التوافق على تسمية عبدربه رئيسا مرشحا لا يعني أن يصبح أسيرا لمنطق التوافق السياسي صحيفة الوسط

يردد بعض القادة السياسيين، مؤخراً، مقولة مفادها التأكيد بأن الرئيس عبدربه منصور هادي هو بالأساس رئيساً توافقياً، أصبح رئيساً استناداً وبناء على تسوية سياسية بين الحزب الحاكم “المؤتمر الشعبي العام” الذي يرأسه الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحلفائه من جهة، وتكتل أحزاب “اللقاء المشترك” الذي كان يمثل المعارضة السياسية من جهة أخرى، وهي تسوية بلورتها ورسمت معالمها وأسسها  ” المبادرة الخليجية” وآليتها التنفيذية المُزمنة برعاية وإشراف وضمان قوى دولية وإقليمية، ووافق عليهما ووقعهما الطرفان السياسيان المشار إليهما، ولعل الهدف من وراء تركيز الخطاب السياسي ،الإعلامي للطرفين مؤخراً على مقولة “الرئيس الانتقالي” توجيه رسالة إلى الرئيس عبدربه منصور هادي بأن مقتضيات كونه “رئيسا توافقيا ” تُلزمه بإخضاع خطواته وقراراته ومواقفه وسياسته خلال “الفترة الانتقالية” للتشاور والتراضي والموافقة المُسبقة عليها من طرفي التسوية السياسية.. والواقع أننا وإن كنا نتفق على حقيقة بأن الرئيس عبدربه جاء إلى سدة الحكم استنادا وبناء على اتفاقية التسوية السياسية، والتي قامت على قاعدة التوافق السياسي بين الطرفين السياسيين المشارإليهما آنفا، لكننا نختلف مع ما يتصوره أصحاب مقولة “الرئيس التوافقي” من مقتضيات ومترتبات ونتائج تجعل من الرئيس عبدربه مُجبراً أو مُلزماً بإخضاع وتكييف مهامه ومسئولياته وسلطاته الدستورية للتشاور والموافقة المُسبقة من قبل طرفي التسوية السياسية، وذلك لأن التوافق والاتفاق السياسي على تسمية شخص رئيس الجمهورية المرشح لا تُلزمه ولا تفرض عليه أن يصبح مقيداً وأسيراً لمنطق التوافق السياسي المُسبق والتشاور والموافقة المُسبقة لطرفي التسوية طوال فترة رئاسته الانتقالية منذ اللحظة الأولى لإعلان فوزه في الانتخابات الشعبية، حيث يصبح بعدها مسئولا مسئولية شخصية مباشرة عن مزاولته لمهامه وسلطاته ومسئولياته الدستورية كاملة غير منقوصة، هذا من زاوية الرؤية القانونية والدستورية، أما من زاوية الرؤية السياسية فإن اتفاقيات التسوية السياسية الموقع عليها من الطرفين المحليين برعاية وإشراف وضمان دولي وإقليمي، لم تشرأو تنص على وجوب أو إلزام الرئيس التوافقي المرشح، بعد انتخابه، بالتشاور مع الطرفين المتعاقدين وأخذ موافقتهما مُسبقاً على أية خطوة أو إجراء او قرار أو موقف يريد اتخاذه بموجب سلطاته الدستورية، بل على العكس من ذلك نصٌت على منحه سلطات استثنائية تخوله كمرجعية عليا سلطة الفصل الأخير في قضايا ومهام وسلطات مجلسي النواب والوزراء في حالة استحالة التوافق على اتخاذ أي قرار في أي من المجلسين – مجلس النواب او الحكومة- في القضايا والمسائل المطروحة للبحث فيهما، بمعنى أنه في حالة عجز أي من مجلس النواب أو الحكومة عن اتخاذ الموقف والقرارعلى قاعدة التوافق بين الطرفين يُرفع الأمر إلى رئيس الجمهورية لاتخاذ قرارالفصل الذي يرتئيه دون قيد أو شرط، ويصبح قراره مُلزماً وواجب التنفيذ.. كل هذه السلطات الاستثنائية الممنوحة للرئيس عبدربه منصور هادي بموجب نصوص اتفاقيات