لعلنا، بادئ ذي بدء، بحاجة الى التأكيد على حقيقة بأنه ما من يمني مخلص إلا ويتمنى لبلده الخير والأمن والأمان والتقدم والازهار ، وانما ينشأ التباين والاختلاف بين الافراد المنشغلين بالهَمْ الوطني العام ، والقوى والكيانات والمكونات السياسية والاجتماعية الوطنية في الرؤى والبرامج والمعالجات، اما بفعل زوايا رؤية كل منهم إزاء مشكلات الواقع وازماته وامراضه ،او بسبب حسابات ومصالح وارتباطات وولاءات البعض الاخر، او رغبة البعض الثالث في الهيمنة والاستئثار بالسلطة والثروة والقوة على حساب تهميش او اقصاء الاخرين، حيث تصبح تلك التباينات والاختلافات في الرؤى والمصالح والولاءات والارتباطات مهددة ومقوضة لأمن واستقرار ووحدة النسيج الوطني للبلاد ومقومات وجودها وكيانها السياسي، إذا غُيبت او انعدمت عقلية الوفاق والتوافق والتعايش المشترك بين الجميع على قاعدة المشتركات الوطنية العامة المرضية للجميع والناتجة عن التنازلات الموضوعية الضرورية من قبل الجميع لصالح الوطن وحاضره ومستقبله .. وهي عقلية وقاعدة اساسية لا يمكن تصور امكانية نشؤ وقيام النظم السياسية( الدول) القوية المستقرة والحضارات الانسانية المزدهرة إلا بهما ومن خلالهما، حيث انهما تشكلان ضرورة حتمية وحياتية لكافة الشعوب والأمم في كل مراحل مسيرتها الوطنية عامة، وخلال فترات الاضطراب والتحولات الحاسمة والمخاطر الجسيمة التي تعترضها خاصة، كوسيلة ناجحة وفعاله للمواجهة والنهوض من الكبوات والانطلاق مجددا نحو افاق المستقبل الأفضل الأكثر إشراقا ومنعة وعزة.. وكأي بلد من بلدان الدنيا، بلادنا اليمن، التي شهدت مسيرتها الوطنية ، منذ سنوات عديدة خلت، سلسلة متصاعدة من الانتكاسات والتراجعات وانتشار مظاهر الفوضى والانحلال والنكوص عن المشروع الوطني النهضوي بفعل فساد وتخلف سلطة الحُكم وسؤ ادارتها وتسييرها لشئون البلاد والعباد، وصولا بها الى حافة الهاوية والانهيار على مختلف الصعد والمجالات، من فساد سرطاني مستشر وواسع النطاق والعمق، والانتشار المريع لحالات الفقر والإفقار المُنظم والمُتعمد، والتدهور المخيف في مستوى الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية ، وغياب الأمن والأمان والطمأنينه العامة لدى الغالبية الساحقة من المواطنين، وافراغ المشروع الوطني النهضوي الشامل من كل مضامينه وغاياته الوطنية وتحويله الى مشروع اُسري عائلي مناطقي متخلف وبائس، اقول بأن بلادنا اليمن، وهذا حالها اليوم ، وقد وصلت الى مفترق حاسم بين ان تكون او لا تكون، هي بأمس الحاجة الى ارادة صلبة وراسخة بضرورة النهوض والانطلاق، مجددا نحو اعادة بناء حياتها ومستقبلها من جديد ، متسلحة بوحدة وطنية شعبية، تجمع وتعبئ وتحشد كل القوى والامكانيات والطاقات الكامنة والهائلة وفقا لعقلية وقاعدة الوفاق والتوافق والعيش المشترك ، ليس مع مراكز القوى والنفوذ التقليدية المتخلفة التي أثبتت فشلها التاريخي ودمرت مقومات واسس دولتنا الوطنية ومشروعها الايجابي المشرق واوصلت البلاد الى مرحلة الانهيار الشامل ، وانما مع قوى الشعب الجديدة والحية صاحبة المصلحة الحقيقية