الرئيس الجديد.. والتحديات الكابحة للتغيير..(الحلقةالثانية والأخيرة) صحيفة الوسط عبدالله سلاٌم الحكيمي

توقفنا في الحلقة السابقة من حديثنا عند معالم الخارطة السياسية في الوضع الراهن في بلادنا، بدءاً بالحديث حول تكتل أحزاب اللقاء المشترك مكتفين بالتطرق إلى “التجمع اليمني للإصلاح” باعتباره النموذج الأقوى والأبرز لها، وأنهينا الحلقة بالسؤال عن دواعي وأهداف تدريب وبناء مليشيات مسلحة من عشرات الآلاف من عناصر الإصلاح وباقي العناصر المتطرفة عبرالفرقة الأولى مدرع، وأي عدو ستقاتله تلك المليشيات؟ ونواصل حديثنا للإجابة على هذا السؤال الخطير، بسؤال استفهامي آخر يقول هل ما نشاهده ونلحظه ونسمع به من تداخل وتمازج “العسكري- الحزبي- القبلي” يهدف عبر تلك الممارسات والإجراءات المريبة والخطيرة والمخيفة، بهدف محاصرة وإبطال وشل قدرة عملية الانتقال للسلطة على الفعل والتغيير والإصلاحات المنشودة؟؟ وهل يمكن اعتبارها موقفاً عملياً، معززاً بقوة الجيش والقبيلة والمليشيات الحزبية المسلحة، لرفض الانتقال التاريخي للسلطة تحت تأثيرودوافع طائفية مناطقية ضيقة تريد إعادة صيغة الحكم البالية والمناقضة لحقائق الواقع وأحكامه؟ ربما كان ذلك كذلك، غير أننا نترك مهمة التحري والإجابة حول تلك التساؤلات للرئيس الجديد وحكومة “الوفاق الوطني” والقوى والفعاليات السياسية الوطنية والشبابية والاجتماعية الواعية والتواقة للتغييرالجذري وبناء اليمن الجديد.. ب) القوى الدينية السلفية: وهي قوة دينية عقائدية لها رؤيتها وفهمها للدين في إطارالالتزام الصارم بما أتى به “السلف الصالح” من أفكار وحلول ومعالجات مُقيدة بقوة وظاهرالنص..الخ. وهي قوة نامية ومتوسعة تناقض وترفض رؤى وبرامج واجتهادات تنظيم “الإخوان المسلمين” ممثلين بالتجمع اليمني للإصلاح وتُكفرإلى حد ما سائرالأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية والمذاهب الفقهية الأخرى، سنية وشيعية، وكذا الجماعات الصوفية، وهي توالي الحاكم ونظامه وتدين له بالطاعة وتُحرم الخروج عليه، وتُعتبرالمنافس الأقوى لتجمع الإصلاح ونفوذه وهيمنته، ولهذا ارتبطت مع السلطة الحاكمة السابقة بعلاقات تعاون وتنسيق وثيقة ودائمة، ولعل إقدامهم مؤخراً على تشكيل حزب سياسي تحت اسم “اتحاد الرشاد اليمني” يُعد حدثاً إيجابياً مُهماً من حيث قبولهم وانخراطهم في العملية الديمقراطية السلمية وثقلهم سيعيد قدراً كبيراً من التوازن لخارطة القوى السياسية في اليمن مما سيحد من الهيمنة الأحادية للإخوان المسلمين. جـ) قوى الحراك والمعارضة الجنوبية في الداخل والخارج: وهي قوى متعددة، في الخارج والداخل، تكونت بفعل آثار ونتائج حرب 1994م، وما تلاها من ممارسات ظالمة ومجحفة بحق أبناء الجنوب إضافة إلى انتشارالفساد ونهب ثروات ومقدرات الجنوب، وبرزت القوى الجنوبية المعارضة في الداخل (الحراك الجنوبي) على السطح اعتبارا من عام 2007م على نحو تصاعدي بدءاً بحقوق مطلبية وانتهاء بتبني والمطالبة بإعادة دولة الجنوب السابقة والخروج من دولة الوحدة بفعل أساليب القمع والقتل والبطش