التعديلات الدستورية المقترحة والتي تضمنتها رسالة الاخ رئيس الجمهورية الموجهة الى مجلس النواب تبدو اجمالا غير ضرورية ولا تدعو الحاجة الماسة والملحة الى اجرائها لا من حيث توقيتها الزماني ولا من حيث طبيعة الظروف والاوضاع السائدة والمعاشة … ذلك ان الدستوروثيقة ذات شأن عظيم بالنسبة للدول والمجتعات وينبغي ان تكون لها مكانة خاصة وسامية فلا تبقى عرضة للتعديل والتبديل بين فترة واخرى لما يحدثه من ارباك واضطراب وايضا هزالثقة والمصداقية السياسية للدول والنظم السياسية . ولا يعني هذا باي حال من الاحوال اضفاء صفة القداسة على الدستوروعدم جواز المساس به وتطويره ولكنه يعني ضرورة ان تحافظ الصيغ الدستورية على ثبات نسبي واستمرارية معقولة قد تمتد لعقود طويلة من الزمن لان الدستوريعتبربمثابة الهوية المحددة لشكل ومضمون وطبيعة النظام السياسي (الدولة) وسياساته ونهجه واساسه ومقوماته وبموجبها يتم تأسيس العلاقات والتعامل معه داخليا وخارجيا . واذا القينا نظرة تقويمة للتعديلات المقترحة واسباب ومبررات التعديلات فأننا لا نشعر حقيقة بوجود حاجة او ضرورة ملحة تستوجب اجرائها من اي زاوية نظرت اليها وتدليلا على وجهة نظرنا هذه نكتفي بايراد بعض الامثلة على النحو التالي : 1- المادة (100) من الدستوروالمتعلقة بحق رئيس الجمهورية حل مجلس النواب بقرار مسبب واجراء استفتاء شعبي بذلك خلال ثلاثين يوما .. الخ ومقترح التعديل القاضي بشطب اجراء الاستفتاء على قرارالحل ومع تسليمنا بوجاهة المقترح الا اننا لا نرى ضرورة قصوى تقضي بسرعة ادخال هذا التعديل لان قرارحل مجلس النواب لا يحدث عادة في غالبية الدول الا نادرا واذا حدث هذا النادرجدا فان اجراء الاستفتاء الشعبي ليس عقبة كأداء واعباؤه المالية لن تشكل حين ذاك كارثة وطنية حتى نسارع الى تحاشيها . 2- المادة (64) من الدستور التى تحدد مدة مجلس النواب باربع سنوات والمقترح تعديلها لتصبح المدة ست سنوات نجد ان المبررات او الاسباب التى سيقت لتسويغ هذا التعديل كانت ومع احترامنا الشديد واهية الى اقصى حد ذلك ان مجلس النواب باعتباره سلطة تشريعية يضم ممثلي الشعب المنتخبين قد صور وكأنه مدرسة يتعلم هؤلاء النواب فيها دروس ومناهج قيامهم بمهمتهم ولهذا يلزمهم المعرفة والالمام والتدريب وان فترة الاربع سنوات غيركافية لتخرجهم من مدرسة مجلس النواب ! واضيف الى ذلك مبررالاعباء المالية ولو سلمنا جدلا بوجاهة هذه المبررات فان تحاشيها وتجنبها لايمكن ان يتم بتطويل فترة المجلس بل باشتراط توفرمؤهل جامعي للمرشح لعضوية مجلس النواب أما الاعباء المالية فلن تكون عائقا ابدا علما ان بعض الدول تحدد مدة البرلمان بعامين او اقل في بعض البلدان . 