لقد كان لزاماً علي، من الناحية الاخلاقية، ان اعبر عن وجهة نظري الشخصية ازاء الاحداث الدموية المأساوية الدائرة رحاها الطاحنة منذ ايام عديدة ماضية في محافظة صعدة، واقول كلمة صدق، او هكذا اعتبرها من وجهة نظري، حولها، وان رآها الاخرون غير صادقة من وجهة نظرهم. والصمت هنا تخلٍّ فاضح عن واجب النصح والنصيحة واقرار الحق والحقيقة، والدعوة الى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ما يعبر عنه بلغة العصر ومصطلحاته بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، وهو واجب لا يمكن ان تستقيم شؤون وعلاقات واوضاع اي جماعة او مجتمع انساني، صغيراً كان أم كبيراً، إلا به ومن خلاله. ولعل ما دفعني إلى قطع حالة الصمت والتعبير عن وجهة نظري عدة اسباب اهمها وابرزها. اولاً: لأن علاقة صداقة شخصية نشأت بيني وبين الاستاذ/ حسين بدرالدين الحوثي المثقف والمفكر الشاب منذ سنوات طويلة، وتحديداً منذ ما بعد قيام دولة الوحدة اليمنية في مايو 1990م بقليل، وهي علاقة صداقة توجت قبل حوالى عام ونصف عام بعلاقة شراكة ثقافية فكرية مشتركة، من خلال مركز التنوير الثقافي الذي اسسناه معاً وبمشاركة نخبة من المثقفين والكتاب والمفكرين، بهدف الاسهام المبرمج في الدعوة الى تجديد الفهم والخطاب الديني الاسلامي، وإبراز قيمه وتعاليمه الاصيلة في حرية الانسان وكرامته وحقوقه المقدسة، ودعوته المتسامحة السلمية بعيداً عن العنف والإكراه والترويع والقتل وسفك الدماء، وتنقية الخطاب الاسلامي من كل القيم والممارسات والأفكار الداخلية والمناقضة لجوهر الاسلام وتعاليمه السامية الهادفة الى خير الانسان وسعادته وأمنه وتعاونه وحرياته. ثانياً: ان اجهزة الإعلام الرسمية، وغير الرسمية المرتبطة بها، وسائر وسائل الإعلام العربية والعالمية الناقلة عنها، ظلت منذ اليوم الاول، تطلق سيلاً من التهم والادانات والجرائم ضد الاستاذ/ حسين الحوثي، يزداد حجمها ونوعيتها وطبيعتها يوماً بعد يوم تدفقاً وتوسعاً، بحسب مقتضيات الحال وردود افعال الرأي العام، الى حد باتت فيه باعثة على الرثاء والشفقة من حالة التناقض والتنافر الحاد ووفقاً لهذه الصورة الأحادية الجانب فقد أصبح صاحبنا وصديقنا الأديب المثقف والمفكر حسين بدرالدين الحوثي واقعاً وسط موقف عدائي قهري بالغ الظلم والتحيز وداخل محنة شديدة الشراسة والقسوة تعصف بكيانه ومشاعره وإنسانيته على نحو قل نظيره وعلى نحو يناقض بل وينسف الصورة التي عرفنا بها المتهم، عن قرب ومعايشة عملية، على امتداد السنوات الطويلة الماضية، نسفاً كلياً وتاماً. ثالثاً: ثم لأننا، اخيراً، لم نسمع منذ اللحظة الاولى لتفجر الاحداث الدموية الرهيبة في صعدة وحتى كتابة هذه الأسطر سوى وجهة نظر ورؤية طرف واحد فقط من اطراف الأزمة، وهو الطرف الرسمي الحكومي، في حين لم نسمع كلمة واحدة، أو حتى مجرد توضيح كامل لوجهة نظر ورؤية الطرف الآخر المعني بالأزمة، في ظل حالة من الحظر والتعتيم الإعلامي التام والمحكم، مفروضة على هذا الطرف، مما يدل على ظلم فادح وحجب مريع للحقائق والمعلومات المستقاة من كافة الأطراف