التي واجهت بها السلطة الحاكمة احتجاجاتها ومظاهراتها السلمية، إضافة إلى القادة والرموزالتاريخيين للجنوب في الخارج، ورغم عدم نجاحهم، حتى الآن، في الاتفاق على صيغة سياسية توحد أو تنسق جهودهم وقواهم إلا أن حضورها ونفوذها وتأثيراتها قوية وملموسة في الجنوب، ويندرج ضمنها “حزب رابطة أبناء اليمن”. د) قوى الحوثيين: وهي بدأت بالظهوركقوة ثقافية – تعليمية- في محافظة صعدة ومحافظة الجوف ثم اضطرت لحمل السلاح لمقاومة قوى الجيش التي حشدت لضربها وتبلورت كقوة عسكرية مؤثرة وبارزة استطاعت أن تُلحق الهزائم بقوى السلطة العسكرية في حروب ستة خاضتها إعتباراً من عام 2004م، وهي قوة ذات مرجعية دينية تستند إلى اجتهادات وفقه المذهب الزيدي، ولها سيطرة ونفوذ وتأثير سياسي وشعبي بارز في محافظة صعدة ومحافظات الجوف وحجة وعمران وصنعاء وذمار ووسعت من دائرة وجودها، وخاصة أثناء الثورة الشعبية السلمية، إلى المحافظات الجنوبية ومحافظات مأرب والبيضاء وتعز والحديدة وإب، وعلاقتها بالتجمع اليمني للإصلاح والسلفيين واللواء علي محسن الأحمر وأبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمرمتوترة ومتنافرة، وارتبطت في بداياتها، بعلاقات مع ليبيا أولا ثم بدولة قطر وأخيراً بإيران. هـ) وهناك قوى شباب الثورة ممثلة بعدد كبير من التحالفات والتكتلات والائتلافات والتجمعات لكنها لم تستطع إقامة صيغة أو إطارواسع موحد يُعبرعنها ويُنظم ويُنسق جهودها وحركتها ورؤيتها بفعل غلبة الانتماء الحزبي للأعضاء المنتمين للأحزاب وهم كُثر وإحباطهم لأي توجه من هذا القبيل، ورغم إصرارهم على مواصلة ثورتهم حتى الآن، وذلك لأن قيادات الأحزاب السياسية ترى مصلحة لها في استمرار الثورة لتعزيز موقفها وموقعها السياسي العام في الدولة وفي الانتخابات البرلمانية القادمة. 4 )خارطة القوى الدولية والإقليمية وتأثيراتها الداخلية: إن القوى الدولية والإقليمية النافذة، باتت اليوم، كما نعلم جميعا، الطرف الأقوى والأكثر قدرة على التأثير والتحكم في مجريات الوضع الداخلي اليمني وطبيعة تطوراته، سواء من حيث قيامها بدور (دول الوصاية الدولية) على اليمن بموجب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المُزمنة الموقع عليهما من قبل الطرفين السياسيين، الحكم ومعارضة أحزاب المشترك، أو بالأصح قيادات المشترك العليا، إضافة إلى قرارمجلس الأمن الدولي، أو من حيث قبول الطرفين السياسيين المشار إليهما آنفا وقد أصبحا يشكلان مُتحالفي السلطة الحاكمة الحالية، واستعدادهما المطلق للامتثال لمشيئة تلك القوى الدولية والإقليمية النافذة وتنفيذ كل ما ترتئيه وتقرره، خاصة وأنها الدول” المانحة ” أوالممولة مالياً للسلطة الحاكمة الحالية. ويمكننا هنا، رسم وتحديد اللاعبين الرئيسيين من قوى هذه الخريطة على النحو التالي: أ‌-   القوى الدولية الغربية: وهي أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى قوى أخرى مرتبطة بها مثل بلجيكا وأسبانيا وإيطاليا وكندا..