطابه التاريخي الذي ألقاه في الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر العام الثالث لحزب التجمع اليمني للإصلاح تتردد في أجواء وأرجاء المؤتمر ، وعلى مرأى ومسمع أكثر من أربعة آلاف من الحضور داعياً وحاثاً ومكافحاً بكل إيمان وصلابة إلى سيادة قيم التقارب والتعاون والتعايش الإيجابي السلمي بين جميع القوى والأحزاب السياسية ، ونبذ التطرف والتعصب ومحاربة أساليب اللجوء إلى العنف والقتل والإرهاب في حياة المجتمع وإدارة شؤونه وخلافاته مهما كانت .. لكن المجرمين الأشرار المعادين للحياة وقيمها ومثلها ومبادئها الإنسانية السامية والمتحضرة ، الذين اعتادوا العيش في سراديب الظلام ودهاليز الإرهاب والإجرام ، تملكهم الفزع والرعب بسبب الإشعاع والنور الساطع والأضواء الجميلة الناتجة عن كلمات وكفاح جار الله ، لأن طبيعة نفوسهم جُبلت على الظلام والجهل والشر والأحقاد ، ولم يكن بوسعهم أن يروا أو يجدوا من وسيلة سوى السلاح والقتل وسفك الدماء وإزهاق الأرواح يروّعون به أفراد المجتمع ، ويرهبون قواه وطلائعه السياسية والثقافية الحية والواعية ، متوهّمين أن مثل هذه الأساليب الهمجية المتوحشة قادرة على إخضاع المجتمع وإجباره على الإستسلام والقبول بسيطرتهم وهيمنتهم المطلقة . وتمكنت رصاصات هذه الجحافل الخارجة عن التاريخ والحياة من إختراق الصدر النحيل لجار الله ، وفجرت قلبه المنهك ، وأوقفت عقله المتوقد الكبير الذي ظل دائماً قادراً على نحو فذ على الإمتداد والتوسع مستوعباً هموم ومعاناة حزبه وشعبه ووطنه بكل قواه وأحزابه ومنظماته ، وقضايا ومشكلات أمته العربية ، ومتفاعلاً مع الإهتمامات والشئون العالمية وعياً بطبيعتها وإداركاً لأبعاد ومضامين تطوراتها ومتغيراتها وانعكاساتها وتأثيراتها على المحيط الوطني والقومي ، وتهاوى جسمه الضعيف وأسلم نفسه إلى باريه وخالقه راضياً مرضياً ، مكرساً كل ثقافته وجهده وواهباً نفسه في الدعوة والنضال من أجل إقامة حياة مُثلى تسودها وتحكم مسارها قيم الحرية والتسامح والتعايش والسلام والمحبة والتعاون والأمن والعدل للجميع ، وبإنتقاله إلى رحاب ربه شهيداً تحول جار الله عمر إلى رمز خالد ، وعلم شامخ ، ومنارة مضيئة لكل الخيّرين والطيبين من بني الإنسان محيي الحياة ، والعاملين والمناضلين لإنتصار القيم والمبادئ النبيلة التي دفع جار الله حياته مظلوماً في سبيل انتصارها . وفي صباح يوم الإثنين 30 ديسمبر 2002م ولّما يمضي على العملية الإرهابية التي أدت بحياة جار الله عمر الذي يعد بحق أعظم شخصية وطنية سياسية اجتماعية في بلادنا ، لم يمضي على ذلك سوى ما يقارب 48 ساعة فقط إلى وهزت مشاعر الوجدان والضمير الوطني اليمني كارثة إرهابية مروعة وبشعة ، نفذها معتوه مجرد من كل المشاعر والقيم والمبادئ الدينية والإنسانية النبيلة ، ذهب ضحيتها ثلاثة أبرياء وأصيب الرابع بجروح ، وكلهم أطباء أمريكيون يعملون متطوعين لتقديم خدمات طبية وإنسانية للمرضى والمعذبين من أبناء وطننا في المستشفى المعمداني بمدينة جبلة بمحافظة إب ، وهو مستشفى ظل يقدم خدمات طبية راقية ومتميزة وأعمالاً إنسانية خيرية جليلة ، ليس لمواطني جبلة والمناطق المحيطة والقريبة منها فحسب ، بل لكل من هدّه المرض ولجأ إليه من مختلف مناطق البلد منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً . إن الأطباء الثلاثة الذين صرعوا وقتلوا ظلماً وعدواناً ورابعهم المصاب كرسوا حياتهم وجندوها بالكامل