ان الحرب التي يبدو ان مؤشراتها ونذرها وعلاماتها قد تكاملت ، اوكادت ، مؤكدة على ان تفجيرها ، بين لحظة واخرى ، اصبح واقعا لا محالة على نحو او اخر ، ولئن كان دعاة الحرب وقوادها قد قرروا ان تكون العراق كجغرافية سياسية ساحة تجري عليها وقائع واحداث واثار تلك الحرب ونتائجها، فانه من الواضح والجلي ان هذه الحرب ، في بواعثها ومحركاتها وفي غاياتها واهدافهاالاستراتيجية، تتجاوز بكثير جدا العراق بل وتتجاوز ايضا منطقتنا العربية بكاملها ، وانما اتخذت العراق لتكون ساحة اولى للفصل الاول من فصول تلك الحرب ، لان العراق ، بالنظر الى الاعتبارات السياسية والاثاروالنتائج التي ترتبت على اجتياح العراق لدولة الكويت عام 1990 وحرب الخليج الثانية وقرارات مجلس الامن الدولي ضد العراق بالاضافة الى الطبيعة الشمولية المطلقة لنظام الحكم القائم فيها وغير ذلك من الاعتبارات والظروف الاستثنائية ، هي الساحة الوحيدة التي توفر المسوغات والحجج والذرائع التي تعطي لقادة الحرب مشروعية ومبررا ما لشن الحرب ، بصرف النظر عن مدى اتفاقنا او اختلافنا مع ذلك المبرر وذرائعه ، المهم ان الحرب ومخططيها وجدوا امامهم في حالة العراق اعتبارات واوضاع خاصة فاستغلوها لافتعال مبرر اخلاقي يعطي شيئا من المشروعية للقيام بالحرب . ان حجم القوة الجبارة ،ونوع وحجم الاسلحة المدمرة بالغة التطور والفعالية ، ومسا حة انتشار تلك القوى ، والقواعد العسكرية الاستراتيجية التي اقيمت وتقام هنا وهناك بل والتهديد العلني الواضح والمستمر باستخدام الاسلحة النووية ، وكل هذه التعبئة والحشد العسكري ،غير المسبوق تاريخيا التي تقوده الولايات المتحدة الامريكية لامبرر له اطلاقا وليس هناك ضرورة تقتضيه اذكان الهدف ، كما هو معلن ، وهو حقا القيام بحرب تاديبيه ضد العراق اما لاجباره على نزع اسلحة الدمار الشامل التي يملكها او لتغيير نظام الحكم فيه ، فالعالم كله يعلم تماما حالة التدهور والضعف الشديد الذي وصل اليه العراق في قدراته العسكرية او الاقتصادية او حتى المعيشية ، بل ان حجم تلك القوى والحشد العسكري الرهيب وطبيعة ونطاق انتشاره لامبرر ولاضروره له وحتى وان كان هدف الحرب يشمل المنطقةالعربية بكاملها ، فالواضح ان الحجم غير العادي لحشد القوات وطبيعة تسليحها ليس لانجاز مهمة محددة ومؤقته ثم تعود ادراجها الى حيث اتت بل اتت لتبقى الى اجل غير مسمى . ولهذا فان كل مانراه يحدث في منطقتنا وحولها وما سيحدث في قادم الايام ، يندرج في حقيقة الامر ضمن اطار رؤى واستراتيجيات القوى الدولية الكبرى لطبيعة النظام العالمي الجديد واسسه وطبيعته وكيفية تشكيله وبنائه وعلاقاته…الخ .. وكل الاحداث والتطورات والسياسات التي شهدها العالم منذ انتهاء مرحلة الحرب الباردة مطلع التسعينيات يدخل ضمن اطار ذلك الهدف ، بدءا باتفاقيات (( الجات )) ومنظمة التجارة العالمية وسياسات وشروط البنك والصندوق الدوليين والاصلاحات الاقتصادية والسياسية المفروضة على دول العالم الاقل نموا والضغوطات المتزايدة على تلك الدول من اجل السير على