مقدمة أو (مدخل تمهيدي عام): يكتنف البحث، أي بحث تحليلي حول قضايا المرأة وشؤونها وعلاقتها بالأسرة ودورها في المجتمع والحياة وحقوقها الطبيعية الأصيلة، بقدر كبير من التعقيد والتشابك بل والحساسية المفرطة وفي الغالب المخاطرة.. وذلك لأن الموروث المتراكم عبر مئات السنين بات حجمه ضخماً وهائلاً من أقوال واجتهادات ورؤى الفقهاء والأحاديث المروية والمنسوبة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وعلى آله الطيبين، وإضافات العلماء والفقهاء المتأخرين حول وضع المرأة وطبيعتها وعلاقتها ودورها وحقوقها في المجتمع والحياة العامة، وتم النظر إليه والتعامل معه على نحو مختلط ومتداخل ومتوحد مع الدين بتعاليمه وأحكامه دون تفريق أو تمييز بين ما هو صادر عن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز القرآن الكريم كدين يتعبّد به، وما هو وضعي إنساني غير ديني، وبين ما هو مقدس كأحكام ملزمة، وما هو اجتهادي قابل للنقاش والأخذ والرد؛ وهكذا فإن تناول ما ورد ضمن سياق ومكونات ذلك الموروث المتراكم بالرأي والتحليل والنقد والتمحيص يتم النظر إليه باعتباره خروجاً وارتداداً وكفراً بالدين تحت مقولة (إنكار معلوم من الدين بالضرورة) حتى وإن تعارض ما يتم تمحيصه ونقده من ذلك الموروث مع قطعي الدلالة والثبوت من أحكام الدين الواردة في كتاب الله المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أو تناقض معه تناقضاً صارخاً وصريحاً، ورغم تعدد وتعارض آراء واجتهادات أئمة المذاهب الإسلامية وكبار الفقهاء والعلماء إزاء الرأي والمسألة محل التمحيص والنقد! والحقيقة المرة والمؤسفة أن موروثنا المتراكم، وخاصة ما يتعلق منه بالمرأة، قد لعب في معظمه دوراً رئيساً ومركزاً في الحط من مكانة المرأة وإلحاق الضرر الفادح بصورتها وسمعتها بل وحتى شرفها! منتقصاً من قدراتها وصفاتها وقوتها وكفاءتها بل وحتى إيمانها ودينها وصورها؛ وكأنها وحدها أصل الخطيئة وسبب الرذيلة والانحراف والشر سلب حقوقها وألغى دورها وحولها إلى مخلوق منبوذ وكائن نكرة معتبراً إياها عورة في وجهها وأطراف أصابعها وأخمص قدميها وصوتها وحركتها بل ووجودها، يجب إبقائها في الإقامة الجبرية، حبيسة البيت تماماً وكاملاً! ولم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب بل امتد ليشمل التعدي على ما اختص الله سبحانه به نفسه وحده من الحساب والعقاب والثواب والمغفرة وعلم الغيب يعلم سركم وجهركم ونجواكم وما توسوس به نفوسكم، فنسبوا إلى الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي وصفه الله جل جلاله: “وإنك لعلى خلق عظيم” و”لكم في رسول الله أسوة حسنة” أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان من قبيل “اطلعت على النار فوجدت أكثر أهلها النساء” “وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن” و”المرأة خلقت من ضلع أعوج”… إلخ. كل ذلك وغيره كثير مما يمكن اعتباره (جهداً رجولياً) مكثفاً ومنظماً متحيزاً ضد المرأة سالباً لحقوقها وملغياً لدورها ومنتقصاً من مكانتها وكرامتها ومهمشاً لوجودها الإنساني كما أرادته مشيئة الله الخالق تعالت قدرته. ولكل ما سبق فإن تناولنا هنا لمسألة (الحقوق السياسية الأصيلة للمرأة في الإسلام) سيعتمد على مصدر واحد وهو القرآن الكريم كتاب الله المحكم والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، دون الدخول في دوامة ومتاهات الموروث المتراكم واختلافاته وتناقضاته وعثراته المختلفة، وإن كنا قد نستشهد للتدليل على ما سنتوصل إليه من استنتاجات في بعض الروايات التاريخية التي تؤكد على الأدوار والفعاليات الرئيسية الهامة التي نهضت بأعبائها المرأة على أكفأ وأفضل صورة. أولاً ثنائية الحياة الإنسانية: كل مخلوقات الله سبحانه وتعالى من حيوان ونبات وجماد، قامت