وتطوّعاً لإجراء العمليات الجراحية والإسعافات اللازمة وعلاج المرضى ومنحهم الأدوية المجانية في الغالب ، وتقديم الخدمات العلاجية المختلفة من أجل إنقاذ حياة مواطنينا ، والتخفيف من آلامهم وعذاباتهم ومعاناتهم ، وبأفضل وأحدث وأكفا الأساليب الطبية في ظل أوضاع صحية متردية وبائسة تعيشها بلادنا ، ويسهرون الليالي ويضحون براحتهم الشخصية واستمتاعهم بالحياة ، ويتحركون ليلاً او نهاراً متنقلين من قرية إلى أخرى لتقديم خدماتهم الطبية الإنسانية للعاجزين عن التحرك من أجل إسعادنا ومحاربة أمراضنا وتحسين صحتنا ، لا بل إن أكثر ما يؤجج نار السخط والغضب والاستياء في نفوس أبناء شعبنا عموماً ما روي عن الطبيبة القتيلة من أنها كانت حريصة على تبني أطفال أيتام فقراء وصل عددهم إلى عشرة أطفال كانت ترعى شئون حياتهم كأم تجاه أبنائها ، وعلى نفقتها الشخصية وإضافة إلى كل ما سبق واستناداً إلى ما تناقلته وسائل الإعلام فقد بلغ حب هؤلاء الإنسانيين الطيبين لعملهم الإنساني الجليل وارتباطهم العاطفي الشديد بالمنطقة وأبنائها ، وباليمن بشكل عام حداً طلبوا في وصياتهم أن يدفنوا بالقرب من المستشفى في جبلة ، وبالله عليكم أليس من حق أمثال هؤلاء العظماء أن تتفطر أكبادنا وتتقطع قلوبنا ونذرف أنهاراً من دموعنا أسفاً وندماً وتحسراً على فقدانهم ؟ ومن منا لا يتذكر وبالقدر نفسه من المرارة والألم والغضب حادثة مقتل الراهبات المتطوعات اللائي كن يقدمن الرعاية والخدمات الطبية الإنسانية لمرضى الجذام في مستشفى بمدينة الحديدة اللاتي أقدم مجرم معتوه شرير آخر على قتلهن قبل عام ونيف تقريباً على ما أذكر . ومهما يكن حجم المرارة وعمق الألم ومقدار الغضب الذي يعصر نفوس الغالبية الساحقة من شعبنا الطيب بقواه وأحزابه السياسية وفئاته الإجتماعية وأفراده لفقدان رمزشامخ وعملاق كبير وقائد مثل الشهيد جار الله عمر الذي مثل رحيله خسارة فادحة لا يمكن تعويضها لكل الأحزاب والقوى السياسية الوطنية والشعب ، وللثقافة والقيم والمثل الديمقراطية الإنسانية الأصيلة والمبادئ والتسامح والحوار والتعايش السلمي ، ولحرية الإنسان وكرامته ، ولسيرة بلادنا الوطنية برمتها ، وللجريمة الوحشية النكراء البشعة التي أدت إلى مقتل ثلاثة من الأطباء الإنسانيين المتطوعين وجرح الرابع ، الذين فارقوا وطنهم وأهاليهم واحبابهم وأصدقائهم وجاءوا إلينا للحفاظ على حياتنا وضمان صحتنا وتخفيف آلامنا ومعاناتنا ومشاطرتنا شظف عيشنا وبؤس حياتنا مضحين بحياتهم وسعادتهم ومصالحهم في سبيلنا .. أقول مهما يكن ما نحن فيه من بلاء وحزن وألم .. إلا أن السؤال الكبير الذي سيظل ماثلاً وبارزاً أمام أنظارنا وتفكيرنا لفترة طويلة هو: كيف يستطيع واحد أو حفنه محدودة العدد من المعتوهين الأشرار محترفي الإجرام والقتل أن يقتلوا البسمة والحب والأمن والأمان والتسامح والبناء والخير من حياتنا وأنفسنا ، ويدمروا منجزاتنا ومكاسبنا الإنسانية السامية ويحجبوا إشراقات النور الإلهي عن سمائنا وآفاقنا الرحبة باسم دين الله كذباً وزوراً وبهتاناً ، رغم وجود وانتشار وكفاءة وقوة أجهزة الدولة ومؤسساتها والأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والجماهيرية وفئات المجتمع وأفراده ؟ بل وما هي الظروف والعوامل والأسباب التي تهيئ البيئة الملائمة لأمثال هؤلاء المنحرفين للنشوء والعربدة والعبث في البلاد فساداً ؟ وبادئ ذي بدء وأمام تواصل وتنامي وازدياد الأعمال الإرهابية التخريبية الإجرامية في بلادنا وخاصة منذ عقد مضى من الزمن فإنه لم يعد أمامنا من مهرب سوى أن نعترف ونقرّ بكل أمانة وشجاعة بأن كامل منظومتنا السياسية رسمية وحزبية ، وكل جوانب ومجلات منظومتنا التعليمية ، وكل فلسفة وخطاب وأداء منظومتنا الإعلامية والثقافية ، وكل مرتكزات ومنطلقات ومضامين خطابنا الوعظي الإرشادي التوعوي الديني من خلال منابر المساجد أو مدارس التعليم الديني ، كلها تعيش وضعاً مازوماً وتعاني حالة من الإختلالات واضطراب الرؤية وتعيش دوامة من التضارب والتنافر والتناقض بعضها بعضاً . وهذا الوضع في مجمله يؤدي إلى خلق حالة من التشتت والحيرة والضياع داخل المجتمع بمختلف شرائحة وفئاته مما يهيئ فراغاً فكرياً وسياسياً وعقدياً تستغله مجاميع المتطرفين والإرهابيين لنشر أفكار التطرف والإرهاب والعنف والغلو المنحرفة ، هذا بالإضافة إلى استغلالهم لواقع وآثار الفساد المستشري في المجتمع ، والفوضى والتسيب واستفحال ظاهرة البطالة والفقر بنسب عالية وخطيرة في اوساط المجتمع . والواقع أنه وعلى الرغم مما يبدو بأن صوت الإرهاب والإرهابيين عالٍ ومؤثر إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال بأنهم مؤثرين وأقوياء في ذاتهم ، بل وعلى العكس من ذلك تماماً يعتبر الإرهابي أجبن وأهزل وأضعف بأكثر كثيراً مما يتصوره الكثيرون ، وبألتاكيد فإن ما يخلق الإنطباع لدى كثير من المجتمع بأن الإرهابيين أقوياء ومؤثرون ـ وهو إنطباع غير دقيق ـ يعود إلى غياب أو تغييب المجتمع ، الحكومة وأجهزتها ومؤسساتها والاحزاب والمنظمات الجماهيرية ودورها ، والقوى الفئات الإجتماعية والشعبية ومسئوليتها ، وبقاؤها عاجزة ومشلولة في الغالب الأعم عن القيام بدور كبير في مواجهة الإرهاب والإرهابيين ولو اضطرت لأغراض مثل هذه المواجهة المشروعة إلى استخدام القوة والسلاح ، وفي اعتقادي أن مواجهتهم والقضاء عليهم عملية ليست صعبة ولا مستحيلة ، فمن اليسير تحديدهم وكشفهم ممن لهم سوابق إرهابية في الماضي وكل من يدعو ويروج للغنف والإرهاب والتكفير والتخويف في المدارس أو وسائل الإعلام ومنابر المساجد بإصدار الفتاوى المحرضه على القتل والعنف ، ينبغي سرعة اتخاذ اقصى وأشد العقوبات القانونية ضده ، والكفيلة بردعه وإعادته إلى رشده ، ووضعهم جميعاً تحت الرقابة والرصد الدائمين ، وإيقافهم عن مزاولة أنشطتهم في الدعاية والتحريض نهائياً وهذه المواجهة مسؤولية مشتركة بين الحكومة وأجهزتها والأحزاب والمنظمات والقوى الشعبية عموماً . والأهم من كل ما سبق أنه يجب علينا جميعاً أن نكف نهائياً ، ونتوقف كلياً عن استخدام وتوظيف المجاميع الإرهابية المسلحة السرية كأدوات لتصفية خلافاتنا وحساباتنا السياسية بعضنا بعضاً ، فإن مثل هذه التكتيكات وإن بدا أنها تخدم وتعمل لمصلحة طرف ضد طرف ، فإن المجاميع الإرهابية هي المستفيد الأكبر في نهاية المطاف ، لأن استخدامها يعمل دائماً على تقويتها وتناميها وتوسع إنتشارها ، ويجعلها مع المدى تشكل تهديدأً للجميع بمن فيهم من سبق أن استخدمها . وقبل الختام فإن علينا أن نبين بكل وضوح أن الإرهابيين هؤلاء الذي يدعون زوراً وبهتاناً بأنهم يقتلون النفس التي حرم الله وينشرون الرعب والترويج داخل المجتمع خدمة لدين الله وابتغاء مرضاته إنما هم في حقيقة الأمر يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً وسيصليهم الله عز وجل نار الجحيم ، وهو ما نوضحه تفصيلياً بإذن الله لا حقاً .