الخ، وتعتبرالولايات المتحدة الأمريكية القائدة الأولى والمتفردة وصاحبة القرارالأبرز في هذه المجموعة أو القوى الدولية الغربية، ومعروف بأن الولايات المتحدة كانت، وحتى آخر لحظة بل ولا تزال، أقوى صديق وحليف وداعم ومساند وحامٍ لسلطة علي عبدالله صالح العائلية الفاسدة طوال فترة حكمها لليمن الممتدة لأكثرمن ثلاثة وثلاثين عاما، وهي التي رمت بكل ثقلها ووظفت تأثيرها ونفوذها الدولي لمنع المجتمع الدولي ومنظماته وهيئاته القضائية والإنسانية، من ممارسة أي ضغوط أو إصدارإدانات لجرائم تلك السلطة وانتهاكاتها المريعة للحريات وحقوق الإنسان، وقمع اعتصامات واحتجاجات الثورة الشعبية السلمية اليمنية العارمة التي ما تزال متواصلة منذ فبراير العام الماضي 2011م ولا تزال صامدة ومصممة حتى الآن على تحقيق أهدافها المشروعة رغم تقديمها لحوالى ثلاثة آلاف شهيد وأكثرمن ثلاثين ألف جريح ومصاب وآلاف المعتقلين والمُعذبين.. ويبدو أن أمريكا لعبت دوراً خفيا ًللتأثيرعلى المبعوث الأممي الشيخ جمال بن عمر لتضمين ما أطلق عليها “الآلية التنفيذية المزمنة” للمبادرة الخليجية أحكاماً وترتيبات جديدة سلبت الجوانب الإيجابية التي تضمنتها المبادرة الخليجية، كما أشرنا في مقالات سابقة، بما يضمن تحقيق شروط ومطالب ومصالح الرئيس السابق وعائلته وأقاربه وتكريس بقائهم في مراكزهم الحساسة في قيادات الجيش والأمن والمؤسسات الاقتصادية والمالية الإيرادية بعد إغراقهم بالحماية والضمانات والحصانات التي تُحرم إخضاعهم للمساءلة والمحاسبة أمام العدالة والقانون، ويبدو أن الجميع أدرك يقيناً أن أمريكا لن تقبل بالمطالب الشعبية بإزاحة أبناء الرئيس السابق وأبناء أخيه وباقي أفراد عائلته وأقاربه من الهيمنة الحاسمة على قوى الجيش والأمن ولو اضطرها ذلك إلى خوض حرب شاملة!! وكلنا يذكركيف انبرى السفيرالأمريكي لتكفيروتجريم التحركات السلمية داخل العديد من وحدات الجيش والأمن المطالبة بإزاحة قادتها الفاسدين من مراكزهم، ونصب من نفسه محامياً للشيطان في الدفاع عن الفاسدين والمجرمين والقتلة، رغم أنف الشعب اليمني ومطالبه العادلة!. إن هذه القوى الدولية الغربية، بقيادة وهيمنة أمريكا، فرضت وصايتها الكاملة وسيطرتها المطلقة على أهم وأخطرالملفات الوطنية الحساسة وخاصة، هيكلة الجيش والأمن، والمؤتمرالعام للحوار الوطني والقضية الجنوبية.. والمسألة الحوثية.. والدستور الجديد، والهيكلة الاقتصادية والمالية للدولة..الخ. وعلى ضوء مواقف وسياسات هذه القوى الغربية، مُجسدة بمواقف وسياسات أمريكا السابق الإشارة لها، ومواقفها السلبية الواضحة في مواجهة المطالب المشروعة العادلة للثورة الشعبية السلمية العارمة في اليمن، وانحيازها الحاسم إلى صف سلطة الرئيس السابق العائلية الفاسدة، رغم اضطرارها للتضحية الجزئية والتكتيكية بشخص الرئيس صالح دون أسرته وأقاربه المهيمنين والمسيطرين، فإن من اليسيرعلينا أن نجزم بأن المعالجة لكل تلك الملفات والقضايا الوطنية بالغة الأهمية المرتبطة بها والنتائج المتوقع تمخضها والموكولة الى تلك القوى الدولية الغربية، لا يمكن أن تخرج عن الإطار العام لمواقفها وسياساتها المشار إليها إزاء اليمن.  