التسوية السياسية الموقع عليها، تم تعزيزها ودعمها بتأييد ومساندة قوية من قبل القوى الدولية والإقليمية وبقرارات مجلس الأمن الدولي للرئيس المنتخب، تأييداً ومساندة ودعماً لم يسبق أن حظي بمثلها رئيس من قبله على المستوى العالمي.. وبناء على ما سبق فإن من واجب طرفي التسوية السياسية بل ومن المُلزم لهما بحسب نصوص وأحكام اتفاقيات التسوية “المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية” مراجعة مواقفهما وتلميحاتهما السياسية والإعلامية إزاء الرئيس عبدربه منصور هادي، وسعيهما لفرض وصايتهما عليه، بحجة كونه رئيساً توافقياً والكف الفوري ووقف محاولتهما تلك تماما، لأن نصوص اتفاقيات التسوية الموقع عليهما من قبل الطرفين تُلزم مجلس النواب والحكومة بممارسة مهامهما وسلطاتهما على قاعدة التوافق المُسبق بين الطرفين فقط، ولم تُلزم الرئيس وتجبره على مراعاة التوافق في قراراته على الإطلاق، بل منحته مزيداً من السلطات الاستثنائية لضمان حسن سير أداء سلطات الدولة خلال مرحلة انتقالية مضطربة. وبالمقابل فإن الرئيس عبدربه منصورهادي مطالب بإلحاح وسرعة بأن يدرك تماماً ويقتنع اقتناعاً راسخاً بأن القَدر قد ألقى على كاهله مسئولية استثنائية جسيمة غير عادية لقيادة وإدارة مرحلة تحول وتغييرتاريخي سياسي، هودون أدنى مبالغة أو تهويل، يُعَد أهم وأعمق وأخطرتحول تاريخي جذري وشامل على امتداد التاريخ اليمني الحديث والمعاصرعلى الإطلاق، وأن التاريخ سيقف طويلا عند هذه المرحلة بالغة الحساسية والأهمية التي أنيطت بمسئوليتها على كاهله بشخصه واسمه ليكتب على صفحاته عنها وعنه كطرفي معادلة تفاعلية متلازمة ومترابطة على نحو عضوي لا ينفصم، إن إيجاباً أو سلباً وفقاً وعلى أساس طبيعة ومضمون وعمق الخطوات والمواقف والقرارات والسياسات التي سينفذها وكيفية قيادته وإدارته لمسار وتوجهات مرحلة التحول التاريخي بالغ الأهمية والمكاسب والإنجازات المتحققة في أو خلال تلك المرحلة، وأنه في قيامه بالدور التاريخي الذي يتحمله في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة للغاية لا يقف وحيداً أو مكشوف الظهر، بل ينهض بأعبائه ومسئولياته مسنوداً بإرادة شعبية واسعة جداً أعطته ثقتها في الانتخابات، ومُنح سلطات دستورية واستثنائية تقترب من مستوى سلطة مطلقة، ويحظى بتأييد ومساندة ودعم قوي وحازم من قبل كل القوى الدولية والإقليمية النافذة بما في ذلك قرارات المنظمة الدولية ومجلس الأمن فيها على نحو وبمستوى لم يسبق أن حظي بمثلها رئيس قبله من رؤساء وحكام دول العالم الثالث كله، وقبل هذا كله وأهم منه أن مرحلة التحول التاريخي الجذري والشامل التي بدأت في اليمن ونتج عنها اختياره وتكليفه بشرف قيادة وتسييردفة ومسار ووجهة تلك المرحلة، التي تشكل بحق مَعلماَ ومؤشراً شامخاً للتحول التاريخي الوطني، إنما جاء وتحقق وفرض نفسه بفضل الثورة الشعبية السلمية العارمة والعظيمة والتضحيات الجسيمة والثمن الباهظ الذي دفعته الثورة ولا تزال تدفعه، شهداء ومصابون ودماء وعذاب ومعاناة قاسية، تلك الثورةالأعظم في تاريخنا الوطني الحديث والمعاصر، التي لولاها ولولا تضحياتها الجسيمة والباهظة، لاستحال علينا مجرد التفكير بإمكانية التغيير، ناهيك