في مساء يوم امس الاربعاء 17 ابريل الجاري، كنت مع افراد اسرتي في جلسة عائلية نتتبع الأخبار من القنوات الفضائية التلفزيونية، وخاصة ما يحدث لاشقائنا الفلسطينيين من مجازر وابادة بشعة، وتدمير للمنشأات والمساكن والمرافق وسط حصار كامل شامل تفرضه عليهم قوات الاحتلال ((الاسرائيلية)) الغاشمة بمنع التجوال وقطع إمدادات المياه والكهرباء ومنع وصول الامدادات الغذائية او الدوائية اليهم على مدى يزيد عن اسبوعين منذ بداية العدوان الاسرائيلي النازي الهمجي، وجميعنا، اطفالا وشبابا وشيوخا، مشدودي الأعصاب ومستنفري المشاعر إزاء ما يجري، شأننا في ذلك شأن سائر العرب والمسلمين وشرفاء العالم على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم الوطنية، وكانت الأخبار تنقل الينا ، حينها، تصريحات ادلى بها الرئيس الامريكي جورج بوش من احدى القواعد العسكرية في أمريكا مترجمة باللغة العربية من قبل المذيع، ملخص تلك التصريحات ، فيما يهمنا هنا، تتبلور في ثلاث قضايا رئيسةهي: 1) مطالبته للفلسطينيين بوقف اعمال العنف والارهاب. 2) مطالبة الدول العربية ذَكرَ منها على وجه الخصوص بالاسم كل من مصروالسعودية والاردن بإصدار بيان يدين العمليات الاستشهادية او(( الانتحارية )) كما وصفها، وكذا العمل لمواجهة الارهاب !! وكانت هذه المطالبة لاتخلو من الفجاجة والتهديد والوعيد المبطن ، اضافة الى ما تحمله من اتهام غير مباشر.. 3) الاشارة الى مطالبة اسرائيل بالعمل على الانسحاب من الاراضي الفلسطينية، ولكن باسلوب لطيف ومهذب ودون تحديد أجل زمني او ضرورة تنفيذ قرارات الشرعية الدولية بهذا الشأن ،اي تنسحب على راحتها وبعد إتمام مهمتها..وبينما نحن مستغرقين في متابعة هذه الاخبار اذ بأحد اطفالي الذي لايزيد عمره عن عشر سنوات يقفزهاتفاً بان الرئيس الأمريكي قد اخطأ، من حيث لايدري، حيث قال بأن على الفلسطينيين ان يوقفوا أعمال العنف والارهاب، في حين كان يريد ان يقول(( الاسرائيليين ))! فأوضحت له ان الرئيس لم يخطئ وانه بالفعل يقصد الفلسطينيين وليس الاسرائيليين، فرد علي مندهشاً ولكن الاسرائيليين هم الذين يقتلون الفلسطينيين ويدمروا بيوتهم ومدنهم ومؤسساتهم وليس العكس! اشرت عليه بأن ذلك صحيح ولكن أمريكا ترى الصورة مقلوبة لإنحيازها الأعمى المطلق الى جانب ((اسرائيل)) وعليه ان يتركنا لمتابعة الأخبار، وصمت الولد صمتاً تكسوه حسرة واستغرابا! والواقع ان المتتبع للمواقف والسياسة الأمريكية تجاه المنطقة،وخاصة في الأونة الاخيرة، يلاحظ بوضوح بأن أمريكا تلعب دوراً بارزاً في تحريض((اسرائيل)) ودفعها الى المزيد من التطرف والتشدد ومواصلة عدوانها الفظيع على الشعب الفلسطيني، ولم تكن الزيارة الاخيرة لوزير الخارجية الامريكي وسائرالمسئولين الامريكيين قبله وبعده، إلا محاولة لتوفير الغطاء واختلاق المعاذير والذرائع وإلهاء العالم من أجل كسب اكبر قدر ممكن من الوقت حتى تتمكن اسرائيل من إكمال وتحقيق اهداف عدوانها الوحشي الرهيب ! ولم يكن العالم العربي والاسلامي يتوقع، ولا كان يطمح، ان توجه أمريكا انذاراً حازماً لاسرائيل باستخدام القوة ضدها اذا لم تنفذ قرارات مجلس الأمن الدولي، كما تفعل أمريكا ضد العراق وافغانستان ،ولم يُنتظر ان تقوم أمريكا بتوجيه نداء شديد اللهجة او تصدر تصريحات تهديديه لتجبراسرائيل على ذلك كما تفعل أمريكا ضد عدد كبير من الدول العربية والاسلامية، وكل ما كان يرجوه العرب والمسلمين ان ترمي أمريكا ثقلها من اجل تحقيق السلام في المنطقة سلاماً حقيقياً عادلاً وشاملاً ودائماً بحسب إدعاءاتها المستمرة.. وبدلاً عن ذلك راحت أمريكا تتهم وتهدد وتتوعد الفلسطينيين والعرب، بل وتمنح صكوك غفران لإسرائيل بشرعية أعمالها الاجرامية الوحشية واعتبارها دفاعاً عن النفس، ولم يَرِفْ لها جفن ولا اهتزت لها شعرة امام حرب الابادة والتدمير والقتل الذي يمارسه الجيش الاسرائيلي بكافة انواع اسلحته الحديثه الفتاكة من طائرات حربية متنوعة وصواريخ ومدافع ودبابات، وصُورت المشكلة والمأساة الانسانية الرهيبة التي تطحن شعباً بكاملة وكأنها تُختصر في عمليات فردية هنا وهناك يقوم فيها رجال بتفجير اجسادهم رداً على العدوان وطلباً لحقوق مشروعة واحتجاجاً على الظلم الفادح الواقع على شعبهم منذ ما يزيد على ستين عاما! وبناء عليه فان الشارع العربي خاصة والاسلامي عامة، والذي بات يغلي ويتفجر مرارة وغضباً إزاء هذا الانحياز المطلق والأعمى تأييداً لاسرائيل وعداء للعرب والمسلمين، ترسخت لديه القناعة التامة بأن مشكلته الحقيقية تنحصر في أمريكا اولاً، وأما مشكلته مع((اسرائيل)) فتحتل المرتبة الثانية، ويتملكه الاستغراب الكامل وهو يرى حكوماته تصرعلى اعتبار أمريكا، ((راعية سلام)) بينهم وبين اسرائيل، لانه يرى بأن أمريكا لم تكن يوماً كذلك ولن تكون، وتعتبرها الطرف المعادي رقم واحد.. ويستغرب اكثر كيف لاتبادر حكوماته الى طلب إجراء مباشر شفاف وواضح وصريح بينها وبين أمريكا تناقش على طاولته القضايا، ويعرفون من خلاله ماذا تريد أمريكا بالضبط ؟ ومن المؤكد انهم سيخرجون مع أمريكا بصيغة إتفاق مناسب وشامل ومن ضمنه مسألة السلام بيننا وبين اسرائيل، حينها لا يمكن لاسرائيل ان تكون عقبة بل انها سوف تستجيب فورا وتلقائيا للسلام العادل والشامل مادامت أمريكا موافقه! غير ان الشعوب ، كما بدا مؤخراً، لم تَعُد تُعوِل على حكوماتها او تعلق عليها أمل في دورحقيقي إزاء ما يجري، وسحبت ثقتها بها على نحو بالغ الخطورة وباتت تلك الشعوب تعتبر حكوماتها سبباً من اسباب مشكلتها واصبحت الشعوب الآن على قناعة تامة بضرورة ان تتولى زمام قضيتها بنفسها وبشكل مباشر، وعلى رأسها مواجهة العداء الأمريكي المطلق لها ولقضاياها ومطالبها العادلة المشروعة.. وحتى لا يتحول الغضب الشعبي العام الى ردود افعال خارجة عن نطاق السيطرة والتحكم العقلاني، ولأن الكثيرين من العرب يتوقون ويتمنون ان تربطهم علاقة صداقة حقيقية مع أمريكا وشعبها، برغم ما يعانونه من مواقف امريكية مستفزة لمشاعرهم ومعادية لمطالبهم العادلة فاننا نعتقد بأن العرب قادرون على ممارسة اشكالا من الضغوط بهدف إحداث التأثيرالقوي والفعال على أمريكا لتغير من عدائها المطلق والمستفز لهم، دون ان يضطروا الى اللجوء الى اي وسيلة من وسائل العنف والتطرف، واذا كانت المظاهرات الحاشدة والغاضبة التي شهدتهاالبلدان العربية مؤخراً تعتبر شكلا من اشكال الضغوطات المطلوبة إلا انها ليست قابلة للتواصل