ومما تجدر ملاحظته، على الجانب الآخر المقابل، أن القوتين الدوليتين البارزتين، الاتحاد الروسي والصين الشعبية، غائبتان كلياً عن الإسهام بأي دور أو تأثير يذكران!. ب‌- دول مجلس التعاون الخليجي: والواقع أن هذه الدول تُعد من نواحي الجغرافيا والتاريخ والثقافة، الأكثر قرباً والأوثق علاقة والأدق معرفة ودراية، بالواقع اليمني وخصائصه وقواه ومشاكله، وخاصة منها، وفي مقدمتها وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، الأكثر تعاملا وتفاعلا والأقوى حضوراً ونفوذاً وتأثيراً على الصعيدين الرسمي والشعبي، والتي بذلت الجهد الأكبر والأبرز في التوصل إلى صياغة وإقرار “المبادرة الخليجية” التي لو اكتفي بها وتم تطبيقها – كما هي- وقبل أن تفسدها وتفرغها من أهم مضامينها الإيجابية على محدوديتها، الآلية التنفيذية المُزمنة التي أخرجها المبعوث الأممي الشيخ جمال بن عمر، لربما اتخذ مسارمعالجة الوضع، المتفجر في اليمن منحى أكثر إيجابية وفاعلية ..  وقد لاحظ كثيرمن المراقبين للأوضاع السياسية في اليمن، أنه منذ ما بعد التوقيع النهائي على المبادرة والآلية في الرياض، غاب أو غيب الدورالسعودي المطلوب في اليمن، على نحو شبه كلي، لصالح تضخيم وإبراز الدورالأمريكي- الغربي-، الذي يقترب كثيراً من أن يصبح أحادياً وحاسماً، أما ما يتعلق بباقي دول مجلس التعاون الخليجي، فالواضح أن دولتي الإمارات العربية المتحدة والكويت ومملكة البحرين، فهي تتوافق في مواقفها وسياساتها، وخاصة إزاء اليمن، تقليديا، مع الموقف والسياسة السعودية غالبا، أما سلطنة عمان فلا تزال، كما كانت دائماً، ثابتة على السيرفي سياستها ومواقفها، إزاء مختلف قضايا ومشكلات المنطقة، وفق نهج الحكمة العمانية المعهودة القائمة على بعد النظروالنأي عن التمحورات السياسية والخوض في خضم تلك القضايا والمشكلات إلا في حدود تقريب وجهات النظروإبداء النصح ومساندة المساعي والجهود الخيرة والموضوعية بهدوء بعيداً عن الأضواء والضجيج. تبقى “دولة قطر” التي راحت، بطموح وجموح عاليين، تُحدد الوطن العربي، بمختلف دوله بل ومنطقة الشرق الأوسط كلها، مجالا حيوياً جيوبوليتكياً استراتيجياً، لتمارس عليه وفيه دورها وتأثيرها ونفوذها، وهو مجال لا يؤهلها للنهوض بأعبائه أية مقومات وركائز وأسس ضرورية كموقعها الجيوبوليتيكي، وثقلها السكاني وقاعدتها العلمية التكنولوجية ،واقتصادها القومي الصناعي الزراعي الحقيقي، والخلفية التاريخية الواسعة، مستعيضة عن كل ذلك، كما أشرنا وشرحنا في مقال سابق بعنوان “معاناة النائب..” منشور في صحيفة “الوسط”، بعلاقة تحالفية استراتيجية وثيقة وبعيدة المدى بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين من ناحية، والانضواء تحت عباءة الاستراتيجية الأمريكية الغربية على المستوى العالمي.. وبناء على ذلك، وفي ضوئه، فرضت دولة قطر نفسها، وخاصة خلال السبع أو الثماني السنوات الماضية، لاعباً قوياً ومؤثراً في الوضع الداخلي اليمني، إبتداء من نسج صلات وعلاقات مع كبار مشائخ “وائلة” في محافظة صعدة وعلى الشريط