طريق الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والهادفة الى تسييد وشمول النمط الراسمالي اقتصاديا والليبرالى سياسيا و ثقافيا . وباختصار شديد نقول بان المشكلة الحقيقية تكمن في الكيفية والاسس والمنطلقات التي يمكن من خلالها اعادة تشكيل وبناء النظام العالمي الجديد بجوانبه ومجالاته الشاملة ، وفي هذا السياق هناك وجهتا نظر او رؤيتان متباينتان ازاء تلك المسالة وهما : الرؤية الاولى : تعبر عنها اوروبا ، وتتفق مع اطارها العام كل من روسيا والصين واليابان ، وتقوم على مبادئ اساسية من اهمها ، تحقيق قدر معقول من مبدا الشراكة الواسعة في مهمة صياغة وبناء النظام العالمي الجديد بين القوى الدولية النافذة والقوى الصاعدة واستبعاد التفرد والانفراد في تقرير مصير العالم ، والاهتمام بقضايا التنمية في العالم الاقل نموا من اجل تقريب مستويات التقدم بين العالمين المتقدم والمتخلف والاخذ بعين الاعتبار بعض المصالح المشروعة لدول العالم المتخلف .. والتركيز على قضايا ذات طابع انساني عام مثل وضع معالجات جادة لمشكلة الفقر المتفاقمة والهجرة والبيئة والتلوث وحل المنازعات الاقليمية بالطرق السلمية ونزع اسلحة الدمار الشامل مع مراعاة موضوعية للخصوصيات الثقافية والدينية الحقيقية والحفاظ على التنوع الثقافي والديني لشعوب وامم العالم في اطار من التعايش والتفاعل السلمي والايجابي . الرؤية الثانية : وهي رؤية امريكية تعبر عن قوى اليمين المتطرف التي تسيطر وتتحكم بتركيبة الادارة الامريكية الحالية ومؤدى هذه الرؤية ان الولايات المتحدة الامريكية وحدها صاحبة الحق في تقرير طبيعة ومضمون النظام العالمي الجديد وتشكيله وفق تصورها ، وليس امام جميع دول العالم كبيرة او صغيرة ، الا خيار واحد وهو ان تكون مع امريكا او ضدها ، وتستند هذه الرؤية الى حقيقة كون امريكا الاقوى في العالم – دون منازع – عسكريا وتقدما واقتصادا او علميا وصناعيا بل وحتى ثقافيا وفق قناعتها ، والاهم من ذلك انها تعتبر نفسها هي وحدها صانعة النصر الحاسم في الحرب الباردة وذلك ما يعطيها الحق والمشروعية لتقرير مصائر العالم على النحو الذي تريده ! وهذا الشعور هو الذي دفعها الى الرد على ما تضمنته بعض المقالات والدراسات والتصريحات ، الاوروبية في الغالب ، من ان النظام العالمي الجديد بحاجة الى اتفاقية (( يالطا )) جديدة وموسعة، وكان ردها حاسما انه لا حاجة ل((يالطا))جديدة لان اتفاقية((يالطا)) القديمة كانت بين قوى منتصرة في الحرب العالمية وهي وحدها صاحبة الحق والمشروعية لتقرير ذلك النظام العالمي الجديد! وتهدف هذه الرؤية الى فرض ونشر النموذج الامريكي الراسمالي الليبرالي وثقافة ونمط حياة على مستوى العالم اجمع اعتمادا على جبروت القوة العسكرية الرهيبة ان لم تجد وسائل الاقناع السلمي . ولهذا نجد ان الادارة الامريكية راحت تعمل في كل الاتجاهات من اجل فرض رؤيتها الاحادية تلك ، في البداية من خلال المنظمات والمعاهدات والاتفاقيات الدولية العامة ثم الاتفاقيات الثنائية في اتجاه فرض نموذ جها الاقتصادي