وذوي العلاقة بالأجواء والملابسات التي مهدت وهيأت لتفجير الأحداث الدامية وطبيعة مسارها ونتائجها المؤلمة. لهذه الأسباب الرئيسية الثلاثة، ولغيرها من الأسباب المرتبطة بها، والمتفرعة عنها، رأينا بأن الواجب والمسؤولية الوطنية والاخلاقية تحتم علينا الشروع في التعبير عن وجهة نظرنا ورؤيتنا، ازاء ما يحدث، انطلاقاً واستناداً الى ما تناقلته وبثته وسائل الاعلام الرسمية، وغير الرسمية المرتبطة بها، وهو يمثل، كما قلنا، وجهة نظر ورؤية ورواية احد طرفي الأزمة، اضافة الى معالم وحقائق الصورة التي تكونت لدينا عبر سنوات طويلة وعرفنا الاستاذ/ حسين بدرالدين الحوثي بها، ومن خلالها، من النواحي الشخصية والثقافية والفكرية. ولعله من المفيد، لتوضيح مقصد وهدف المقال، ان نورد، بداية وقبل كل شيء، القائمة الطويلة من التهم التي وردت بحق المتهم، وهي مستخلصة ومستقاة من بعض الصحف الرسمية والحزبية والاهلية، وخاصة صحيفتي «التجمع» الصادرة بتاريخ 28 يونيو 2004م و«الشموع» الصادرة بتاريخ 26 يونيو 2004م، وهي في مجملها مستقاة من وسائل الإعلام الرسمية، علماً ان القائمة ليست نهائية، فكل يوم يتم تعديلها وتحسينها واضافة تهم أخرى اليها فماذا تقول: تقول، فيما تقول، ان الحوثي: 1- ادعى الإمامه ونصب نفسه أميراً على المؤمنين، وانه صاحب حق إلهي. 2- قام بتشكيل ميليشيات مسلحة، وشكل تنظيماً سرياً مخالفاً للقانون. 3- تلقى الدعم من جهات خارجية تهدف الى زعزعة الامن والاستقرار الذي تنعم به اليمن. 4- تحالف مع اليهود، او دعم من قبل اليهود الذين يقاتلون معه. 5- شق الصف الوطني والاساءة للوحدة اليمنية، وكان ومعه جماعته شركاء في اثارة الحرب والإنفصال، وكان لهم دوماً موقف عدائي من الثورة والجمهورية. 6- الاعتداء على افراد الامن والقوات المسلحة والمؤسسات الحكومية ومنع الموظفين من اداء واجباتهم. 7- تحريض المواطنين على عدم دفع الزكاة الواجبة للسلطة المحلية. 8- الاعتداء على المساجد واقتحامها بقوة السلاح والاعتداء على خطباء المساجد وائمتها والمصلين في المساجد. 9- اثارة الفتنة المذهبية والطائفية والعنصرية والترويج لأفكار مضللة وهدامة. 10- الدفع بالشباب المغرر بهم الى دخول المساجد اثناء صلاة الجمعة لترديد شعارات تتنافى مع رسالة المسجد، ودوره في الوعظ والارشاد. 11- انزال علم الجمهورية ورفع علم حزب يعمل في دولة خارجية (حزب الله). 12- قيام اتباعه بقطع الطريق والاعتداء على النقاط الأمنية والعسكرية. 13- قيام اتباعه -اليهود خصوصاً- بتخريب مشاريع مياه الشرب وقطعها على المواطنين والقوات المسلحة. وكانت بعض البيانات ووسائل الاعلام الرسمية قد سبق إن فصَّلت واوضحت بعض ما اجمل من التهم السابقة فقالت انه واتباعه يهتفون بأدعية الى الله سبحانه ضد أميركا واسرائيل وانه يقول بمبدأ «الإمامه» والمقصود به «رأس الدولة» ويحصره على شخص من «آل البيت» اي ان يكون «علوياً فاطمياً» كما انه ادعى لنفسه «النبوة»! على نحو ما صرح به بعض قادة الجيش والأمن الذين سمح لهم بالإدلاء بتصريحات إعلامية لبعض وسائل الإعلام العربية، وقد تم