الحدودي بين اليمن والسعودية، وخاصة مشائخ “آل شاجع” وكان الدافع آنذاك واضحاً وهو تأليب وحشد القبائل اليمنية الحدودية وتوجيهها للعمل ضد السعودية، ثم وسعت دائرة علاقاتها ودعمها ومساندتها لتشمل “قوى الحوثيين” الذين خاضوا حروباً طاحنة ستة في مواجهة الجيش اليمني خلال الأعوام من 2004-2010م، وذلك قبل أن تتضح معالم وملامح علاقتها التحالفية الاستراتيجية بعيدة المدى مع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، والتجمع اليمني للإصلاح الإطار السياسي الممثل لفرعه في اليمن.. ورغم أن الدور القطري في اليمن قد خفت صوته وخفف حضوره، على المستوى الإعلامي والخطاب السياسي العلني، على نحو لافت وخاصة بعد التوقيع على المبادرة الخليجية، والتي انسحبت منها مبكراً، والآلية التنفيذية في الرياض، الذي يرجعه بعض المراقبين لقيام أمريكا بعملية إعادة ترتيب الأوراق والأولويات السياسية في اليمن، إلا أن دولة قطر لا تزال لاعباً رئيسياً وقوياً في الشأن اليمني إستنادا وإعتمادا على تلك العلاقة التحالفية الاستراتيجية بالإخوان المسلمين.      جـ- إيران: الواقع أن الدوروالنفوذ الإيراني في الداخل اليمني، ينبغي أن ينظر إليه ضمن الإطار الواسع لدورها ونفوذها الإقليمي في العالم الإسلامي ومنطقة          الشرق الأوسط، وعلى ضوء الصراعات والتنافسات والتجاذبات الدولية والإقليمية عموماً، وقد بدأ الحضور والدورالإيراني في اليمن بعد الوحدة اليمنية عام 1990م تحديداً من خلال جماعات محدودة من الشباب الذين تبنوا التجربة الإيرانية بوجهيها السياسي والمذهبي معا، ثم شهد هذا الدورتوسعاً وقوة خلال الحرب الحوثية الثالثة تقريبا عام 2006م بإقامة صلات وعلاقات وروابط بالقوى الحوثية إلى جانب كل من ليبيا وقطر، وازداد توسعاً ونفوذاً مع الأيام، أثناء تفجر الثورة الشعبية السلمية في اليمن مطلع العام 2011م، بالتزامن والمواكبة لتوسع وامتداد تأثيرونفوذ الحوثيين في الكثير من ساحات الثورة في المدن اليمنية شمالا وجنوبا، مستفيدين ومستثمرين قصور وضعف فاعلية المعالجات والحلول التي تم وضعها للأوضاع المتفجرة في اليمن، ومجمل الأخطاء والتجاوزات الصادمة للمشاعرالوطنية للكثير من اليمنيين، وخاصة الثوار الشباب، وعلى رأسها التدخلات الدولية الغبية وشديدة الفجاجة والمعاداة للمطالب الشعبية.. ولست ساعياً، هنا، إلى التقليل من حجم النفوذ والتأثيرالإيراني والتهوين من أهميته، فهو دون شك دور يتنامى ويتوسع، يوماً بعد يوم، ويزداد ثقله، وإنما أريد القول إن ذلك الدوريرتبط ارتباطاً عضوياً بالصراع المتزايد والتوترات المتصاعدة التي تحكم علاقات إيران بكل من القوى الغربية بقيادة أمريكا من جهة، والسعودية وحلفائها من جهة أخرى، ويخضع في وتائرمده وجزره وصعوده وهبوطه بمدى استمرار ذلك التوترأو انتهائه.. وبعد أن استكملنا، على مدى حلقتين من هذا الحديث، معالم وقوى ومكونات الخارطة السياسية العامة الراهنة في اليمن وأهداف وحسابات ومصالح كل منها على حدة، بشقيها الوطني الداخلي والدولي والإقليمي الخارجي، يصبح بمقدورنا، الآن، أن