عن حدوثه وتحققه بالفعل. إن مجمل هذه الاعتبارات والحقائق الأساسية والواضحة، لا تترك للرئيس عبدربه منصور هادي أية إمكانية أو مجالاً للإخفاق أو الفشل أو التقاعس تحت أي أعذار أو تعللات أو مبررات أو أسباب من أي نوع، ولا يوجد أمامه سوى النجاح والنجاح وحده أو السقوط المهين.. مضى حتى الآن منذ انتخابه رئيسا للجمهورية ستة أشهرأي نصف عام من الزمن، أو بحساب آخر ربع مدة رئاسته الانتقالية المتوافق عليها، فكيف تبدو دلائل ومؤشرات واحتمالات دوره في قيادة وإدارة دفة مرحلة التحول التاريخي بالغة الأهمية والحساسية والخطورة؟ نحن هنا لا نريد، ولسنا بحاجة، إلى الجنوح نحو المجاملة والنفاق واسترضاء الرئيس عبدربه، ولا أعتقد أنه من هواة ومحبذي أحاديث المجاملات والمديح والنفاق وليس من صالحه، ويقيناً أنه بأمس حاجة إلى سماع أحاديث جادة وصادقة وأمينة تُصورله واقع الحال كما هو عليه بحقائقه وصيروراته وتعكس له آراء الناس ومعاناتهم وأحوالهم وتكشف لنظره مشاعرهم وأحاسيسهم ومعاناتهم وأوضاعهم بشكل واقعي وصادق وشفاف مهما كان حجم الألم والأوجاع والتبرم من النقد الإيجابي والبناء، فذلك هو في الأصل رسالة ومهمة الصحافة والإعلام الملتزم والمسئول، وإلا لم يَعُد إعلاماً بل بوقاً للدعاية والكذب والتزلف والنفاق.. إن نصف عام أو ربع الفترة الزمنية لرئاسة الرئيس عبدربه الانتقالية المحددة بعامين، انقضت حتى الآن، وللأسف الشديد، فإن مؤشراتها وعلاماتها ووقائعها وإنجازاتها، لا تَسُر ولا تُريح، ولا هي تبعث على الحد الأدنى من الأمل والتفاؤل، بل على العكس من ذلك اتسعت دائرة خيبة الأمل والقنوط في أوساط واسعة من الرأي العام، بالقياس إلى حجم الآمال والتطلعات والأهداف الكبيرة التي بثتها الثورة الشعبية السلمية وحفرتها عميقاً في كيان الضميرالوطني للشعب اليمني، وعلينا أن نتسلح بقدرعال من الحصافة والمسئولية والوعي في تقويمنا وتحليلنا لحالة خيبة الأمل والإحباط واليأس والدلالات والنتائج والاحتمالات التي ستتمخض عنها وبسببها، فإن نظرات خاطفة لتاريخ ثورات الشعوب والتحولات التاريخية الفاصلة التي تخللتها وترتبت عليها، برهنت، وهي لا تزال تبرهن، على أن ما تتعرض له تلك الثورات والتحولات، أو على نحوأدق بعضها من حالات الانتكاس وخيبة الأمل والإحباط واليأس والقنوط، لا يعني، بأي حال من الأحوال، بأن تلك الثورات والتحولات التاريخية قد انتهت وتلاشت وأهيل عليها التراب وأسدل الستارنهائيا، بل إن ما يحصل في هذه الحالات أن تلك الثورات والتحولات التاريخية التي بشرت بها ورفعتها، تعود بأسلوب تكتيكي لتنكفئ على نفسها وتتغلغل تحت الأرض، لتستخلص من تجربتها العبر والدروس المستفادة حول ما حدث ولماذا حدث وكيف حدث؟ وأين نقاط الضعف والخلل والإخفاق المؤقت، ثم لتعاود الظهورمجددا عبر وسائل وأساليب عمل جديدة ومختلفة تماماً، وغالبا ما تتخذ منحى يتسم بالعنف والتدمير المفرط والهدم الشامل لكل ما هو قائم أو كما يقال تحرق الأخضر واليابس، وعادة ما يكون الثمن لمثل هذا المنحى أو النهج المتسم برد الفعل باهظاً وجسيماً ومروعاً تتحمل الشعوب التبعات والأهوال المترتبة عليه في كل نواحي حياتها الحاضرة والمستقبلية.. فالمعلوم المتفق