في الاصلاح والتغيير الشامل ، حتى لا تكرر تجربة الالتفاف على ثورتها الشعبية السلمية العظيمة واجهاض مسيرتها وإحباط مدها التغييري الثوري الهادر، وعلى شعبنا اليمني ان يدرك ، تمام الادراك، بأن عملية نهوضه وانطلاقه الحضاري الثوري الشامل والمُلح اليوم والضروري والحتمي لا يمكن ان يتحقق ويبلغ اهدافه وغاياته كاملة إلا بالاعتماد والاستناد الى قيادة وادارة وتوجيه القوى الثورية الشبابية الحية والنقية والمؤمنة بالتغيير الشامل و الجذري والممتلئة إرادة وحماسا ، والمستعدة للبذل والعطاء والتضحية بلا حدود وصولا الى الانتصار الحاسم .. ان القيادات السياسية للاحزاب والقوى العسكرية والقبلية التي قفزت على الثورة الشعبية السلمية العظيمة ثورة فبراير 2011م وركبت موجتها وافرغتها من محتواها ومضامينها الثورية الشاملة واستغلتها لعقد صفقة صلح باهتة بائسة مع السلطة الحاكمة الاسرية العشائرية الفاسدة والمتخلفة التي قامت الثورة لاسقاطها واقامة دولتنا الوطنية الحديثة الديمقراطية الجديدة على انقاضها، قد وصلت الى طريق مسدود وأثبتت عجزها وفشلها وعقم رؤاها وبرنامجها في إحداث التغيير الجذري والشامل، الذي قدم الشعب من اجله تضحيات جسيمة، واستطاعت السلطة الحاكمة المتخلفة، برموزها وقواها ومؤسساتها القائمة، ان تجعل منها مجرد قوى تابعة ورجع صدى ومقيدة الحركة بقراراتها ومواقفها ونفوذها وتأثيراتها، التي اكتسبت شرعية متجددة منحتها لها صفقة الصلح السياسي الباهتة والبائسة، وادخلتها ،وادخلت البلاد معها، في دوامة عاصفة من الفوضى والشلل والاختلالات الامنية ومرارة الاحوال الاقتصادية والمعيشية الرهيبة على نحو هو اسوأ مما كانت عليه قبل الثورة الشعبية، ولعل ما يدور داخل اروقة واعمال ومناقشات (( مؤتمر الحوار الوطني)) إلا أحد الأدلة والبراهين على ما نذهب اليه هنا، من حيث اضطراب اعماله وتباين رؤى مكوناته ومواقفهم والانسحابات المتتالية لبعض مكوناته، وخاصة حول(( القضية الجنوبية)) و(( مشكلة صعدة)) مضافا الى كل ذلك تفاقم واتساع نطاق المواجهات المسلحة في محافظات، (( صعدة)) و((عمران)) و((حجه)) وغيرها وسط تجييش وحشد طائفي مذهبي مناطقي من مختلف المحافظات الشمالية والجنوبية معا! وقيام بعض مراكز القوى المتنفذة داخل الحكم بتغذية تلك المواجهات وتأجيج نيرانها بالاسلحة والاموال، وما شهدته مؤخرا محافظة(( حضرموت))خاصة وسائرالمحافظات الجنوبية من (( هبة شعبية)) واسعة وقوية عنوانها الرئيسي(( استعادة دولة الجنوب)) ! وهي احداث فرضت تحريك جمود التوصل الى حل للقضية الجنوبية بفعل فشل المتحاورين في (( مؤتمر الحوار الوطني)) ولجانه وعجزهم عن التواصل الى حل، وكالعادة، تطلب الامر إعطاء(( تحكيم قبلي)) من مكونات الحوار للمبعوث الاممي الشيخ جمال بن عمر للفصل او الحُكم في موضوع الخلاف، والحقيقة ان الاخير لم يقصر فيما طلب منه حيث بدا انه بذل جهودا مضنية وخرج بوثيقة طويلة وشديدة التفصيل والتعقيد معا لحل القضية الجنوبية وقضية اقاليم الدولة الاتحادية اليمنية الجديدة، وهما محل اختلاف المتحاورين المستحكم ، والواقع ان