نحاول الإجابة على الجزء الأخيرمن التساؤل الجوهري الكبير الذي وضعناه منذ بداية حديثنا، ذلك الجزء الذي يتساءل حول مدى قدرة الأخ الرئيس الجديد “الاستثنائي” عبدربه منصور هادي، على إيجاد وخلق الأدوات والمؤسسات وتعبئة وحشد القوى والفعاليات الوطنية المؤمنة بمشروع التغيير والتحديث والنهوض الوطني الشامل والقادرة والضامنة لحمايته وتطبيقه وتحييد كافة محاولات احتوائه والالتفاف عليه وإجهاضه؟؟ وأقول بأنني –شخصيا- على ثقة كاملة، بأن الرئيس عبدربه منصورهادي يملك الرؤية والمشروع الوطني لبناء اليمن الجديد أولاً، ولديه الإرادة والعزم اللازمين لتنفيذه وتطبيقه على أرض الواقع ثانياً، وثالثا وأخيراً فهو مؤهل وقادرعلى إيجاد وخلق الأجواء والظروف والوسائل والقوى والفعاليات الوطنية اللازمة لتحويل المشروع واقعاً عملياً ملموساً ومُتحققاً بالفعل، وذلك على ضوء ما استعرضناه من شخصية الرجل وماضيه وسجله الحافل. ولكننا نتمنى عليه أن يعي تمام الوعي ويدرك إدراكاً يقينياً، بأن القيادات العسكرية والأمنية من أبناء وأبناء أخ وأفراد أسرة وأقارب الرئيس اليمني السابق الممسكين والمسيطرين على قيادات غالبية القوى العسكرية والأمنية الضاربة لن يسمحوا له، على الإطلاق، باتخاذ اي إجراءات أو قرارات تغييرية تصحيحية دون أخذ رأيهم وموافقتهم المسبقة عليها، وما لم يتم إزاحتهم عن مواقعهم كخطوة أولى وشرط أولي ضروري لإعادة هيكلة وبناء الجيش والأمن على أسس وطنية وعلمية سليمة وحديثة، وما لم تتم هذه الخطوة بأسرع وقت ممكن، فإن الرئيس الجديد لن يصبح مُقيداً ومشلول الحركة فحسب، بل إن حياته ذاتها تصبح مهددة حقا. كما أن خارطة القوى القبلية التي أشرنا إليها آنفا بالتفصيل وتحالفها السياسي مع التجمع اليمني للإصلاح – الإخوان المسلمين – من جهة، وتحالفها العسكري بالقوى والوحدات العسكرية المسلحة التي أعلنت دعمها وتأييدها للثورة من جهة أخرى، تسعى إلى إشعاره، بمختلف الرسائل والإشارات المباشرة وغيرالمباشرة، بأنها هي وحدها صاحبة الفضل الأول لوصوله إلى سدة الحكم، وهي بالتالي وحدها القادرة على حمايته بل وضمان إعادة انتخابه مجدداً بعد انقضاء فترة رئاسته الانتقالية بعد عامين، بما تملكه من قوة حزبية تنظيمية وتأثيرشعبي واسع على مستوى الوطن كله، وقوة قبلية ضاربة وحاسمة، إضافة إلى قوى عسكرية مؤثرة وذات شأن، وأن عليه فقط أن يعتمد عليها ويثق بها ولا يمس مصالحها ونفوذها إذا هو أراد الاستمرار في الحُكم.. ولعل العودة المُتحدية الأخيرة للرئيس السابق، وتحركاته ونشاطاته، بنفس حجم موكب حمايته وحراسته السابقة، والتي كانت أقرب إلى إستعراض العضلات، إضافة إلى ما تحكيه بعض الروايات – إن صحت- بأنه قدم للرئيس الجديد رزمة من قرارات التعيينات والتنقلات العسكرية والمدنية لإصدارها بإعتبارها صادرة عن الحزب الحاكم “المؤتمر الشعبي العام” الذي هو رئيسه!! ولمٌا رفضها الرئيس الجديد، قيل إن الرئيس السابق تسلل إلى دار الرئاسة من الأنفاق والسراديب السرية والأبواب الخلفية وعقد اجتماعاً مع بعض الأشخاص، محاكاة