عليه أن ثورات الشعوب الكبرى لا تعرف التلاشي والموت، وهي عصية على الاجتثاث والمحو سواء من خلال مواجهتها بالعنف والقوة المفرطة الغاشمة أو من خلال أساليب التآمر السياسي الهادف إلى الالتفاف على الثورة واحتوائها وركوب موجتها وتنفيس عنفوانها الشعبي الهادر، كلا الأسلوبين أو أي منهما قد ينجح في توهم انتصاره وسحقه للثورة، لكنه لا يستطيع أن يدرك أن تصوره ذاك مجرد وهم زائف ولا يرى أنه بذلك إنما دفع بالثورة وأجبرها على التواري والانكفاء تحت السطح ليتفاجأ بظهورها، من حيث لا يحتسب، بأساليب ووسائل عمل جديدة ومختلفة تماما، وهكذا هي الثورات تصحح مسارها وتصوب أخطاءها وتبتكر أساليب وأشكالاً لا حصر لها في التعامل ومواجهة مختلف التحديات والمصاعب مهما كان حجمها.. ووفقا لهذه الحقائق والتجارب الإنسانية وعلى ضوئها، فإن روح المسئولية التاريخية الجسيمة التي قبل الرئيس عبدربه تحمل أعبائها وتبعاتها تفرض عليه أن يقدر ويدرك بأن حالة ومشاعر خيبة الأمل والإحباط واليأس وانسداد الأفق التي بدأت تنتشر وتتعمق في أوساط قوى الثورة وجماهيرها المليونية الواسعة لا تعتبر بشير خير للسلطات الحاكمة في الغالب الأعم، بل نذير شؤم وشر يتهيأ ويتفاعل تحت السطح للإطباق على البلاد والعباد، مما يفرض عليه استيعاب المطالب والأهداف المشروعة التي حركت الثورة وفجرتها كمبرر موضوعي يضفي عليها الشرعية أو المشروعية الشعبية، والعمل على إدراجها على رأس برنامج عمله التنفيذي في قيادة وإدارة دفة ومهام المرحلة الانتقالية وتجسيد وتطبيق مقتضيات وضرورات مرحلة التحول التاريخي البالغة الأهمية، وتصعيد وتسريع وجدية وشمول خطوات وقرارات التغييرالسياسي الجذري المنشود، وتحاشي الوقوع، من حيث يدري أو لا يدري، في شباك وأغلال سياسات التوازن ومراعاة ومداهنة وإرضاء مراكز القوى العسكرية منها أو الحزبية أو القبلية أو المناطقية المعيقة للتغيير والتحول والانتقال السياسي الحقيقي في البلاد والمجهضة لنواياه وسمو مقاصده وغاياته المشروعة النبيلة كما يتمناها وينشدها ويهفو شعبنا إلى تحقيقها من خلال إعادة بناء دولته ونظامه السياسي وفقا للمعايير الوطنية والديمقراطية الحديثة والعادلة. إن واقع حال البلاد والعباد اليوم، يا فخامة الرئيس، بات أكثر سوءاً مما كان عليه قبل الثورة الشعبية في ظل تركيبة السلطة الحاكمة السابقة. الأمن في البلاد منفلت، والأمان مفقود، والمليشيات المسلحة تنتشر في عاصمة البلاد وتبسط سيطرتها على مربعات أو “كانتونات” خاصة بها فيها وكذا الحال في مدن البلاد الرئيسية، وعصابات قطع الطرق والنهب والسلب والقتل والاغتصاب وانتهاك الحرمات تسرح وتمرح في طول البلاد وعرضها.. والتمردات وحركات العصيان المتعمدة والمنظمة داخل وحدات عسكرية تزحف من أقصى البلاد إلى عاصمة البلاد مدعومة بمجاميع مسلحة قبلية أو بلطجية وتقتحم وزارة الداخلية وتنهبها وتحاصر وزارة الدفاع وتقتل جنودا وتستعرض عضلاتها أمام منزلكم دون أن يعترضها معترض أو تحال إلى محاكم عسكرية ميدانية حسب القانون العسكري .  