على الثنائية دون استثناء قال تعالى: “ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون” الذاريات 49. وليس هناك سوى الله جل جلاله وحده المتصف بالوحدانية، فهو فرد صمد واحد أحد قائم بذاته لا يحتاج إلى شيء آخر لتحقيق وجوده. والحياة الإنسانية تندرج ضمن قاعدة الخلق تلك؛ أي إنها قائمة في وجودها واستمرارها على الثنائية التلازمية بين ذكر وأنثى ولا يمكن بل يستحيل تصور أية إمكانية للحياة الإنسانية بغياب أحد قطبي تلك الثنائية فكل قطب من قطبيها لا وجود له ولا فعل إلا من خلال القطب الآخر وبه، ودون ذلك لا حياة، وليس لأي منهما ولا يستطيع ادعاء أفضلية تميز أو سبق على الآخر، فبوجودهما وتفاعلهما معاً في ذات الوقت تقوم الحياة وتتواصل.. يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: “هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها” الأعراف 189. “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” الحجرات 13. “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منهما رجالاً كثيراً ونساء” النساء. “وخلقناكم أزواجاً” النبأ 8. ثانياً ما الحقوق السياسية الأصيلة بشكل عام: الحقوق السياسية الأصيلة لكل فرد بالغ راشد من أفراد المجتمع والتي تكفلها المواثيق والعهود الدولية والدساتير في المجتمعات ذات التوجهات الديمقراطية؛ تندرج في مجملها في إطار كل ما من شأنه أن يمكن الأفراد والجماعات في مجتمع ما من القيام بدور ومشاركة حقيقية فاعلة ومباشرة وأساسية في إدارة وتقرير وتوجيه شؤون المجتمع ومساره وحياته في المجالات والميادين كافة وذلك على قاعدة المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع دون تمييز أو إقصاء. ويدخل ضمن نطاق الحقوق السياسية كفالة التمتع بالحرية الكاملة في التفكير والاعتقاد والتعبير، وحقه في تشكيل الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمدنية والانخراط في أعمالها، وحقه في المشاركة الحرة في التصويت الانتخابي والترشيح للمناصب والمسؤوليات والوظيفية العامة من أعلى إلى أسفل ابتداء من الولاية العامة (الرئاسة) مروراً بمختلف المسؤوليات والوظائف القيادية الأخرى دون حجر أو استثناء، بمعنى آخر فإن الحقوق السياسية مضافاً إليها سائر الحقوق الإنسانية الفردية والجماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، هي كل الحقوق والحريات والتدابير والتشريعات والضمانات التي تمكن الشعب أفراداً وجماعات، وتدفع بهم إلى المشاركة الفاعلة والمباشرة في مختلف مجالات ومستويات العمل العام لصالح المجتمع وتطوير حياته ومعيشته وتصحيح المعوج من مسيرته بما يحقق الحرية والتقدم والازدهار والرفاهية للمجتمع ككل. ثالثاً كيف عبر (القرآن الكريم) عن الحقوق السياسية؟: إن (القرآن الكريم) هو كتاب الله العزيز المحكم، ويدور أساساً حول قضيتين أو هدفين محوريين استراتيجيين يفضي الأول منهما ويقود تلقائياً ومباشرة إلى الثاني وكأن الثاني لا يستقيم على تمامه وكماله إلا بالأول ومن خلاله، وهما: الهدف أو القضية المحورية الأولى: مطالبة الإنسان بالإيمان بالله وملائكته ورسله وتقوى الله وخشيته وعبادته والعبادة لا تكون إلا من خلال وعبر الامتثال لأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه كما حددها وفصلها في كتابه العزيز.. قال تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”. وقال عز وجل: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون”. الهدف أو القضية المحورية الثانية: العمل على تأسيس وإقامة حياة الناس وعلاقاتهم بالعدل والقسط وتحريم الظلم والقهر والاضطهاد والاستغلال من بعضهم لبعض، وتعميق وتقوية عرى وعلاقات التكافل والتعاون والحب والوئام والسلام بينهم وفي حياتهم.. قال تعالى: “ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”. ويصف الله سبحانه (عباد الرحمن) بصفات ومواصفات تشكل معاً العمود الفقري لغاية الدين في الحياة فيقول: “وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً. والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً، إنها ساءت مستقراً ومقاما. والذين إن أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما. والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلقَ أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً، ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله مثابا، والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صمّاً وعميانا. والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً. أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقّون فيها تحية وسلاماً خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً” الفرقان. وإذا أضفنا لهذه الآيات الواصفة لعباد الرحمن آيات أخرى من سورة الأنعام توضح ما حرم الله اكتمل أو كاد قوام الدين وعموده الفقري يقول الله تعالى: “قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلك وصاكم به لعلكم تذكرون. وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون” الأنعام: 151-153. ويلاحظ بأن (القرآن الكريم) عادة ما يقرن على نحو تلازمي وثيق لا انفكاك له بين الإيمان والعمل الصالح فهو لا يتحدث عن (الذين آمنوا) فقط بل يقرنهم بعبارة (وعملوا الصالحات)، بل إنه حتى العبادات التي يتعبد بها الإنسان المؤمن إلى الله ما هي إلا وسيلة لغاية كبرى وهي عمل الخير والصالحات واجتناب السيئات والمنكرات، يقول الله تعالى: “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون”. وهذا ما يؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً بأن القضية المحورية الأولى للدين وهي العبادة تفضي أو يجب أن تفضي وتؤدي وتقود إلى تحقيق أعمال الخير والصالحات وتتحاشى المنكرات والمحرمات والخبائث. وبناءً على ما سبق فإن الله سبحانه يتوجه في خطابه الوارد في (القرآن الكريم) إلى الناس كافة يقول سبحانه: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”، ويقول: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”. وأمر الله سبحانه المؤمنين كافة بمواجهة المعتدين وقتالهم أي الغزاة المحتلين قال تعالى: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين”. وقال سبحانه في آية أخرى: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم”. وأوجب الله على المؤمنين كافة وألزمهم ضرورة القتال لنصرة المظلومين والمستضعفين من البشر بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني قال تعالى: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا”. النساء 74-75. ويتضح لنا من سياق الآيات القرآنية المشار إليها آنفاً بأن الدين أو الإسلام قد عبر وأكد على الحقوق السياسية للفرد والجماعة على نحو أشمل وأوسع مما هو معروف حتى الآن من حدود ونطاق الحقوق السياسية فجعل من الواجب والملزم للمؤمنين والمسلمين: – أن يدعوا إلى الخير ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.. ثلاثة واجبات يتسع كل منها لعدد لا حصر له من المهام والأعمال والمسؤوليات الفردية والجماعية دون حصر ولا انحصار. – أن يحكموا بالعدل ويشهدوا بالحق ولو كان ذلك على حساب أنفسهم والوالدين والأقربين، دون ردود أفعال تجاه من ظلموهم وقهروهم من قبل إذا تعلقت الشهادة والحكم بالعدل لهم. – أن ينفقوا أموالهم سواء من خلال الزكاة أو الصدقات أو الإنفاق العام في سبيل الله، على الوالدين والأقربين والفقراء والمساكين والعجزة والغارمين وتحرير العبيد وغيرهم من ذوي الحاجة. – أن يقاتلوا من يقاتلونهم