صادف في 28 ديسمبر/ كانون الأول الجاري الذكرى الأولى لاغتيال السياسي اليمني البارز جار الله عمر، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني على يد الأصولي علي السعواني في قاعة مؤتمر حزب الاصلاح الاسلامي المعارض. السعواني الذي مازال يُعبر عن سعادته بما قام به.. وللتذكير فانه وبعد يوم واحد على تلك الجريمة التي هزت اليمن والقوى السياسية العربية بفقدان عمر.. أقدم متطرف آخر يدعى عابد عبد الرزاق الكامل على قتل ثلاثة أطباء أمريكيين في المستشفى المعمداني بمدينة جبلة اليمنية التاريخية. وكشفت التحقيقات أن المتطرفَين ينتميان لتنظيم الجهاد الاسلامي المحظور..(( العالم الآن)) أجرت هذه المقابلة الخاصة مع السياسي اليمني البارز والمعروف عبدالله سلام الحكيمي ، رئيس مركز التنوير الثقافي ، حول ذكرى إغتيال جار الله عمر والإرهاب . ويكشف الحكيمي في هذا الحوار جوانب مهمة عن الحكومة اليمنية والجماعات الارهابية. س: من يقف باعتقادك وراء حادث اغتيال جارالله عمر؟ ج: حادث الشهيد جارالله عمر ليس فردياً بكل تأكيد وإنما تقف وراءه تنظيمات أو حركات سرية، وبالتالي فان اقتصار التحقيق على أن الجريمة فردية يُخِل بالتحقيق ولا يساعد على الوصول الى معرفة كل الجوانب والخلفيات والقوى التي تقف وراء الحادث. س: هل تعتقد أن تنظيم القاعدة يقف وراء الحادث، خاصة وأن بن لادن سبق وأن أيٌد الاغتيالات التي شهدتها اليمن خلال فترة الأزمة السياسية بعد الوحدة مطلع التسعينات؟ ج: المعطيات معظمها تشير الى أن هناك علاقة واضحة بين تنظيم القاعدة والجماعة التي تقوم بالاغتيالات سواء حادث الشهيد جارالله عمر أو الاغتيالات التي سبقت ذلك . فمن المعروف أن بن لادن كان يدعم الجماعات المنتسبة للاسلام والمتطرفة، وكانت القضية في ذلك اليوم هي مواجهة الحزب الاشتراكي على أساس أنه حزب مُلحِد أو شيوعي أو شيء من هذا القبيل، كما مول بن لادن هذه الجماعات وزودها بالأسلحة، وهذا شي بات معروفاً والمتورطون في حادثة اغتيال الشهيد جارالله عمر في أغلب الظن أنهم ينتمون الى تنظيم الجهاد الذي من المعروف أنه يرتبط بعلاقات مع القاعدة أو أصبح جزءاً منه. الجانب الاخر أن هذه الجماعات توفرت لها ظروف مواتية لتقوية نفسها والتدريب والتسليح مستغلة الصراعات السياسية التي كانت قائمة في الساحة اليمنية سواء بين شطري الجنوب والشمال قبل الوحدة ، أو شريكي ُصنع الوحدة الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام ، وكانت هناك أطراف سياسية عملت في هذا الجو على توظيف هذه الجماعات لإضعاف الطرف الآخر وقد وجدت هذه الجماعات في ذلك فرصة لها بأن تقوم بالدور، وتُحقق في نفس الوقت ماهو أهم ألا وهو ايجاد مكانة لها وبناء نفسها والتسلح اضافة الى الانتشار وهذا هو ما حققته ونجحت فيه الى حد كبير.. الصلات( بين الأطراف السياسية وهذه الجماعات ) موجودة ولكن غالب الظن أنها صلات تكتيكية لظروف معينة.. الآن هذه الظروف اختلفت لكنهم أصبحوا يشكلون خطراً، حتى على الذين استخدموهم من قبل تماماً كما حدث بالنسبة للجهاد في أفغانستان.. الجماعات التي دُربت ومُولت وسُلحت أصبحت بعد خروج الاتحاد السوفياتي عدو صديق الأمس. س: هل سيشهد المستقبل القريب إعلاناً حكومياً عن المتورطين في اغتيال جارالله عمر والأطباء الأميركيين؟ ج: الحقيقة استبعد أن يتم اعلان جميع المتورطين أو الجهات التي تقف وراء الحادث ، فكما قلت سابقا القضية فردية ولكنها ترتبط بتنظيمات وعلاقات داخلية وخارجية .. وأعتقد أن التحقيق في هذا الجانب يشكل احراجاً لأطراف كثيرة فيما يبدو، ولهذا تجد أنه ومنذ عام والتحقيق يقتصر على أفراد معينين . لكن الثابت والمؤكد أن العملية منظمة ودقيقة تقف وراءها جماعات على درجة عالية من القدرة والتنظيم والفاعلية.. والكشف عن الجهات التي تقف وراء حادث اغتيال جارالله عمر أو الأطباء الأميركيين الثلاثة أو الحوادث التي قبلها أو بعدها سوف تكشف عن جماعات ربما يؤدي الإعلان عنها الى إحراج معين بالنظر الى تعاملات سابقة لاعتبارات تكتيكية. لكن أعتقد أن المبرر لا يجب أن يكون بهذا الشكل لأن التعاملات الماضية شيء وواقع اليوم شيء آخر ، لأن ما ارتكبته هذه الجماعات بات يشكل خطراً على الدولة والمجتمع والاحزاب وعلى المنظمات المدنية