لدور الجني “حبطرش” في مسلسل الأطفال الذي كنا نشاهده منذ زمن مضى والذي كان يظهرفجأة وبشكل عجيب من أماكن غيرمرئية! كل ذلك مع قيام قائد الحرس الجمهوري بإجراء تبديلات وتعيينات عسكرية وتحريك بعض كتائب الحرس للسيطرة على قواعد ومبنى القوات الجوية لحماية قائدها من ثورة جنوده وضباطه دون علم القائد الأعلى وإعلان وزير الدفاع عن عدم قدرته إصدارأمر بعودة تلك الكتائب إلى معسكرها! لعل هذه وغيرها تبرهن عمليا على مدى خطورة بقاء هؤلاء القادة في مواقعهم خاضعين للسلطة غير المعلنة للرئيس السابق، على أي تغييرات أو إصلاحات أو هيكلة أو حواروطني وما إلى ذلك من خطوات! وأخيراً فإن من واجب ومسئولية الرئيس الجديد أن يخاطب أمريكا ومن خلالها حلفاءها من القوى الغربية، بأن عليهم أن يختاروا بين دعم ومساندة شرعيته كرئيس للجمهورية وقائداً أعلى للقوات المسلحة والوقوف إلى صفه أو يختاروا الانحيازودعم وحماية الرئيس السابق وأفراد أسرته المسيطرين على الجيش والأمن، وعلى ضوء الموقف الذي سيختاروه فإن لكل حادث حديث.. وأعتقد أنه بما أن الرئيس عبدربه منصور هادي قد جرى اختياره أو انتخابه كرئيس توافقي من كل الأطراف السياسية الموقعة على المبادرة والآلية، فإن من الواجب عليه، دستوريا وقانونيا وأخلاقيا، أن يُسرع في إعلان استقالته من قيادة حزب “المؤتمر الشعبي العام” حتى إنتهاء فترة ولايته. وأخيراً، وعلى ضوء ما سبق ذكره آنفاً، ولكي يتمكن الرئيس عبدربه منصورهادي من وضع مشروعه الوطني التغييري التطويري النهضوي الشامل موضع التطبيق العملي واتخاذ كافة الخطوات والإجراءات والقرارات اللازمة نحو بناء الدولة اليمنية الديمقراطية اللامركزية الحديثة وإعادة صياغة اليمن الجديد يمن المستقبل الواعد، فإن الحكمة والمصلحة الوطنية العليا قد تفرض عليه الانتقال إلى العاصمة الاقتصادية عدن وممارسة مسئولياته، بصفة مؤقتة، من هناك، وفي حالة قيام تلك القيادات والقوى العسكرية أو القبلية أو الحزبية بعدم الإذعان والانصياع لتلك الخطوات والإجراءات والقرارات الصادرة عن القيادة الوطنية الشرعية، اُعتبرت، على الفور، متمردة على الشرعية وخارجة على القانون وإحالتها إلى المحاكم العسكرية أو المدنية المختصة بحسب القانون، على أن يكون انتقال الرئيس إلى مدينة عدن وممارسة سلطاته ومسئولياته منها، بعد استكمال كافة الترتيبات والإجراءات العسكرية والأمنية اللازمة والكفيلة بتأمينها وضمان الأمن والاستقرار فيها من كافة الجوانب وعلى كل المستويات، ومنها يوجه الرئيس نداء اً وطنياً إلى الشعب اليمني بكل قواه ومكوناته وشرائحه وإلى قوى الثورة الشعبية السملية وشبابها أصحاب المصلحة الحقيقية في التغييروالإصلاحات والتحديث وبناء اليمن الجديد للالتفاف حوله ومعه وإلى جانبه لصياغة وبناء المستقبل المشرق والمزدهر له ولأجياله القادمة من بعده. ومن هنا يدشن الرئيس الجديد “جمهورية اليمن الثانية” بالحرية والعدل والمساواة والحق.. فهل يفعل ذلك؟ نأمل ونتمنى.   عبدالله سلام الحكيمي شيفلد/ بريطانيا 14 مارس 2012م               

By Editor