دفاعاً عن النفس وضد الغزاة الذين يحاربونهم في الدين ويحتلون أرض الوطن من ناحية، ومن ناحية أخرى القتال لنصرة المظلومين والمقهورين وفي سبيل نيل حريتهم واستقلالهم وحقهم في تقرير مصيرهم كحق إنساني مقدس. وترك القرآن أمر السبل والوسائل والآليات والأدوات الكفيلة بتحقيق وإنجاز تلك الواجبات والمهام والمسؤوليات الكبرى للناس فهم الأقدر على تحديد واختيار الأنسب منها وفق ظروف الزمان والمكان والإمكانيات والاحتياجات المناسبة، سواء أكان عبر تأسيس وإقامة الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمدنية، أو عبر العمل الجماهيري المباشر، أو من خلال صناديق الاقتراع والانتخابات الحرة المباشرة ومن خلال البرلمانات الوطنية والمحلية أو مجالس الحكم المحلي والترشيح والترشح، وعبر حرية التعبير من خلال وسائل الإعلام الصحفية المرئية والمسموعة، أو من خلال المهرجانات والتظاهرات الشعبية السلمية أو الاعتصامات الجماعية والإضرابات وأشكال الاحتجاجات الجماهيرية كافة وغير ذلك من الوسائل والآليات المشروعة والفاعلة. المهم أن الإسلام لم يكتفِ بإقرار الحقوق السياسية وغيرها من الحقوق فحسب، بل جعل مهمة القيام بها والاضطلاع بأعبائها فرضاً دينياً وواجباً مقدساً ملزماً لكل فرد على حدة وللجماعة بشكل عام، لأن عدم القيام به من شأنه أن يؤدي إلى فساد الحياة واختلال موازينها ونشوء الفوضى والاضطراب والفتن والحروب والمنازعات المفضية حتماً إلى دمار الحياة الإنسانية برمتها. رابعاً المساواة الكاملة في الحقوق السياسية التي يقررها الإسلام: أعتقد أنه بات واضحاً، من خلال حديثنا حول البند السابق وعلى ضوء الآيات الواردة فيها، وكذا معظم آيات القرآن الكريم الأخرى، النطاق الواسع واللامحدود من الحقوق التي منحها الخالق سبحانه وتعالى للناس كافة وللمؤمنين منهم خاصة، سواء أكانت حقوقاً سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية وحتى حقوقاً عسكرية قتالية في حالة الدفاع عن النفس في مواجهة الغزاة المعتدين المحتلين للأرض والمحاربين في الدين (حرية العقيدة)، وكذا في حالة نصرة الشعوب المقهورة والمضطهدة والمحرومة والوقوف إلى جانبها حتى تتحرر من الظلم والقهر والاضطهاد وتنال حريتها واستقلالها ومصيرها، وكيف جعل الله عز وجل تلك الحقوق واسعة النطاق مهامَّ ومسؤوليات وواجبات دينية مقدسة وملزمة للفرد والجماعة للنهوض بأعبائها وتبعاتها وما يترتب عليها، ويحاسب الإنسان يوم القيامة، ثواباً وعقاباً على قدر قيامه بذلك الواجب أو عدم قيامه به. ولكن هل ميز الله سبحانه وتعالى في القيام بذلك الواجب أو في النهوض بأعباء وتبعات ومسؤوليات ذلك الواجب بين الناس وفقاً للجنس، ذكوراً وإناثاً، أو وفقاً للعرف والمكانة الاجتماعية والاقتصادية، أم ساوى بين الجميع دون تمييز؟! وفي محاولة الإجابة على هذا السؤال الجوهري نقول إن الله الخالق سبحانه، كما تؤكد عليه آيات القرآن الكريم قد وجه خطابه ودعوته وأمره، بشكل أساسي على ثلاثة مستويات هي: المستوى الأول وفيه توجه الله جل جلاله بالخطاب إلى البشرية عامة أو إلى بني آدم كلهم على اختلاف أجناسهم وثقافاتهم واعتقاداتهم، دون تمييز بين ذكراً أو أنثى.. قال تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. المستوى الثاني: وفيه يوجه الخطاب والدعوة والأمر إلى المؤمنين، وفي كثير من آيات القرآن الكريم يخاطبهم الله سبحانه بعبارة (يا أيها الذين آمنوا) أو (المؤمنين) أو (المتقين)، والمقصود بهم رجالاً ونساءً على حد سواء.. قال تعالى: “فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض، فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب” آل عمران 195. “ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة”. النساء 124. “ومن عمل صالحاً من ذكر