والصحافيين والمثقفين.. لقد أصبحت تشكل خطرا ًعاماً.. ولو قرأت مرافعات السعواني ( المتهم باغتيال جارالله عمر) فانه كفٌر الدولة لأنها قبلت بالمواصفات الدولية في الجانب الاقتصادي وتركت المجال (( للتنصير)) .. وقال صراحة انه يستهدف الرئيس والمحيطين وكبار قادة جيشه اضافة الى بعض الأقليات المذهبية مثل الاسماعيليين….. يجب أن تقتنع الأجهزة الرسمية بأن عليها أن تتجه الى كشف المستور وكشف ما خفي حتى تُجنب نفسها والمجتمع مخاطر قادمة لا محالة. س: ما نوع المخاطر برأيك المنطوية على عدم الكشف عن الجناة الحقيقيين في اغتيال جارالله عمر والأطباء الأميركيين الثلاثة ؟ وهل تعتقد أن هناك شخصيات لها ثقل في الساحة متورطة في مثل هذه الحوادث؟ ج: عدم الكشف عن الملابسات قد يكون مَردُه الى الشعور بالإحراج بسبب التعاملات السابقة واستخدام هذه الجماعات استخداماً واسعاً قبل الوحدة وبعد الوحدة والى ما بعد الحرب التي جرت في 1994م. فإن يمتد التحقيق ليشمل هذه التفاصيل كلها من شأنه أن يبين الجهات التي كانت تتعامل معها وتفاصيل حول تمويلها وتسليحها .. مثلا.. قاتل جارالله عمر هو أصلاً ضابط في اللواء الثامن صاعقة أومُنح رتبة بعد الحرب وهكذا كان بالنسبة لجيش عدن – أبين الاسلامي- وكذلك بالنسبة للجهاد للسلفيين.. لا شك أن ذلك سيكشف الجهات التي كانت تتعامل معها. لكني اعود فأقول انه يجب أن يكون معروفاً لدى الحكومة أن التعاملات التي تمت في السابق لا تشكل احراجاً لأنه كان من حقها أن تستخدم أموراً تكتيكية ، لكن الآن التستر يَمُس الدولة نفسها.. هي قد تتستر لكنها ستتجه حتماً الى مواجهة هذه الجماعات التي باتت تشكل خطراً عليها فمن أجل حماية الجميع لا بد من اتخاذ اجراءات جادة لكشف التفاصيل بحيث يتسنى للجميع أن يساهم في هذه المواجهة التي يجب أن تكون فكرية وسياسية وعسكرية دينية شاملة حتى في قضية المناهج الدراسية يجب أن يعاد النظر فيها. بالنسبة للشخصيات، فان التحقيق الشامل والجاد سيكشف عن تعاملات كانت لظروف مختلفة اضطرت لها جهات رسمية لاعتبارات تكتيكية من أجل خدمة الحسابات السياسية التي نتجت عن صراع سياسي كان قائماً قبل الوحدة اليمنية وبعدها الى حرب عام 1994م. يجب أن يكون هناك تفريقًا.. استخدام هذه الجماعة قد يكون له ما يبرره في السابق تماماً كما استخدمت الادارة الأميركية المجاهدين الاسلاميين في مواجهة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان .. الآن أميركا لا أحد يلومها عن تسليحها وتدريبها لهم، وكذلك الأنظمة العربية والاسلامية جميعها ، فادا اقتنعوا بهذا الطرح فعليهم أن يفصلوا بين الماضي وبين ما تم بعد الحرب ( العمليات الارهابية ). س: هل هناك في اليمن فصل بين الارهاب المحلي أي الذي يستهدف اليمنيين مثل القادة السياسيين والكتاب أو من يسميهم الارهابيون بـ (( العلمانيين)) وبين الارهاب الذي يستهدف الاجانب والمصالح الغربية ؟ خاصة أن العمليات التي تستهدف الأجانب ومصالحهم هنا تحظى باهتمام بسبب المتابعة الدولية بينما الذي يتعرض له اليمنيون لا يَحظى بالاهتمام ؟ ج: في اعتقادي أنه لا يوجد فصل على المستوى المحلي بين الارهاب الذي يستهدف أشخاصا وبين الارهاب الذي يستهدف المصالح الأجنبية .. فمن تصريحات رئيس الجمهورية والمسؤولين فان جماعات ارهابية تستهدف المحليين والأجانب بصورة تتفق مع أهداف المنظمات الارهابية على مستوى العالم.. ولاحظ أنه لا يمكن أن تفصل بين ما يجري هنا في اليمن وبين ما يجري في الرياض وبين ما جرى ويجري في تركيا من استهداف الكنيس اليهودي وهو دارعبادة وضرب المصالح الأجنبية .. هذه كلها مترابطة بعضها ببعض .. لا نستطيع أن نفصل شيء عن شيء آخر . أعتقد أن هناك شبكة منظمة وليست عشوائية تجمع المنظمات الإرهابية سواء كانت القاعدة أو غيرها .. القاعدة هي ضَمت تنظيمات كانت قائمة. س: كيف يمكن مواجهة الارهاب اذن ؟ ج: لابد ومن أجل مواجهة الإرهاب بصورة جادة وفاعلة أن يكون هناك جهداً دولياً منسقاً وأن لا يقتصر الأمر على الجهد المحلي لأنه سيظل قاصرا .. فما لم تكن هناك جهوداً دولية منسقة وجادة وتكون هناك كفاءة في التصدي للتحقيقات بالمعرفة والمتابعة بحيث أنه تؤتي نتيجة .. إن بقاء الجهود في مواجهة الارهاب مشتتة لن يحقق الهدف الذي نسعى اليه.