اختيارهم بدقة وعناية فائقتين لهذا الغرض من حيث الإنتماء المناطقي والمذهبي والطائفي!! غير ان صحيفة «الشموع» وهي صحيفة مصادرها موثوقة ومقربة من دوائر صنع القرار في البلاد، ومعلوماتها دقيقة في الغالب، لها رؤية مخالفة تماماً لسيل الإتهامات المشار اليها، ففي عددها آنف الذكر، تؤكد قائلة: «واذا ما اخذنا التغطية الاعلامية، محلياً وعربياً ودولياً، والكيفية التي تناولت فيها اخبار الحادث، سنجد انفسنا، امام مفارقات لا تخلو من الإيحاء بوجود اسباب وعوامل مخيفة تتجاوز كل ما هو معلن عن الحادث في «صحف المعارضة» وفي الإعلام الرسمي الذي تفرض عليه صياغة اخبارية بما لا يضر بالمصلحة الوطنية واستقرار البلد وامنه». وتضيف في تأكيدها بالقول: «لا نعتقد ان هناك من قد تنطلي عليه الخديعة ويقتنع ان ما يحدث هو بسبب شعارات معادية لأمريكا والصهاينة أو لأن «الحوثي» وجماعته رفعوا اعلام «حزب الله» كما انه، برأي الصحيفة، ليس كما تحاول المعارضة وصحفها، اظهارها في سياق الحملة الإعلامية وكأنها حصيلة رغبة السلطة في الإنتقام من خصومها على خلفية تناولهم لقضية التوريث، ويقصد به توريث الحكم، هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى اظهار رد فعل السلطة وكأنه حصيلة زيارة الرئيس لأمريكا وعودته راغباً في تصفية خصومها في اليمن». وتتلخص رؤية صحيفة «الشموع» ازاء احداث صعدة، كما ورد في مقالها الافتتاحي الرئيسي المعنون «احداث صعدة تنفيساً للداخل السعودي»، وكتبه محررها السياسي، في ان تلك الاحداث ما هي إلا جزء او حلقة من حلقات مخطط عالمي واقليمي تقوده الولايات المتحدة ومعها أطراف اقليمية لإعادة رسم خارطة المنطقة بشكل جديد. وتستدل الصحيفة على ذلك بالقول: «ان التوقيت بحد ذاته للحادث له اكثر من دلالة منها انه تزامن مع تصاعد وتيرة الأحداث في السعودية، وبداية تحركات مشابهة في كل من البحرين والكويت، وان بِصوَر مختلفة.. ثم ان الحادث جاء بعد عودة الرئيس من أمريكا ومشاركته في قمة الثمانية الكبار.. وهذا يعني ان أمريكا تأخذ بيسارها ما تقدمه بيمينها.. ثم ان الحادث تزامن مع تنامي حدة المقاومة العراقية وتصاعد عملياتها العسكرية ضد قوات الاحتلال. وهذا وفق المخطط الأمريكي فعل له اكثر من بعد في المدى الاستراتيجي ذي الصلة بإعادة ترتيب خارطة الوطن العربي وفق اطياف محددة ترى واشنطن انها الأكثر مناسبة لخدمة مشروعها واهدافها في المرحلة الجديدة. لذلك فإن ما حدث ويحدث في صعدة لا يخرج عن هذا النطاق، خاصة انه تفجر بعد حدة الخطاب الإعلامي الذي تبنته بعض صحف المعارضة وفي مقدمتها «الشورى» عن قضية التوريث ليبدو الأمر وكأن «قضية التوريث» التي اثارتها الشورى ليست سوى تغطية لما سوف يحدث في صعدة لاحقاً..». وتمضي الصحيفة قدماً في مزيد من ايضاح نظرتها او رؤيتها فتؤكد على: «فشل الأمريكيون في تحويل اليمن الى مستنقع لتنظيم القاعدة، وكان ذلك املهم وفق مخططهم الإستراتيجي، اذ كانوا يرون ان احتلالهم لأفغانستان وبسط سيطرتهم على دول الخليج لوجيستياً -من خلال الأجهزة الأمنية- فعل قد يمكنهم من تضييق الخناق