أو أثنى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة”. النحل 97. المستوى الثالث يوجه الخطاب والدعوة والأمر للإنسان الفرد، قال تعالى: “يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك”. “إن الإنسان على نفسه بصيرة”. “ولا تزر وازرة وزر أخرى”. “إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا”. “يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه”. “يقول الإنسان يومئذ أين المفر”. وكثير من الآيات الأخرى التي تخاطب الإنسان فرداً، والإنسان الفرد يشمل الأنثى والذكر على حد سواء، وتأتي الآية الكريمة بأن شؤون الحياة والمجتمع شورى بين الناس دون تمييز قال تعالى: “والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون”. الشورى: 38. “فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر”. ونص الآية واضح بأن المقصود بـ(وأمرهم) و(شاورهم في الأمر) تعني عموم لفظ (أمر) و(الأمر) دون تحديد أو تقييد، وتعني أن الشورى والمشاورة واجبة وملزمة في أمر المؤمنين جميعاً بغير استثناء ويشمل الذكر والأنثى الرجال والنساء. ويقول الله في آية صريحة أخرى: “يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم”. الممتحنة 12. ومعروف بأن المبايعة في ذلك الزمان وبهذا اللفظ تعني الاتفاق والموافقة فيما يتعلق بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والتعليمي العام لحياة المجتمع، وقال تعالى: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف”. والحقيقة أنني في قراءتي للقرآن الكريم ودراستي لسوره وآياته على نحو متواصل، لم أجد نصاً قرآنياً ينص بشكل مباشر أو ضمني على تحريم واضح وصريح لتولي المرأة لأي موقع أو منصب أو مسؤولية قيادية في الدولة أو المجتمع يمكنها من إدارة وتوجيه وتقرير شؤون المجتمع والحياة بما في ذلك المناصب أو المسؤولية القيادية الأولى في المجتمع (الرئاسة) أو قيادة الجيش والأمن أو إدارة القضاء على الإطلاق إذا ما قرر الناس ذلك وفق مبدأ الشورى بينهم. وهو ما يتوافق ويتسق مع ما ذهبنا إليه وبيناه في سياق حديثنا الآنف حول هذا البند المتعلق برؤية الإسلام وأسلوب تعبيره عن الحقوق السياسية والعامة والمكفولة للإنسان، استناداً إلى مدلولات ومعاني الآيات القرآنية الكريمة الواضحة تماماً؛ من أن الخطاب القرآني يتجه أو يتوجه، فيما يتعلق بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدور والمسؤولية الواجبة والملزمة للإنسان، فرداً أو جماعة في المشاركة المباشرة والفاعلة في مجالات العمل العام كافة لإدارة وتوجيه وتقويم طبيعة ومسار حركة المجتمع وأسلوب حياته بما يكفل تحقيق التقدم والازدهار والعدالة والأمن والأمان، يتوجه الخطاب القرآني فيما يخص هذا المجال الحيوي والهام، إما إلى الناس كافة أو إلى المؤمنين والمتقين أو إلى الإنسان الفرد، وفي كل هذه المستويات الثلاثة للخطاب القرآني فإن المخاطبين يشملون الرجال والنساء الإناث والذكور على حد سواء ودون أي تمييز أو تفضيل أو انتقاص. والروايات التاريخية التي أرخت لواقع الحياة وعلاقاتها لفترة فجر الإسلام الأول تؤكد على الحقائق الرئيسة التالية: 1- أن المرأة مارست حقها في حرية الاعتقاد وبمحض إرادتها وبنفسها، دون وسيط أو محرم، وآمنت بالإسلام وعقدت مبايعة بينها وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، علماً أن البيعة تعني أساساً التأييد والدعم السياسي للرسول عليه الصلاة والسلام، ومشاركتها في اختيار الحاكمين. 2- أن المرأة امتثلت لأمر الله سبحانه بوجوب الهجرة من مجتمع الظلم والقهر والاستبداد والإكراه (قريش)، فقامت بمحض إرادتها الحرة بالهجرة سواء إلى الحبشة أو إلى المدينة، دون وصي ولا محرم، قال تعالى: “إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم، وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفواً غفورا” النساء: 97-98. 3- مواظبة المرأة على حضور العبادات الجماعية، صلاة الجماعة، صلاة الجمعة، الاجتماعات العامة الطارئة، نداء الصلاة جامعة، صلاة العيدين والمشاركة بالرأي والمناقشة لمختلف القضايا الدينية والسياسية التي تهم المجتمع وقضايا الحرب والسلاح… إلخ. 4- القيام بمختلف الأنشطة والأعمال الدعووية وأعمال الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وممارسة قضاء الاحتساب في الأسواق العامة، ومواجهة الطغاة من الحكام المستبدين ونقدهم الشديد كما عملت أسماء بنت أبي بكر مع الحجاج بن يوسف بعد أن قتل ابنها عبد الله بن الزبير. 5- مشاركتها في المعارك الحربية الدفاعية وخاصة المهام المساعدة واللوجستية دون أن يمنع ذلك بعضهن من المشاركة الفعلية في المعارك أو في القتال المباشر، بل وتولت أحياناً مسؤولية قيادة الجيش فقد كان جيش الخوارج الذي هزم جيش الحجاج تقوده امرأة جسورة وشجاعة. 6- وفي مرحلة تاريخية لاحقة كانت المرأة ملكة وحاكمة تدير الدولة وشؤون الحكم والحرب بطريقة غير مباشرة تحت غطاء زوجها الملك مثل السيدة أسماء الصليحي زوجة الملك علي محمد الصليحي أو بطريقة مباشرة كملكة حاكمة مباشرة وبشكل متواصل لما يزيد عن أربعين عاماً كالسيدة الحرة الملكة أروى بنت أحمد الصليحي قبل قرابة الألف عام مضى وأثبتت المرأة أهليتها وجدارتها وكفاءتها العالية في إدارة شؤون الدولة والحكم والحرب والسياسة بمستوى يفوق نظراءها من الملوك والحكام الرجال. ولمن شاء تفصيلاً أكثر في هذا الجانب يمكنه الرجوع إلى كتاب (نساء حكمن اليمن) لمعدّته (عفت وصال الحمزة)، صادر عن دار ابن حزم. 7- وهناك سجل طويل من النساء الأديبات الشاعرات رفيعات المستوى، حيث كان للسيدة سكينة بنت الحسين (عليهما السلام) مجلس في المدنية المنورة يؤمه كبار الشعراء والأدباء ورجال العلم وكانت هي قطب الرحى الرئيس في الآراء والمناقشات العلمية، كما أن هناك فقيهات وعالمات بعلوم الدين واللغة كن يقمن بالتعليم الفقهي والديني في أروقة المساجد لطلبة العلم من الرجال والنساء ويمنحن الإجازات العلمية لفقهاء وعلماء في مجالات الفقه والتفسير والحديث واللغة والقضاء والإفتاء. وفي كتاب (تهذيب سياق أعلام النبلاء) لشمس الدين بن عثمان الذهبي ما يزيد عن 200 امرأة، مثل السيدة (الدهماء) أخت الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى عليهما السلام التي أثبتت جدارة وأهلية واقتداراً بالغ السمو في مجال العلم ولها مصنفات مخطوطة من أهمها مؤلف (الزنين) في الفقه على ما أظن وهو قيد الطبع والنشر قريباً إن شاء الله، وأم البهاء فاطمة بنت محمد البغدادي التي ولدت عام 440هـ وكانت تباشر الملك والسياسة (إدارة الدولة)، أمة الواحد بنت الحسين المحاملي عالمة وفقيهة ومفتية، طيفة خاتون بنت الملك العادل كان ابنها قاصراً فتولت هي ادارة البلاد، امرأة في خراسان سميت مسندة خراسان فقد كانت الوحيدة في خراسان مرجعاً لرواية الحديث وتعليمه كما كانت تمنح إجازات علمية لفقهاء ومشايخ ومفتين وقضاة، ومسندة الشام كريمة بنت محمد بن عبد الوهاب بن علي، غزالة زوجة شبيب بن يزيد الحارثي الخارجي كانت معروفة بالشجاعة وقادت جيوش الخوارج التي هزمت جيوش الحجاج بن يوسف الثقفي ودخلت الكوفة وقامت خطيبة في منبر مسجد الكوفة وانتقدت بني مروان بشدة وقد قادت الجيش عدداً من المعارك، كما أن الإمام الشافعي رضي الله عنه كانت السيدة نفيسة بنت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب التي توفيت عام 208هـ أحد مشايخه الذين تلقى العلم عنهم وأجازوه. أما الإمام ابن تيمية فهو يقول في كتابه (فتاوى النساء): “إن أول من درسه الفقه هي جدته تيمية” فقد تتلمذ على يديها ونسب إليها والمرأة