وثيقة الشيخ جمال بن عمر الطويلة جدا وشديدة التفصيل والتعقيد، فيما استطعتُ استخلاصه وفهمه منها، اتسمت ببراعة ملحوظة، عبر متاهات ودهاليز التفصيل البالغ والصياغات الدقيقة للالفاظ، في تقويم القضيتين، القضية الجنوبية واقاليم الدولة ، وترحيل الحسم فيهما لمراحل قادمة ،وتمكنت، باستدعاء المنهج(( السوفسطائي)) من ايراد وتأكيد الشئ ونقيضه في آن معا! ولست مزمع،هاهنا، على الدخول في مناقشة تحليلية تفصيلية للوثيقة تحاشيا للتطويل ، خاصة والاخ والصديق العزيز جمال عامر يعتب علي التطويل في المقالات، وهو محق في ذلك، ولكني ساكتفي بالاشارة الى بعض النقاط الواردة فقط على سبيل المثال.. فالوثيقة تؤكد على ان (( الدولة اليمنية الجديدة اتحادية مؤلفة من اقاليم عدة تشكل من المحافظات الموجودة وغيرها)). لكنها تعود في فقرة أخرى لاحقة إلى القول: (( تُدرس الالية، بحسن نية، الاقتراحات المقدمة في اللجنة المصغرة لفريق القضية الجنوبية لجنة ( 8+8) حول دولة اتحادية من خمسة اقاليم او ستة او اكثر ودولة اتحادية من اقليمين، واي اقتراح بديل يراعي المعايير))، والمقصود بالاقليمين هنا الجنوب والشمال على ماكانا عليه قبل الوحدة! وعلى جانب اخر تقول الوثيقة(( وفيها نلتزم حل القضية الجنوبية في اطار دولة موحدة ،على اساس اتحادي وديمقراطي جديد وفق مبادئ دولة الحق والقانون والمواطنة المتساوية))، وتؤكد في فقرة اخرى (( يصاغ دستور جديد يقضي ان الارادة الشعبية والمساواة والتزام اعلى المعايير الدولية لحقوق الانسان اساس سلطة وشرعية الدولة الاتحادية على جميع المستويات)) لكن الوثيقة تنص، بعد ذلك بالقول (( خلال الدورة الانتخابية الاولى، بعد تبني الدستور الاتحادي، يمثل الجنوب بنسبة خمسين في المائة في كافة الهياكل القيادية في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما فيها الجيش والامن، التي يتم التعيين منها بموجب قرارات يصدرها رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء ، ويمثل الجنوب كذلك بنسبة خمسين في المائة في مجلس النواب))، ثم تاتي الفقرة (( ويجب معالجة عدم المساواة في الخدمة المدنية والقوات المسلحة والامن على المستوى المركزي عبر قوانين ومؤسسات وبما يضمن الغاء التمييز وتكافؤ الفرص لجميع اليمنيين))!! وتواصل في فقرةاخرى (( ومن اجل معالجة تفاوت التمثيل في التوظيف يكون للجنوبيين اولوية في شغل الوظائف الشاغرة والتأهيل والتدريب في الخدمة المدنية والقوات المسلحة والامن))! وتعود الوثيقة بعد ذلك الى التأكيد: (( اما بعد الدورة الانتخابية الاولى، ينص الدستور الاتحادي على اليات تنفيذية وقضائية وبرلمانية من اجل حماية المصالح الحيوية للجنوب، وتمثيلا خاصا يقوم على ( معادلة المساحة والسكان) وعدم امكان اجراء تعديل في الدستور يخص الجنوب او يغير شكل الدولة إلا عبر موافقة اغلبية ممثلي الجنوب في مجلس النواب))! اكتفي بايراد الاقتباسات ،اعلاه،كأمثلة محدودة، من بين كثير من الامثلة، التي توضح المنهج غير البنٌا الذي اعتمدته الوثيقة في سلق وتنويم مشكلات وازمات جوهرية حساسة وترحيلها – مع كل