الحكيمي:وجاء الرئيس الجديد.. فكيف تبدو معالم المستقبل؟! الأربعاء , 29 فبراير 2012 م صحيفة الوسط

في المقالة السابقة المنشورة على صفحات صحيفة “الوسط” اليمنية الغراء، استعرضنا أبرز معالم صورة الواقع الوطنية بإشكالياته وحراكه السياسي الاجتماعي العاصف، الواقع الذي يتهيأ ويترقب مجيء رئيس جديد، متفق عليه سلفا، ليقود مهام ومتطلبات مرحلة انتقالية حددت فترتها الزمنية بعامين اثنين.  وهذه المقالة المكملة لسابقتها، كما وعدنا بذلك، ستأتي وقد أصبح هناك، بالفعل رئيساً جديداً للجمهورية اليمنية، ولو بصفة انتقالية، هو الأخ/ عبدربه منصورهادي، الذي لا توجد عليه، أو بالأصح على شخصه، إعتراضات وعدم رضا ذي أهمية وشأن يُعتد به، وبناء على هذه الحقيقة كنا نتمنى من كل قلوبنا ومن منطلق حبنا وحرصنا عليه أن يأتي قدومه لسدة الحكم كرئيس انتقالي لليمن، بأسلوب وآلية أفضل وبأسس ومسوغات أدق واسلم تكون أكرم له وأشرف وأصوب بما يتفق مع شخصه وتاريخه ودوره التاريخي بالغ الأهمية والحساسية والخطورة الذي ألقي على عاتقه، ولست متيقناً ولا أستطيع الجزم أن الأسلوب والآلية والمسوغات التي تم الاستناد عليها واعتمادها للإتيان بالرئيس عبدربه منصورهادي للحُكم، بُنيت على مسئولية تعمدت، عن وعي وتخطيط مسبق، لترك ثغرة واضحة وثُلمة بائنة في سياق شرعيته كرئيس انتقالي يجري استغلالها والاستنادعليها في قادم الأيام لتنفيذ (سيناريو) ما يجري إعداده والتهيئة له في الخفاء! لا أدري.. وسواء أصدق هذا التصورأم لم يصدق، فإن الأمرالأهم والمؤكد أن الأخ/ عبدربه منصور هادي، أصبح فعلا وواقعاً عملياً ملموساً، أول رئيس حاكم لليمن يأتي من خارج المنطقة “الجيوبوليتيكية” أي المنطقة (الجغرافية – السياسية) التي ظلت تحتكر وتسيطرعلى الحكم في اليمن، سياسياً وتقليدياً، على مدى زمني يمتد لأكثرمن ثلاثة قرون متواصلة تقريباً، ومجيئه التاريخي الاستثنائي هذا يتحقق في ظل مرحلة بالغة الخطورة والحساسية في كل تاريخ اليمن الحديث والمعاصر.. ومما لا شك فيه بأن هذا التحول التاريخي الانعطافي الاستثنائي ما كان ليحدث لولا تفجر الثورة الشعبية الملايينية العارمة والسلمية والتي لا تزال تتواصل رغم مضي عام ونيف على انطلاقتها. صحيح أن حدوثه لم يكن مستبعداً بل كان متوقعاً حتماً، من واقع دراسة وتحليل الواقع اليمني، سياسياً واجتماعياً وتاريخياً، ولكن ليس في المرحلة الراهنة بل في مرحلة قادمة ليست طويلة ولا قصيرة بل وسط بينهما، وقد لعبت تلك الثورة الشعبية التي تعد الأنضج والأعظم في تاريخنا الوطني، دور المفاعل المُحفزوالمُسرع لحدوث ذلك المنعطف التاريخي الوطني الحاسم.  وبدون تكرار ما سبق أن أوردناه في المقالة السابقة وتأكيداً وتثبيتاً له، فإن أبرز وأخطر وضع يواجهه الرئيس الجديد ومرحلة رئاستة الانتقالية المحددة بعامين قادمين، يتمثل اليوم بأن الملايين العديدة من جماهير وشباب الثورة الشعبية والمواطنين يتساءلون، بكل المرارة والاستياء وخيبة الأمل، ما الذي تم إنجازه أو تحقيقه، بعد عام ونيف على ثورتهم الهادرة وعشرات الآلاف من شهداء ومصابي ومعاقي الثورة والتضحيات والمعاناة الجسيمة والهائلة التي قدموها، ولا يزالون، في سبيل انتصار ثورتهم السلمية الهادرة وتحقيق أهدافها المشروعة والعادلة؟ إن الإجابة على هذا التساؤل الكبير تعتبر صادمة ومُحبطة إلى أبعد الحدود.  ففيما عدا تنحي علي عبدالله صالح عن منصب رئاسة الجمهورية، بعد سلسلة متتالية من الإرضاءات والاستجابة لشروطه وتلبية مطالبه والالتزام بإحاطته وإحاطة تنحيه بكل مراسم ومظاهر التكريم والإجلال والاحترام، وضمان تحقيق شرطه بمواصلة دوره ونشاطه السياسي باعتباره رئيسا للحزب الحاكم “المؤتمر الشعبي العام”! نقول إنه فيما عدا تحقيق هذا الهدف الجزئي المحدود مقابل كل تلك التنازلات الهائلة غير المعقولة، فإن شيئا آخر لم يتحقق ولا مطلباً من مطالب الثورة، ولو في حدودها الأدنى، تمت الاستجابة له وتنفيذه.  * فلا أبناء علي عبدالله صالح وأبناء أخيه وأفراد أسرته وأقاربه وأنسابه وأصهاره الممسكين بقيادة وحدات الجيش الضاربة والقوى والأجهزة الأمنية المتعددة والمؤسسات المالية والاقتصادية الهامة والحساسة، جرى إزاحتهم عن مناصبهم ومواقعهم التي وُلوا عليها بخلاف القانون والكفاءات والمؤهلات، في حين أنهم يمثلون الأداة الفعالة والحاسمة لحماية السلطة العائلية الحاكمة وفرض استمرار سيطرتها وهيمنتها على الدولة والبلاد!.  * ولم تتم إزاحة ولا مسئول واحد من كبار مسئولي الدولة في مختلف مؤسساتها، من الذين اعتمدت عليهم السلطة الحاكمة في فرض سيطرتها وتسهيل نهب أموال الدولة ومقدراتها وممارسة الفساد المالي والإداري على أوسع نطاق وأعمق مدى طوال فترة حكم تلك السلطة الفاسدة.  لم يحدث أي تغيير أو إصلاح من أي نوع على الإطلاق، بل على العكس من ذلك، ظل جميع من ذُكروا آنفاً في مواقعهم ومناصبهم مُعززين ومُحاطين بالحمايات والحصانات “القانونية” المطلقة من كل ملاحقة أو مساءلة قانونية أو جنائية بالمطلق!! هذا بالرغم من أنه وبموجب المحاضرالموثقة للحوارات والتفاهمات الممهدة لصياغة (المبادرة الخليجية) أولا ومن ثم (الآلية التنفيذية المزمنة) لها توضح أن منح تلك الحمايات والحصانات إنما تمنح لكل من يتنحى عن السلطة طواعية، وليس للباقين فيها أو حولها وبالقرب منها!. وبكل المرارة والغضب الذي يغلي في العروق والنفوس يصرخ الملايين من الثوار والمواطنين بأعلى الأصوات، أين الثورة؟ أين أهدافها؟ أين تضحياتها وشهداؤها وجرحاها؟ وبأعلى مستويات الوعي والإدراك السياسيين، يقفون حيارى يسأل بعضهم بعضاً عندما يواصل علي عبدالله صالح دوره السياسي رئيساً للحزب الحاكم مُحاطاً ومعززاً ومدعماً بالقوى العسكرية الضاربة في الجيش والقوى والأجهزة الأمنية المؤثرة والقوى المالية والاقتصادية الحساسة التي تخضع كلها لقيادة وسيطرة أفراد عائلته وأقاربه وكذا مؤسسات وأجهزة الدولة المدنية الخاضعة لسيطرة مسئولين محسوبين على سلطته وحزبه، فماذا بمقدورالرئيس الجديد عبدربه منصور هادي أن يفعل؟ وكيف يستطيع إجراء التغييروالإصلاحات المُلحة خاصة في اتجاه محاربة الفساد وإقامة الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة المنشودة، وهو هنا ورغم كونه رئيساً للجمهورية، لكنه على الضفة الأخرى النائب الأول لرئيس الحزب الحاكم وأمينه العام؟! وبيد من منهما ستكون السلطة؟؟، ومن هو صاحب القراريا ترى؟ ومما يزيد الطين بلة والوضع المعقد تعقيداً وتفجراً أن الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال تحركات وتصريحات وضغوط سفيرها في اليمن، تمارس وتتصرف للأسف الشديد باعتبارها صاحبة “سلطة الوصاية” العليا على اليمن، وتعمل جاهدة وبمختلف السبل والوسائل المباشرة والملتوية على ضمان استمرارسلطة أفراد عائلة علي عبدالله صالح وسيطرتهم على قيادة القوى الضاربة والحاسمة في الجيش والأمن ، وصيانة الثروات المالية الطائلة التي كونوها بالنهب والفساد، لأطول فترة زمنية تكون ملائمة للدفع بأحدهم إلى قمة السلطة والحُكم، وبالانتخابات الديمقراطية بالطبع!!  فاليوم في مقابلة صحفية مع السفيرالأمريكي نشرت في موقع “مأرب برس” بعد الضجة الواسعة وردود الأفعال الغاضبة التي أثارتها نسخة أولية لأهم ما ورد فيها ، مما استدعى الاعتذارعن سوء الترجمة ونشر ترجمة أخرى ألطف حديثاً وأكيس مضموناً، يقول مثلا في معرض رده على سؤال عن إعادة هيكلة الجيش والأمن وإزاحة أقارب الرئيبس عن قيادة أقوى وحدات الجيش والأمن يقول: (أعتقد أن إنجاز العملية سوف يأخذ سنوات، لأنها في الحقيقة معقدة إلى حد بعيد) ويبدو أنه تنبه من أن يُؤوَل كلامه هذا تأويلا بأنه يستميت من أجل ضمان بقاء واستمرارأفراد أسرة علي عبدالله صالح في السيطرة على الجيش والأمن لسنوات طويلة! حيث يرى أن إزاحة عدد لا يتجاوز أصابع اليدين من عائلة علي عبدالله صالح من قيادات الوحدات العسكرية والأمنية الضاربة مسألة “معقدة إلى حد بعيد” فراح يخوض بإسهاب حول مسألة تتعلق بالمُجمل حول هدف استراتيجي يتصل بعملية “تطوير وتحديث وتجهيز” الجيش والأمن عموماً كقوله (أن يكون لدينا فهم واضح حول ماهية الأهداف الأمنية، وماهية التحديات التي تواجه الأجهزة اليمنية العسكرية والأمنية، وكيف يمكنكم بناء مؤسسة، وما هي متطلباتكم الخاصة بالقوى العاملة، وما هي متطلباتكم الخاصة بالتجهيزات وكيف يمكنكم القيام بكل ذلك؟؟) ويستطرد قائلا: (بالإضافة إلى ذلك، وفي نفس الوقت، فإن تحديث البنية الأساسية للجيش، أقصد كيف يمكنكم تحديث نظام شئون الأفراد، وكيف يمكنكم تحديث نظام الرواتب..الخ) ولست أدري ما هي العلاقة الرابطة بين هذه الأهداف التي تمثل عادة استراتيجية شاملة وطويلة المدى لتحديث وتطوير وتجهيزوتسليح الجيش أي جيش، وبين مسألة إزاحة عدد محدود جداً من الذين تم فرضهم قادة لوحدات الجيش والأمن لاعتبارات عائلية وبخلاف الدستوروالقانون، وهي عملية بالغة السهولة واليُسر؟! وهل لا يتم تطويروتحديث وتجهيزالجيش والأمن إلا باستمرارأولئك العدد المحدود للغاية من القادة “العائلة” غير المؤهلين وغير المستوفين لشروط ومتطلبات التعيين في مثل تلك المواقع القيادية؟ شيء عجيب غريب حقاً. ومن حق الناس أن يتساءلوا سلطة وقرارمن الذي سيسود، الرئيس الجديد، أم سفراء دول “الوصاية” الجدد؟  