الثانية التي أخذ عنها الفقه هي أم أحمد زينب بنت مكي بنت علي الحراني التي توفيت 688هـ، وقد أجازته علمياً. كما يقول الإمام العارف بالله عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في كتابه (الطريق إلى الله): إن من مشايخه الكبار السيدة أم الخير جليلة بنت أحمد والثانية أم البركات تقية بنت علي. وأختتم بالسيد العلامة محمد بن يحيى مطهر الذي روى ذات يوم في مجلس أن أول دراسته في حجة كانت على يد امرأة عالمة في الفقة واللغة. كما يؤكد لنا التاريخ الإسلامي المعاصر بأن الفترات الزمنية التي تولت فيها امرأة الحكم والمسؤولية الأولى برهنت فيها على مقدرة وكفاءة عاليتين وكانت فترة حكمهن من أفضل فترات الحكم وأكثرها نجاحاً وازدهاراً مثل (بي نظير بوتو) في باكستان و(حميدة واجد) وابنتها في بنجلادش و(تانسو شيلر) في تركيا مثلما هو حال غيرهم في المجتمعات غير الإسلامية. خامساً كيف تسلّل إلى موروثنا الأصيل الانتقاص من حقوق المرأة ومكانتها ودورها في المجتمع؟: إن نزعة أو النزوع الجامح والمتأصل للإساءة إلى سمعة المرأة وشرفها والانتقاص من مكانتها وأهليتها ودورها في المجتمع والحط من قدرها ومقدرتها، قد تسلل إلى موروثنا الديني الأصيل عبر سلسلة طويلة من الروايات والأخبار والتلفيقات المتراكمة وإضفاء هالة من القداسة والقدسية عليها باعتبارها معبرة عن الإسلام دين الله القويم، في حين أنه من الواضح تناقضها مع جوهر تعاليمه وصريح أحكامه.. وقد حدث ذلك عبر جملة من الوسائل والمداخل لعل أهمها: 1- استمرار سيطرة وهيمنة الثقافة والعقلية العربية البدوية الجاهلية ونظرتها السلبية السوداوية إلى المرأة ومكانتها الدونية باعتبارها سبباً للعار وهتك الشرف ومصدراً لهما وبؤرة الشر والرذيلة حيث لم يستطع أصحاب هذه الثقافة والعقلية تشرب وتمثل استيعاب تعاليم وأحكام وقيم الإسلام الإيجابية الجديدة وإعادة صياغة ثقافتهم وعقلياتهم وفقاً لها. 2- التأثير والتأثر عميق الجذور وواسع النطاق لرؤى وتصورات ومواقف أصحاب المعتقدات الدينية السابقة للإسلام كاليهودية والنصرانية، وعلى وجه أخص الأفكار والثقافات اليهودية، ونظرتها وموقفها بالغ السلبية والسوداوية بالنسبة للمرأة والتي تصل إلى حد التحقير والامتهان والتعبيد للمرأة ومكانتها وطبيعتها ودورها، وما نتج عن هذا التأثير والتأثر العميقين بتلك المعتقدات السابقة وإعادة إنتاجها وصياغتها بكونها مبنية على الإسلام ومعبرة عنه وهي ليست كذلك. 3- وتحت تأثير العاملين السابقين شهد القرن الهجري الثاني إفراطاً جامحاً وواسع النطاق تمثل بالإكثار غير المعقول من رواية الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله حتى بلغت ما يزيد عن المليون حديث، ومع أن هذا الإفراط الشديد كان أحد أهم دوافعه يكمن في الأغراض والأهواء السياسية للحكام والسلاطين أو الفرق والقوى المتصارعة والمتنازعة على الحكم والسلطات بما يرتبط بهما من مدارس ومذاهب وفرق فقهية وفلسفية وغيرها إلا أن التأثير بمرويات وأساطير أصحاب المعتقدات السابقة، وخاصة اليهودية قد لعب دوراً بارزاً في ذلك الإفراط لتحقيق الهيمنة الفكرية الثقافة لتلك المعتقدات على الدين الجديد الناشئ من ناحية، ولتشويهه وتحريفه وبث الفرقة والصراعات والفتن داخله بكل السبل والوسائل من ناحية أخرى. 4- القصور في استيعاب وإدراك وحسن فهم المقاصد الكلية للأحكام والتعاليم الواردة في آيات القرآن الكريم إزاء مختلف القضايا والشؤون، وخاصة منها قضايا وشؤون المرأة، حيث اتجه ذلك الاستيعاب والفهم القاصر وربما المعتمد، إلى التعسف وليّ عنق النصوص وتفسيرها على نحو سلبي ومضاد للمرأة وحقوقها ومكانتها ودورها بما يجعلها باقية على الدوام خارج نطاق الفاعلية والنشاط في قضايا مجتمعها العامة ولتظل على هامش الحياة سجينة خانعة