وجهات النظر المتناقضة ازائها- الى مستقبل يكتنفه الشك والغموض، وتأكيد الشيئ ونقيضه في آن معا لاسترضاء المكونات المتباينة هذا من جانب ومن جانب اخر وقوعها من حيث علمت ام لم تعلم في تصادم مع الاسس والمعايير والقوانين والمواثيق الدولية الخاصة بالحقوق وخاصة الاسس والمعايير المتعارف عليها، عالميا، في بناء الدولة وطبيعة وظائفها وقواعد تنظيم علاقاتها ،وعلى وجه الخصوص انزلاقها الى اعتماد قواعد واحكام تكرس او تصبغ الدولة بسمات عدم المساواة والتمييزالعنصري والجهوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات ،واعتماد معايير في كيفية واسس بناء الدولة، لم يسبق ان قالت او عملت بها اي دولة من الدول الحديثة في العالم اجمع على نحو ما اكدته الوثيقة بالقول: ( وتمثيلا، والمقصود هنا الجنوب ، يقوم على معادلة المساحة والسكان)) وقصر امكانية تعديل دستور البلد على جزء من مواطني الدولة : (( وعدم امكان اجراء تعديل في الدستور يخص الجنوب او يغير شكل الدولة)) الا عبر موافقة اغلبية ممثلي الجنوب في مجلس النواب( وليس اغلبية اعضاء البرلمان ككل)! وبهذا ،وغيره، تكون الوثيقة قد ناقضت ونسفت كل المواثيق والمعاهدات الدولية والقانون الانساني الدولي برمته، رغم ان مصممها يمثل الامم المتحدة!! والواقع ان وثيقة المبعوث الاممي في حل القضية الجنوبية ومسألة الأقاليم مليئة بالشراك المفخخة والألغام الموقوته،وهي من حيث ارادت تبريد وتسكين مشكلة قائمة وخطيرة، فانها ستفجر ـ حتما ـ مشاكل مقبلة اكبر حجما واشد خطورة وهولا. ان نقطة ضعف الوثيقة الرئيسية يكمن في كونها لم تستطع ، او حتى تقترب من ادراك طبيعة وواقع وابعاد القضية الجنوبية وان اكثر من تسعين في المائة من مواطني الجنوب مجمعون ومصممون على هدف واحد وهو استعادة دولتهم ورفضهم القبول بأي شكل من اشكال دولة الوحدة للاسف الشديد، وان الحل الامثل والاسلم، ولعله الوحيد، العودة الى شعب الجنوب واستفتائه استفتاءا حرا نزيها شفافا ، ليقرر مصيره بين البقاء ضمن دولة يمنية اتحادية واحدة، او استعادة دولته من جديد، وعلينا جميعا احترام وتنفيذ رغبته وإرادته الحرة السلمية الديمقراطية وبدون هذا السبيل فنحن ، فيما يبدو، مقبلين على مزيد من سفك الدماء وازهاق الارواح وتدمير بلادنا، شمالا وجنوبا، بايدينا وبرؤانا الجامدة المتصلبة وعنادنا الأحمق البليد.. تلك هي المشكلة.. وذاك هو الحل امام كل الذين يستشعرون جسامة المسئولية وضغط الضمير والحرص على سلامة حاضرنا ومستقبل اجيالنا سواء أكان الجنوب جنوبا والشمال شمالا او كان الشمال والجنوب يمنا واحدا، فالمستقبل آفاقه رحبة وواسعة ومشبعة بخيارات وبدائل ورؤى اكثر ايجابية وبهاء تفوق رؤانا الحالية وعقلياتنا الراهنة بما لا يقارن، فلنحفظ ما يُبقى لنا الحاضر اقل ألما وسوداوية عسى اجيالنا القادمة تشيد صروح المستقبل على قواعد الاخاء والاواصر العميقة والسلام والحق والعدل والتقدم ليس ليمننا فحسب بل ولوطننا العربي الكبير .. والله تعالى الموفق والهادي الى سواء السبيل عبدالله سلام الحكيمي بريطانيا ـ شيفلد ـ 23 ديسمبر2013م