واقتصاد منهار وفقر وبطالة في ازدياد والبلاد على أبواب الإفلاس.. والخدمات الأساسية العامة شبه معدومة، والنسيج الوطني ووحدته يتمزق وتعمل فيه معاول التمزيق والتدمير والنسف على قدم وساق.. وحكومة ما سُميت بالوفاق الوطني عاجزة ومشلولة وغارقة في دوامة الصراع المرير على تقاسم وظائف الدولة على اختلاف مستوياتها وأنواعها والمصالح والمغانم بين طرفيها وهي مصالح شخصية أو حزبية أو فئوية على حساب الأموال والمصالح العامة المملوكة للشعب أصلا، ومكونات هذه الحكومة، وبوضعها المزري ذاك، قبلت، أو طلبت، من مراكز قوى ومليشيات مسلحة خارج نطاق الدولة وقوانينها ونظمها، حراستها وتوفير الحماية لأفرادها أو مكوناتها وأعضائها، مقابل استرضائها بالاستجابة وتنفيذ مطالبها وإملاءاتها سواء في تعيينات الوظائف القيادية أو صرف اعتمادات مالية ضخمة لها دون وجه حق، و… و… و… مما لا يتسع المجال لذكره، وأنت، يا فخامة الرئيس، بعد إصدارك لعدة قرارات مهمة وشجاعة، بعضها لم يُنفذ، عُدت لتجد نفسك، بحكم طبيعة الموقع الجيوبوليتيكي لمقر إقامتك، مجبراً أو مضطراً إلى اختزال دورك التاريخي العظيم، الذي حملت شرف النهوض بأعبائه، مكتفياً بإدارة “لعبة توازن القوى” بين مراكز قوى قديمة ومستحدثة والحرص على استرضائها وتحاشي إثارة غضبها ، وذلك تحت وهم إمكانية ترويضها، وتلك لعبة عقيمة سبق أن مارسها حكام سابقون فكانت سببا لإسقاطهم! لأنها بحكم طبيعة تركيبها الأقرب إلى تركيبة وعقلية العصابات لا تقنع ولا تشبع، ولا تؤمن بقضية أو مشروع وطني كبير ذي رؤى وأبعاد استراتيجية بعيدة المدى، بل تحكمها وتتحكم بعقلياتها ومواقفها وأساليبها مقتضيات اللحظة الراهنة وما تتيحه لها من فرص وعروض “فتهقفها ” دون وضع اعتبارات أو حساب لمستقبل أو رؤية استراتيجية بعيدة المدى نسبياً، وهكذا فإن القانون الذي تتبعه هو تحقيق مصلحتها أنَّى أتت وكيفما أتت، ومن أية جهة أقبلت ولأي هدف عرضت! ولا يساورني، يا فخامة، الرئيس، أدنى شك بأنك تعي تمام الوعي وتدرك تمام الإدراك أن “الجيش والأمن” في بلد كبلادنا اليمن كان ولا يزال أداة السيطرة على الدولة والحكم، وهو بمثابة المفتاح الرئيس أو بالتعبير الإنجليزي “الماستركي” الذي تفتح به إمكانيات تحقيق التغيير الجذري والشامل لأوضاع البلاد وواقعها المتردي والسيئ الراهن، وكل الأوضاع المشابهة ماضيا وحاضرا وعلى مدى المستقبل المنظور، ويمكن أن يكون دوره إيجابياً وحامياً للمشروع الوطني النهضوي المتطور والإيجابي إذا ما بني على أسس علمية ووطنية صحيحة وسليمة، أو يصبح دوره سلبياً ومدمراً ومعوقاً لتطور ورقي الكيان الوطني والشعب إذا سيطرت على مفاصله وقياداته أهواء وطموحات العصبويات الأسرية العائلية أو المناطقية والقبلية والطائفية، إن نظرة خاطفة لتاريخنا الوطني الحديث والمعاصر بل وحتى الوسيط يثبت ويؤكد هذه الحقيقة وتبرهن عليها بشكل واضح وقاطع، ولا شك أنك، يا فخامة الرئيس، تعلم ذلك يقيناً كعسكري وسياسي ذي تجارب واسعة وغنية، وإذن، وبناءً على هذه الحقيقة، فلتكن – يا فخامة الرئيس- على قناعة راسخة لا تتزعزع، بأنك لن تستطيع أن تحقق أي نجاح، ولو كان بسيطا، في أداء دورك التاريخي العظيم حقا في قيادة وإدارة مهام ومسئوليات مرحلة الانتقال أو التحول التاريخي بالغ الأهمية والخطورة، بل ربما تدرك، متأخراً وبعد فوات الأوان، أنك فشلت فشلا ذريعا وكاملا في أن تكون من صناع التاريخ، ما لم تبادر بأقصى سرعة محسوبة ممكنة إلى اتخاذ قرارات شجاعة وحاسمة تفتح الطريق الآمن والمأمون لإعادة بناء قوات الجيش والأمن على أسس وطنية وحديثة وسليمة من القاعدة إلى القمة باعتبار معايير الكفاءة العلمية والخبرات المتراكمة والتجارب الميدانية..