على عناصر تنظيم القاعدة والحركات او الجيوب الراديكالية المتعاطفة مع هذا التنظيم بصورة قد تؤدي بهم الى اليمن حيث الجبال الوعرة والقبيلة المرتبطة بالعقيدة الإسلامية وبمنظومة من التقاليد التي تدفعها لاستقبال أعضاء القاعدة أو مناصريهم واعلان حمايتها لهم، وهذا من شأنه ان يبعد المخاطر عن منابع النفط في الخليج وكذلك يخلق اوضاعاً جديدة في اليمن تجعل حضرموت -حيث النفط- تحت الوصاية الأمريكية، وكذلك عدن كمحطة أو ميناء دعم لوجيستي لأساطيلها وقواتها العاملة في نطاق البحر الأحمر من باب المندب حتى خليجي السويس والعقبة». لكن الصحيفة فيما يبدو ارادت ان تخفف من الخوف والهلع وتبعث الطمأنينة لدى القراء بالقول: «غير ان الأحداث الميدانية خذلت مخططي البنتاجون في افغانستان والعراق والسعودية، اذ ان تنامي المقاومة الرافضة للوجود الأمريكي في هذه الساحات ادى الى ما يشبه خطة انقاذ ابتكرتها واشنطن وتحاول من خلالها توظيف الاحداث بطريقة تخفف عنها النزيف المادي والعسكري والاستخباراتي في كل من العراق وافغانستان والتزاماتها في فلسطين، وهذا بنظرها لن يتأتى إلا بدعم جيوبها في دول الجوار للعراق والمتاخمين لها، بحيث يحدث ما يشبه الارباك لكل هذه الانظمة وتجعل احداث صعدة وكأنها تنفيس للداخل السعودي وهذا الأخير تنفيس للداخل العراقي، وفق رؤية ترى في خلط الاوراق الوسيلة المثلى للخروج من الشرنقة العراقية وفق تفاهمات تساومية مع ايران وبرامجها النووية مشروطة بموقفها في العراق وكذلك الحال مع تركيا التي اختيرت كمقر لقمة الناتو وقد رُهن ملف قبولها في الإتحاد الاوروبي بدور ايجابي في العراق وفق الرؤية الأمريكية؟ ولئن كنا قد توقفنا بأطول مما ينبغي امام الرؤية المخالفة للاحداث في صعدة التي طرحتها صحيفة «الشموع» فإنما كان ذلك ضرورياً بالنظر الى اهميتها، ولأنها تستحق ذلك لعمقها ووضوحها وتفاصيلها. ولقد اردنا من وراء هذا السرد المسهب، نوعاً ما، لسيل الإتهامات المتدفق بغزارة، ان نقدم للقراء الأعزاء صورة اكثر وضوحاً وجلاء، مستقاة من مصادرها الاصلية مباشرة وتمثل -اجمالاً- وجهة نظر ورؤية ورواية احد طرفي المشكلة اي الطرف الرسمي الحكومي. ووفقاً لهذه الصورة الأحادية الجانب فقد اصبح صاحبنا وصديقنا الاديب المثقف والمفكر حسين بدرالدين الحوثي واقعاً وسط موقف عدائي قهري بالغ الظلم والتحيز، وداخل محنة شديدة الشراسة والقسوة تعصف بكيانه ومشاعره وانسانيته على نحو قل نظيره، تحاصره وتتوجه اليه حشد لا أول له ولا آخر من الاتهامات متعددة المشارب والهوى، ومتناقضة المنطق والغاية، حيث اصبح متهماً أو مداناً بالشيء ونقيضه معاً وفي ذات الوقت!! فهو معادٍ لأمريكا بالدعاء عليها الى الله العلي القدير جهرة، وفي نفس الوقت هو احد جيوب وأدوات امريكا لخدمة وتنفيذ مشاريعها ومخططاتها وسيناريوهاتها التآمرية الرهيبة!! وهو يعلن عداءه «لإسرائيل» ويرفع علم «حزب الله» عالمياً، ومع ذلك فإن «اليهود» يدعمونه ويتحالفون معه بل ويقاتلون الى جانبه ولنصرته في تثبيت «امامته» الاسلامية عليهم!! واذا كان الدعاء ضد اسرائيل داخل