والاستمرار يومياً ولمدى طويل غير محدد، ولعل افضل وسيلة لممارسة اقوى الضغوط واكثرها فاعلية وتأثيراً على السياسة العدائية المطلقة لأمريكا تجاه العرب والمسلمين عموماً، في ظل غياب وعجز وفشل الحكومات عن القيام بأية اجراءات وضغوطات فعلية، هو قيام ارادة شعبية عربية واسعة معززة بتصميم جاد لا يلين يكون لائقاً بأمة عريقة حية عزيزة وكريمة، على مواجهة ذلك الاستهداف العدائي الأمريكي غير المبرر وغير المعقول عبر مقاطعة سلمية لجميع الامريكيين، افراداً ومؤسسات وشركات ومنظمات ، تتمثل بالامتناع عن تحيتهم او رد تحيتهم او مصافحتهم او التحدث اليهم او التعامل معهم بيعاً وشراء وتعاوناً على اختلاف صوره واشكاله، والمقاطعة بأقصى قدر ممكن لبضائعهم ومنتجاتهم وكتبهم وصحفهم واذاعاتهم.. وفي اعتقادي الجازم انه لو تحققت ارادة شعبية واسعة على المستوى العربي، والى حد ما على المستوى الاسلامي، وتوفر لها العزم والتصميم الكاملين على القيام بمثل هذا الاسلوب من المقاومة والضغط على أمريكا لِتُغير مواقفها العدائية تجاه العرب والمسلمين، فسوف يكون هذا الاسلوب من اكثر اساليب المقاومة السلمية فاعلية وتأثيراً، اذ سيجعل كل أمريكي يمشي على الأرض العربية وايضاً الاسلامية يشعر في كل لحظة من فترة بقائه بأنه منبوذ معزول مكروه وحياته محصورة بغرفته او مكتبه فقط ، وهو وضع نفسي لا يُطاق ولا يُحتمل، وستشعرأمريكا ان الشعوب تكن لها مشاعر واسعة جداً من الكره والرفض وعدم التقبل وانه يستحيل في ظل اجواء كهذه ان يكون لأمريكا اي حضوراً او وجود او تأثير في الوطن العربي والاسلامي عموما مالم تعمل سريعاً على تغيير سياستها العدائية الفجة.. والأهم من كل ذلك ان أمريكا ستجد نفسها مُجبرة على ان تأخذ حساب الشعوب في اعتبارها دائما وستدرك أمريكا ـ حينها ـ انها كانت مخطئة تماماً عندما اعتقدت بأن الاعتماد على المواقف الرسمية للحكومات الخائفة والعاجزة والهزيلة يكفيها لوحده لتطمئن ان لا شيئ يمكن ان يهدد مصالحها في المنطقة، وستعلم بأن الشعوب اقوى وابقى من الحكومات بما لا يقاس . والشعوب حينما تقرر القيام بمثل هذا الاسلوب الموجع والفعال في الضغط والتأثير على أمريكا، فهي لن تخشى اية عواقب او اجراءات تعسفية ضدها باي شكل من الاشكال وذلك لانه اسلوب سلمي مائة بالمائة، ويقوم على الاختيارالفردي الحر ثم انه لايهدد أمن واستقرار وهدؤ الحكومات وطول عمرها الهانئ الذي تيساوي وجوداً وعدماً تماماً ، كما ان احداً لا يمكنه توجيه اي إتهام لها بالارهاب كما هي ((موضة)) هذا الزمان الردئ.. غير ان القوى الحية والواعية والمثقفة لشعوب الأمة العربية كالاحزاب والمنظمات النقابية والمهنية والاعلاميين والمحامين والمثقفين والطلاب والعمال يقع على كاهلهم الجزء الاكبر من مهمة بناء وخلق الارادة الشعبية العربية الواسعة للقيام باسلوب المقاومة والضغط السلمي الفعال على أمريكا لتغييرسياستها العدائية الشرسة.. فهل يقوم هؤلاء بمسئوليتهم ودورهم الطبيعي المُلِح في هذه المرحلة بالغة الدقة والحساسية للدفاع عن امتهم ومصالها وكرامتها وعزتها القومية المُداسة.. ذلك هو ما نأمله، بل ونثق بتحقيقه بأسرع مما نتصور باذن الله تعالى. صحيفة الاسبوع