الخ. واسمح لي – يا فخامة الرئيس- أن أصدقك القول بأن هذا الهدف الاستراتيجي المفتاح الذي سيمهد ويفسح الطريق بكل أمان للانطلاق العملي لتطبيق مشروعك النهضوي التحديثي الوطني الشامل – يستحيل وضعه موضع التنفيذ العملي- أقصد إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية حديثة، دون الإقدام أولا وقبل كل شيء، على خطوة شجاعة تمهيدية ولكنها بالغة الضرورة والأهمية، تقضي بإصدار قرار إزاحة أو إحالة إلى التقاعد بحق كل القادة العسكريين الممثلين لمراكز القوى داخل وحدات القوات المسلحة والأمن من الفريقين المتسببين في الانقسام الخطير الحاصل داخل الجيش والأمن بدون استثناء أو مجاملة أو مداهنة، وبحسب علمي فإن إجمالي عددهم لا يزيد في كل الأحوال عن عشرين قائدا بالكثير، وسترى يا فخامة الرئيس الشعب اليمني كيف سيخرج عن بكرة أبيه مؤيداً ومسانداً لك ولقرارك، ومن ثم تتم عملية ليس إعادة الهيكلة فحسب بل إعادة البناء الجذري للمؤسسة العسكرية والأمنية بشكل جذري وشامل من القاعدة إلى القمة.. وإذا عقدت العزم وتوكلت على الله جل جلاله واعتمدت على قوة الشعب اليمني التي لا تقهروالتي أوصلتك إلى سدة الحكم، فلا تصغِ ولا تركن للتأثيرات والضغوط الأمريكية التي لا تريد تحقيق ذلك الهدف الوطني الاستراتيجي بإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية بالكامل على أسس وطنية حديثة معاصرة، وستعمل بكل ما تستطيع على عرقلة إصدار قرار الإزاحة البالغ الحيوية والضرورة المشار إليه، فأمريكا أولا وأخيرا ليست معنية أو مهتمة بك أو بسواك إلا بمقدار ما يخدم ويحقق مصالحها وأهدافها وهي مستعدة دائما على التعامل حتى مع الشيطان في حالة فرض وجوده وأصبح أمراً واقعاً وأبدى استعداده والتزامه بعدم المساس بمصالح وأهداف أمريكا الوطنية، ونحن في هذا الصدد لا نطالبك بالتصادم مع أمريكا مطلقا، بل على العكس تماما نشدد على ضرورة حفاظك على أحسن علاقات وروابط الصداقة والتعاون معها، وصداقتها بكل تأكيد تخدم مصالحنا الوطنية في كل الأحوال إذا ما كانت القيادة الوطنية لبلادنا تحترم نفسها ووطنها وشعبها وذاك ما هو مأمول بالتأكيد. أما إذا ظلت الأوضاع القائمة حاليا تراوح في مكانها، ولم يحدث أي تغيير جوهري وشامل، سوى أننا استبدلنا مركز قوة واحد عائلي فاسد متخلف بمراكز قوى متعددة ومتصارعة، فإن الأفضل لكي لا يستفحل السوء ان تظل القيادات العسكرية المهيمنة من الفريقين معاً في مواقعها دون تغييرعلى الأقل للإبقاء على حالة من التوازن بينهما يحول دون طغيان احدهما وسيطرته الكاملة في حالة اقتصار التغيير على فريق دون آخر، وهو ما يفسح أمامه الطريق لإعادة إنتاج سلطته المتهاوية، وهو ما يجب الحيلولة دون إمكانية تحققه، وحالة التوازن هي خيار الضرورة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا. شيفلد – بريطانيا-  21/8/2012م      

By Editor