والسياسي والثقافي ، ثم استغلت احداث 11 سبتمبر عام 2001 الارهابية في نيويورك وواشنطن لتعلن قيادتها لحرب عالمية شاملة ضد ما يسمى بالارهاب العالمي حيث قررت امريكا طبيعة تلك الحرب ومداها واهدافها فهي حرب مفتوحة في الزمان ومفتوحة في المكان ومفتوحة في تحديد اعدائها ووضع مبرراتها واختيار وسائلها ما بين الحرب المباشرة والاغتيالات والانقلابات والمؤامرات السرية دون استناد الى مشروعية او مرجعية دولية متعارف عليها ، ثم كانت الازمة العراقية وما يحيط بها من ملابسات خاصة نموذجية للادارة الامريكية واستغلالها لما يخدم رؤيتها فاعلنت الحرب وحشدت من اجلها القوى والجيوش والاسلحة الرهيبة واقامت القواعد الاستراتيجية واعلنت مرارا انها لن تتردد في استخدام الاسلحة النووية تارة تحت مبرر اجبار العراق على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ، واخرى لنزع اسلحة الدمار الشامل ، وثالثة من اجل اقامة الديمقراطية ، ورابعة بحجةان القيادة العراقية لها علاقات مع (( القاعدة )) الارهابية وخامسة لان العراق لا يزال مصدرا يهدد جيرانه وسادسة لانه يهدد امن ومصالح امريكا ! وهكذا واذا كان هدف امريكا المرئي من وراء كل ذلك هو احكام سيطرتها وتحكمها بالمنطقة التي تختزن معظم الاحتياطي العالمي من البترول والغاز ونشر تواجدها وقواعدها الاستراتيجية في مناطق مختلفة من العالم بدءا بكوريا الجنوبية وافغانستان وباكستان والفلبين وتركيا والمنطقة العربية وغيرها ، فان المستهدف بالدرجة الاولى والاساسية هو اوروبا وروسيا والصين وغيرها من القوى الدولية الصاعدة والمحتمل مناوءتها وتعارضها مع سياسات امريكا مستقبلا . وعندما اقول بان المستهدف من وراء كل ما يجري في منطقتنا وحولها هو غيرنا فاني استند في ذلك الى حقيقة ثابتة وهي ان حكوماتنا اعطت امريكا كل ما تريد بل واكثر كثيرا مما تريد ، فلماذا نستهدف والحال هذه ، وستكون امريكا جاحدة وناكرة للجميل اذا هي استهدفت دول منطقتنا ! اليس كذلك ؟.. اما حول اثارتلك الحرب المحتملة ضد العراق على انظمة الحكم القائمة في المنطقة ومنها اليمن وخاصة فيما يتعلق بعلاقاتها وتعاملها مع شعوبها واحزابها ، فساكون صادقا معك اذا قلت بان امريكا لاتكاد ترى سوى ان يكون هذا النظام او ذلك حليفا لها او معاديا لسياستها ، فالامر المهم بالنسبة لامريكا هو ان تكون انظمة الحكم مطواعة وحليفة لها بالمطلق وبعد ذلك لايهمها كثيرا ان تكون ديمقراطية او ديكتاتورية .. مؤمنة ام ملحدة . على انه ورغم ذلك قد يتطلب الامر في وقت لاحق من امريكا ان تطلب من انظمة الحكم القائمة في المنطقة ادخال بعض الاصلاحات والتطويرات الهادفة الى تحسين وتجميل صورتها ولوشكليا حتى تتجنب امريكا الاحراج وتحافظ على شيء من مصداقيتها امام العالم . اما ان نتخيل او نراهن علىامريكا في فرض الديمقراطية الحقيقية في بلداننا فاننا نكون واهمين ومخطئين لسبب بسيط وواضح وهو ان ذلك يتعارض مع سياسات الادارة الامريكية ومصالحها وهو ما لاتريده ،فتحقيق مصالحها الوطنية هو كل ماتريده .