ومستبعدة. إن مثل هذا الاتجاه السلبي قد انطلق من منطلقات غير دقيقة ولا صحيحة في النظر إلى المكانة والدور العام لها في حركة مجتمعها، بدءاً بالآيات التي تقول: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم” و”يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” و”للرجال عليهم درجة” و”اللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً”. وفيما يتعلق بالشهادة على التداين بدين إلى أجل مسمى قال تعالى: “فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يملّ هو فليملل وليه بالعدل، واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضلّ إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى”، البقرة 282. وراحوا يبنون على مثل هذه الآيات الكريمة أحكاماً ومواقف تجعل المرأة منبوذة وتابعة للرجل وانتقصوا من دورها وحطوا من مكانتها في المجالات والشؤون كافة، في حين أن سياق تلك الآيات ومدلولاتها تقتصر على نطاق العلاقات الزوجية والأسرية، وحتى شهادة امرأتين مقابل رجل في حقوق التداين بدين إلى أجل مسمى وكتابته تحتاج إلى دراسة وتدقيق لفهم مقاصدها ومعانيها الحقيقية، لأننا نجد أن الشهود الأربعة المطلوبين لإثبات تهمة الزنا ورمي المحصنات… إلخ. لم يرد في الآية الخاصة بها ما تشير إلى وجود مثل ذلك التمييز في شهادة الذكر والأنثى في حين أن التهمة جسيمة وبالغة الخطورة. وحصل الخلط بين نطاق العلاقات الزوجية والأسرية والمواريث المشار إليهما آنفاً وبين نطاق العمل العام والمسؤولية والدور التضامني الواسع في القضايا والشؤون كافة الخاصة بالمجتمع وشؤونه وعلاقاته وإدارته وتوجيهه وهو النطاق الذي لا تمييز فيه بين الرجل والمرأة على الإطلاق فكلاهما يتحمل المسؤولية على قدم المساواة وبالدرجة والمستوى نفسيهما. وهذا الجانب العام يحتاج منا إلى بحث وتدقيق وتحليل شامل غير أن هذا ليس مجاله الآن وفي هذا السياق. إن هذه العوامل والأسباب وغيرها لعبت دوراً سلبياً مدمراً للدور والحقوق السياسية للمرأة وانحرفت به إلى نقيض ما كان عليه حالها في المرحلة النبوية ومعظم الخلافة الراشدة وعلى تناقض صارخ مع مقاصد وتعاليم الإسلام كما هي مبينة في كتاب الله (القرآن الكريم) وزادت عصور الانحطاط الإسلامي المتأخرة فعزلت المرأة عزلاً كلياً تقريباً عن واجباتها ودورها ومكانتها في مسيرة مجتمعاتها وسجنتها خلف أسوار محكمة الإغلاق باسم الشرع والدين فيما عرف بـ(عصر الحريم) وتحولت المرأة من عنصر فاعل ومشارك في الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية والقضائية إلى مجرد سلعة وجسم للاستمتاع وللخدمة المنزلية لا أكثر. وبعـــد: فإن هذه الورقة التي نتقدم بها لملتقاكم الديمقراطي الثاني حول (المشاركة السياسية للمرأة في الإسلام) هي – كما أشرنا آنفاً – مجرد محاولة لاستبيان الحقوق السياسية الأصيلة اعتماداً على القرآن الكريم، والمحاولة هي في طبيعتها عادة ما تتسم بالقصور وعدم الإلمام التام. كما أن ما تضمنته الورقة من آراء وتصورات لا تعدو كونها مجرد اجتهاد في إطار محاولة لا تدعي، ولا يجب أن تدعي بأنها تعبر عن الإسلام والدين وتعاليمه تعبيراً دقيقاً وصحيحاً وإنما تحتمل الصواب مثلما تحتمل الخطأ، فإن حالفها الصواب فذلك فضل من الله تعالى ونعمة له كل الحمد والشكر، وإن شابها الخطأ فمنه سبحانه نطلب العفو والمغفرة، وحسبنا أننا حاولنا محاولة أولية تملكنا رغبة صادقة ومتحمسة لمواصلة البحث والدراسة والتحليل بهدف السعي لبلوغ مستوى أفضل من الدقة والإلمام والإحاطة، يساعدنا في بداية هذا المسعى ما سيثار في هذا اللقاء من آراء وملاحظات واعتراضات مختلفة ستكون زاداً وعوناً لنا فيما نحن عازمون عليه بإذن الله تعالى وعونه وتوفيقه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.