ودعونا نتوقف عند هذا الحد، لننتقل بالحديث إلى القضية الاستراتيجية الأبرز والأهم التي تتمثل برؤية شباب الثورة الشعبية السلمية وغالبية المواطنين من مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية، لمعالم وصورة البديل الإيجابي المنشود للواقع اليمني سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، دولة ومجتمعاً، وذلك لأن حاضر ومستقبل اليمن وكيانه الوطني برمته مرهون ومرتبط بمدى النجاح أو الفشل في وضع ذلك البديل موضع التطبيق العملي على أرض الواقع.  إن اليمن يعيش، بفعل تراكمات وتأثيرات عقود طويلة من الزمن، أزمة وطنية عميقة ومستفحلة تظهرتجلياتها وإفرازاتها وتفجراتها هنا وهناك وبين فترة وأخرى متخذة أشكالا ومسميات ولافتات وشعارات مختلفة ومتعددة ومتباينة، لكنها في مُجملها، تبرهن وتؤكد على عمق وخطورة تلك الأزمة الوطنية الجوهرية، لقد آن الأوان لليمنيين جميعاً بكافة قواهم وأحزابهم ومنظماتهم السياسية ومكوناتهم الاجتماعية، أن يقفوا، بكل شجاعة ومسئولية، ليعترفوا بالحقيقة الساطعة التي تؤكد فشل وسقوط الصيغة السياسية الوطنية وكامل منظوماتها القانونية والقيمية والأخلاقية، فشلا وسقوطاً تاريخياً لم يَعُد مفيداً ولا مُجدياً ولا ممكناً معالجتها بالترقيع أوالتلفيق أو بالمسكنات الوقتية على الإطلاق، بل بات لزاماً علينا الشروع الفوري في عملية تجاوزها تجاوزاً تاريخياً عبرصياغة وثيقة أوميثاق وطني تأسيسي جديد أو بعبارة أخرى صياغة عقد اجتماعي سياسي وطني جديد تماماً يرسم أمام مسيرتنا الوطنية خارطة طريق لبناء دولتنا ونظامنا السياسي الإيجابي الجديد وصياغة مجتمعنا الجديد على نحو شامل وجذري وإيجابي.  هذا هو، في الحقيقة، التحدي الوطني الاستراتيجي المصيري الذي يواجه الرئيس عبدربه منصور والمرحلة الانتقالية الموكل له قيادتها وإدارتها.  إن ما شهدته بلادنا من أزمات وتفجرات سياسية واجتماعية على امتداد الخمسين عاما الأخيرة، تؤكد بأن الصيغة والمنظومة الوطنية القديمة وصلت إلى طريق مسدود، وبات استمرارها وبقاؤها يشكل عقبة ومعوقاً أمام مسيرة التقدم والتطوروالرقي الحضاري العام، فالمشكلة الجنوبية مثلا ليست كما يطرح سعادة السفيرالأمريكي في مقابلته المشار إليها آنفا مسألة “مظالم”، وكذا مشكلة ما يُعرف بقضية الحوثيين من قبلها، إضافة إلى قضية “الوسط الجغرافي الحديدة – إب – تعز والتي تتضمن ما يعرف بالقضية “التهامية” وأيضا مشكلة “المشرق” الجغرافي بتكويناته القبلية ذات الخصوصية الاجتماعية، والثورة الشعبية السلمية العارمة المتوجة لمجمل القضايا والمشاكل السياسية والاجتماعية التي تعتمل في الواقع الوطني، كل ذلك، وغيره، ليس إلا مظاهروتجليات الأزمة الوطنية المتفجرة أساساً.. قالوا لنا إن كل ذلك سيكون محل دراسة وبحث وحوار وطني شامل من خلال “مؤتمر الحوار الوطني” الذي ستمثل فيه كل القوى والأطراف والمكونات السياسية والاجتماعية اليمنية “بدون استثناء” والذي سيلتئم ويبدأ أعماله عقب مجيء الرئيس الجديد وخلال الفترة الانتقالية التي تبدأ فور تعيينه. ونقول أجل، ربما يكون “مؤتمر حوار وطني” صيغة ملائمة للخروج بصيغة “ميثاق وطني” أو “وثيقة عقد اجتماعي سياسي وطني” جديد، يصاغ على ضوئه واستناداً إلى أحكامه “دستور” جديد تُبنى على أساسه “الدولة الوطنية” الجديدة المنشودة والمجتمع الجديد وطبيعة الحياة الجديدة التي يتطلع إلى إقامتها شعبنا اليمني وقواه الحية والفاعلة والمؤثرة، غير أنه، ومن أجل ضمان النجاح المرجولهكذا مؤتمر حوار وطني، فإن هناك عدة متطلبات ومعاييروضوابط صارمة ينبغي مراعاتها وأخذها في الاعتبار وضمان تنفيذها ابتداء وأهمها:  أولا: ينبغي أن يدرك الجميع، وخاصة أولئك الذين ستوكل لهم مهمة إختيار المشاركين في أعمال مؤتمر الحوارهذا، إن هذا المؤتمرسيشكل “حدثا تاريخيا” مُهماً وعليه يتوقف مستقبلنا ومصيرنا ككيان ووطن، وعليهم الارتفاع إلى مستوى المسئولية الوطنية الكبرى، وأن لا يكرروا الأساليب والممارسات العقيمة والعبثية التي اعتدنا على انتهاجها، غالبا، في تقرير تشكيلات ومكونات صيغ وأطرسياسية شبيهة أو مقاربة مثل “اللجنة التحضيرية لمؤتمرالحوار الوطني” و”المجلس الوطني لقوى الثورة” اللذان أنشئا على نحو “هزلي” “مزاجي” “ارتجالي” “عبثي” صُوري، يجب أن نضع شروطاً دقيقة ومعايير صارمة وضوابط حقيقية مُلزمة في آلية وأسلوب إختيارالممثلين والمشاركين والأعضاء على أسس موضوعية متجردة أمينة وشفافة بعيداً عن الأهواء والمصالح الشخصية أو الحزبية أو العصبوية ..الخ.  ثانيا: يجب ان تدور فعاليات وأعمال المؤتمر حول هدف رئيسي أكبر وهوالاتفاق وصياغة “الميثاق الوطني” أو “العقد الاجتماعي السياسي الوطني” الجديد كمرجع أساسي لمشروع الدستور الجديد وطبيعة دولتنا الوطنية الديمقراطية اللامركزية الحديثة، دولة المشاركة الوطنية الحقيقية وسيادة القانون والمواطنة المتساوية والحرية والكرامة والعيش اللائق للفرد والمجتمع..الخ، دون رسم خطوط حمراء او “تابوهات” أو مُحرمات أمام النقاش الحُر والمفتوح دون حدود.  ثالثا: وبعد ذلك، وليس قبله، وبعد أن تتضح معالم وأسس ومضامين المشروع الوطني البديل والدولة والمجتمع الجديد الذي سيكون هدفاً لمسيرة العمل الوطني لمرحلة ما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، كما يتضح إطاره العام في الفقرة “ثانيا” يفتح النقاش والحوارالمفتوح والحروالشفاف لكل المشاكل والأزمات الوطنية التي عصفت وتعصف بوطننا وشعبنا منذ سنوات طويلة، وفي المقدمة منها وعلى رأسها “القضية الجنوبية” التي يجب علينا أن ننظر إليها ونعتبرها قضية وطنية تكتسب أهمية استراتيجية خاصة من حيث إنهاء تحدد مستقبل ومصيروطننا وكياننا السياسي الوطني إيجاباً أو سلباً، وعلينا أن ندرسها ونناقشها برؤية مختلفة غيرتقليدية، وإن إخفاقنا في الاتفاق على معالجتها معالجة جذرية ونهائية وشاملة وإبقاءها مُعلقة أو مُرحلة ومُرجأة سيجعل منها سبباً رئيسياً لنزيف وطني إنساني ومادي مستمرومتصاعد على نحو يعمق الشروخ ويوسع الجراح ويزرع الأحقاد والكراهية على امتداد أجيال قادمة، ومن وجهة نظري وفي حالة عدم خروج مؤتمر الحوار الوطني بتوافق واتفاق وطني إجماعي حول صيغة وطبيعة البديل الحضاري الإيجابي المحدد في “الميثاق الوطني” أو “العقد الاجتماعي الوطني” الجديد، فإن المعالجة المُثلى والحل الإيجابي الوحيد للقضية الجنوبية، وفي ظل إدعاء كل جماعة أو فريق من الجماعات والفرقاء الجنوبيين الكُثر بأنه وحده من يمثل شعب الجنوب دون سواه، هو العودة الفورية إلى صاحب الحق والشرعية شعب الجنوب، كما كان عليه قبل 22 مايو 1990م، لاستطلاع رأيه ومعرفة قراره واستفتائه للاختيار بين الدولة الوطنية الديمقراطية الفيدرالية الحديثة المحدد معالمها ومضامينها في مشروع الميثاق الوطني أو العقد الاجتماعي الذي سبق صياغته من قبل مؤتمر الحوار الوطني أو الانفصال، إستفتاء ترعاه وتنظمه وتشرف عليه بالكامل الأمم المتحدة والجامعة العربية، درءاً لشبهات وشكوك التلاعب والتزوير، وعلينا جميعا أن نحترم خيار شعب الجنوب كيفما يكون، إن هذا الحال الذي اقترحه آملا أن يكون محل تقديرالجميع، هدفه إخراس وقطع ألسنة كل من يدعي لنفسه صفة الممثل الشرعي الوحيد لشعب الجنوب في حالة اختياره للوحدة الفيدرالية، وفي حالة اختياره للانفصال، نكون قد احترمنا قراره وإرادته الحرة ولبينا رغبته، فالوحدة السياسية لأي دولة اتحدت من دمج دولتين لا يمكن بأي حال من الأحوال فرضها بالقوة والإكراه.. ولا أرى أية معالجة أو حل أفضل وأسلم وأمثل من هذا الحل، وذلك حتى لا نضطر، ذات يوم، إلى القبول به على بحارمن الدماء وجبال من الجماجم وكم هائل من الأحقاد والكراهية والعداء المدمر..  أما قضية الحوثيين فإن معالجتها وحلها أيسر وأسهل لأنها لم تطرح خيارالانسلاخ من الكيان الوطني، بل تطالب بحقوق ومساواة في التعامل بين كافة مكونات المجتمع، ولهذا فإن الحل فيها يتمثل بإعطائها وضعاً ومزاياً ومكاسب مماثل ومساوٍ لوضع ومزايا ومكاسب حققتها وحصلت عليها من الدولة مذاهب وطوائف أخرى في المجتمع، وذلك مطلب مشروع وحق طبيعي لهم، إضافة إلى إعادة إعمارما دمرته الحروب والتعويض عن أضرارها، وأعتقد أن ذلك كفيل بحل وإنهاء هذه المشكلة، ولا شك أن الدولة الوطنية الجديدة تكفل المساواة في المواطنة والحقوق والواجبات وإقامة موازين الحق والعدل وسيادة القانون دون تمييز بل وتحقيق مشاركة الجميع مشاركة فعالة في حكم أنفسهم وإدارة شئون بلدهم ومجتمعهم بلا مركزية مطلقة وتسلط وقهر.  تلك إذن بعض أبرز التحديات والمخاطر التي تواجه الرئيس الجديد والمرحلة الانتقالية التي يقودها وتواجه من ثم وطننا وشعبنا كله وتصورات حلول مقترحة.  على أني أود أن أختم هذه المقالة بالتأكيد القاطع أن شيئا من الإصلاحات والتغيير وتحقيق أهداف الثورة ومطالب الشعب يستحيل تصور إمكانية تحققه ما لم تتم أولا وقبل كل شيء عملية إزاحة أفراد أسرة علي عبدالله صالح من قيادة القوات الضاربة للجيش والأمن، ومن ثم إزاحة كل الفاسدين وإجبارهم على إعادة ما نهبوه من الأموال العامة بطرق غير مشروعة.  وفي حالة عدم تحقيق مثل هذه الأهداف والمطالب وبقاء الحال على ما كان عليه قبل الثورة الشعبية السلمية الهادرة، ماذا يمكن أن يحدث؟  ذلك ما سنتناوله في المقالة القادمة إذا أراد الله تعالى. *بريطانيا شيفلد 25 فبراير 2012م         

By Editor