مسجد أو رفع علم «حزب الله» جريمة عظمى يستوجب حشد الجيش بطائراته وصواريخه ومدافعه ودباباته وسائر اسلحته واعلان الحرب الشاملة الماحقة على مرتكبيها.. فماذا يا ترى يتوجب على «اسرائيل» ان تفعله ضد الآلاف من مواطنيها «الاسرائيليين انصار السلام الذين يتظاهرون ويرفعون العلم الفلسطيني جنباً الى جنب مع اخوانهم الفلسطينيين داخل «اسرائيل» للتضامن مع الشعب الفلسطيني ودعم ومساندة مطالبه وحقوقه المشروعة ضد قوات الاحتلال «الاسرائيلي»!!؟ واذا كان للحوثي وجماعته دوماً موقف عدائي من الثورة والجمهورية، فإن الاستاذ/ حسين الحوثي، على حد علمي ومعرفتي، من مواليد جيل الثورة والجمهورية وليس من عهود سابقة عليها. ثم اذا صح ان رأيه وتفكيره وقناعته اوصلته الى افضلية مبدأ «الإمامه وأن يكون الإمام» علوياً فاطمياً، فما هي الجريمة والخطورة في رأي كهذا؟ اليست مناهج التعليم الديني الرسمي المعمول بها في بلادنا والتي تدرس لطلابنا وطالباتنا من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة في كليات الشريعة والقانون تؤكد على مبدأ «الإمامه» ومبدأ «الأئمة من قريش» باعتباره اصلاً من اصول الدين من انكره فقد كفر؟ وتروي تلك المناهج احاديث منسوبة الى رسول الله عليه الصلاة والسلام وعلى آله نقلاً عن أئمة المذاهب الاربعة السنية وكتب شيخ الاسلام الامام الشوكاني، والتي تنص في روايات عديدة على ما معناه ان هذا الأمر في هذا الحي من قريش لا ينازعهم عليه أحد إلا كبَّه الله على وجهه في النار، وان هذا الأمر في هذا الحي من قريش ما بقي فيهم اثنان أو ما بقي في الناس اثنان، وهي احاديث اعتبرها الإمام الشوكاني في دقتها وصحتها احاديث فوق المتواتر من الحديث، اي تقرب من النص القرآني؟؟ فلماذا تحشد قوات الجيش وتقوم حرب طاحنة ضد الحوثي لانه كما قيل يدعو الى «الإمامه»، وافضلية الإمام القرشي المنحدر من جذور علوية فاطمية، ولا تعلن الحرب على سائر المذاهب الاسلامية ومناهج التعليم الديني الرسمية في بلادنا والتي تعتبر «الإمامه» واحقية الامام «القرشي» بها اصلاً من اصول الدين الملزمة التي تخرج منكرها من حياض الدين والايمان؟؟ ولعل اكثر ما يبعث على الدهشة ان «الوسطاء» الذين سيرهم النظام من اجل نزع فتيل الأزمة ووقف القتال ووضع حد للفتنة بعد عدة أيام من تفجر المعارك، لم يوفقوا الى الحفاظ على مقتضيات وواجبات «الوسيط» باعتباره طرفاً محايداً أو على الاقل «غير منحاز» لطرف دون آخر، وتحولوا الى دور «المفاوض» لطرف من طرفي الازمة لإجباره على «الاستسلام» والتسليم مسبقاً بكل التهم الموجهة اليه. ووفقاً للتصريحات الاعلامية المرئية والمسموعة التي ادلى بها بعض «الوسطاء» فقد كانوا حريصين على الاستخدام المتكرر لعبارات استفزازية وتحقيرية في مخاطبة الطرف المتهم، مثل «المدعو» وعبارة «تسليم نفسه للعدالة» وغير ذلك من العبارات والصيغ التي تتنافى اساساً ومهمة «الوسيط» ودوره التوفيقي غير المنحاز الى اقصى حد ممكن. وعلى اية حال وبصرف النظر عن مدى صحة وعدم صحة سيل الاتهامات المنهالة على الاستاذ/ حسين بدرالدين الحوثي اذ ان ذلك متروك للتاريخ حيث لا يصح إلا الصحيح، فإنني، وعلى ضوء علاقة الصداقة التي تربطني به والمعايشة العملية المباشرة له طوال سنوات عديدة مضت، اعرفه كشخص مثقف ومفكر وكاتب ومؤلف ومحقق لكتب، يمقت أساليب العنف والإكراه والإرهاب، ويؤمن بالحوار ومناقشة الافكار بالحجة والاقناع في اطار سلمي ودي حسِن، وله اهتمامات فكرية جادة وعميقة ومبتكرة ظل يحاول من خلالها تلمس واقامة ارضية مشتركة بين مقاصد الإسلام وغاياته، وبين اسس وتوجهات الفكر العلماني الحقيقي والجاد، وهو يتجه بشكل واضح الى عدم الخلط بين الدين الاسلامي كمنظومة متكاملة ومتناسقة من القيم والتعاليم والاخلاقيات والسلوكيات الهادية والمواجهة لحياة الفرد والمجتمع موجهة للناس كافة بغض النظر عن دياناتهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم العرقية والثقافية، وبين «الدولة» ككيان سياسي ونظام وتشريعات تنظم حياة الافراد في مجتمع انساني محدد وتضبط علاقاتهم وتنهض بمهام تطوير وتحسين مستويات حياتهم في جميع المجالات، وهي بهذا تعتبر، اي الدولة من حيث طبيعتها ووظيفتها وعلاقاتها، مسألة «مدنية» تهم الناس المعنيين بها في مجتمع من المجتمعات، واليهم يعود أمر تقريرها وتحديد طبيعتها ونظمها وعلاقاتها ومهامها ووظائفها وكيفية اختيار ومراقبة ومحاسبة المسؤولين فيها، بدءاً من رأس الدولة ومروراً بسائر مسؤوليها على اختلاف مستوياتهم، وذلك حتى لا نظلم الدين ونحمله أوزار وخطايا وآثام وجرائم وفظائع حكام الدولة وقادتها، التي غالباً ما تتحكم بها الاهواء والمصالح والمكائد والدسائس التي يرفضها الدين ويحاربها في مقاصده وغاياته.. ولهذا فلم يكن حسين بدرالدين الحوثي مؤمناً أو داعياً لا من قريب ولا من بعيد.. لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة الى اي شكل من اشكال المذهبية والطائفية أو العنصرية أو المناطقية مطلقاً، بل كان أُفقُهُ انسانياً، عالمياً على اروع وأبهى صورة يمكن تصورها.. وبديهي ان انساناً بهذه الصفات والمواصفات والمكونات وبفكر يقوم على مثل ذلك الصفاء والسمو ونبل وسعة الأفق الإنساني الرحب لا يمكن، باي حال من الاحوال، ان ينقلب في غمضة عين والتفاتتها الى انسان نقيض يتسم بالشر والإجرام والقتل وسفك الدماء وترويع الآمنين الابرياء، وهو الانسان الذي كان يمقت ويرفض مجرد حمل سلاح شخصي معه او اصطحاب حُراس مسلحين له، وكان دائماً ما يدعو الناس الى عدم حمل السلاح ونبذ الثارات القبلية وإحلال المحبة والإخاء بينهم والتعاون على البر والخير.. والاصلاح بين الناس بالحسنى. وفي اعتقادي انه ربما كانت هناك، وراء أكمة احداث صعدة الدامية المأساوية ما وراءها، وان حسين بدرالدين الحوثي وابناء محافظة صعدة الطيبين الانقياء، ما هم إلا ضحية لغايات واهداف اخرى مختلفة تماماً عما هو معلن وظاهر، وان الحقيقة لا تزال غائبة، أو بالأصح مغيبة، والى الوقت الذي تسفر فيه عن وجهها وتتبين تفاصيلها ودوافعها وغاياتها الحقيقية، ليس بمقدورنا إلا أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهو المستعان على ما يصفون..