3- المادة (125) من الدستور حول انشاء مجلس استشاري بقرارمن رئيس الجمهورية من ذوي الخبرات والكفاءات .. الخ ومقترح التعديل المتضمن تحويله إسماً الى (مجلس شورى) وزيادة عدد اعضائة الى (101) عضوا واعطائه مهام دستورية ويعينهم رئيس الجمهورية . والحقيقة ان هذا التعديل لا لزوم له البتة لانه يهدرامكانيات مالية كبيرة ولأن اختياراعضائه قائم على التعيين وليس الانتخاب وحتى التعيين مطلق لا يضع ضوابط ومعايير محددة وواضحة لعملية التعيين وهو ما سيؤدي الى ارباك السلطة التشريعية والتضارب في الصلاحيات وترجيح كفة الاهواء والامزجة الشخصية في اداء سلطة البرلمان وتضييق الهامش الديمقراطي المتاح . ومن وجهة نظرنا فأننا نعتقد ان التعديلات الدستورية المقترحة لم تتعرض او تلامس اهم وابرز ما كان ينبغي ان تتضمنه واكثرها الحاحا وضرورة مثل: 1- المادة (62) من الدستوروالتي تحدد بشكل نهائي النظام الانتخابي الواجب العمل به وهو نظام الدائرية الفردية بتقسيم البلاد الى دوائر انتخابية متساوية وينتخب عن كل دائرة عضوا واحدا الحائزعلى اكثرية الاصوات من بين المرشحين اي تقسيم البلاد الى ثلاثمائة دائرة ودائرة واحدة. لقد كانت الضرورة الملحة تقتضي ادخال تعديل كلي على نص هذه المادة بصياغة مرنة تفسح المجال وتسمح بتطويرالنظام الانتخابي على ضوء التجربة بحيث يترك التعديل المقترح للتشريعات القانونية مهمة تحديد وتطويرالنظام الانتخابي . ورغم ان رسالة رئيس الجمهورية الى مجلس النواب بالتعديلات الدستورية المقترحة قد تضمنت في مطلعها عند استعراضها للاهداف المتوخاة من مبدأ التعديل في البند اولا من الرسالة ما نصه: (( اولا: إحداث تطويرمهم في بعض جوانب النظام الانتخابي ..الخ))، فان التعديلات المقترحة لم تتعرض من قريب او بعيد، بشكل مباشر اوغير مباشر الى المادة (62) من الدستور التي اقفلت الباب نهائيا عن اي حديث او اجراء يهدف الى تطوير النظام الانتخابي او تغييره بنظام افضل. فلقد اثبتت تجربة الانتخابات السابقة ان نظام الدائرة الفردية المعمول به والمحسوم دستوريا ينطوي على عدد من المساوئ بل والمخاطر الجسيمة التي سوف تهدد على المدى البعيد الوحدة الوطنية للشعب اليمني واهم تلك المساوئ والمخاطر تتمثل : أ- إن المثقفين والسياسيين وسائر الفئات الاجتماعية اضطرهم ذلك النظام الانتخابي الى العودة الى مناطقهم وقراهم وتوظيف كل جهودهم ونشاطهم واهتمامهم لتأسيس وتعزيز وجودهم وتاثيرهم مناطقيا واصبح اهتمامهم بالقضايا والمشاكل الوطنية ثانويا وهامشيا مما ادى الى بروز وتنامي وتعميق الاحاسيس والانتماءات الضيقة على حساب الاحساس والانتماء الوطني.. ب- ومثل الافراد كما في الفقرة ((أ)) الانفة فعلت الاحزاب السياسية والشخصيات الاجتماعية واصبحنا نسمع ان الحزب (( س)) يتركز نفوذه في (( تعز)) والحزب ((ص)) في ((عدن)) واخر في ((صعدة)) وغيره في ((صنعاء)) وهكذا ولهذا الوضع تاثيربالغ الخطورة على مستقبل التلاحم والوحدة الوطنية للبلاد والشعب. ج_ إن الفائزباكثرية الاصوات من بين المرشحين بسبب توزع الاصوات بين عدد كبير من المرشحين في الدائرة الواحدة، لا يمثل في الغالب الاعم اكثرية الناخبين فيها بل احيانا كثيرة يكون فوزه مبنيا على اقلية الاصوات لا تتعدى (( 25%)) من اصوات الناخبين. لهذا كان من الملح والضروري المسارعة الى تعديل هذه المادة بما يوكل لمجلس النواب مهمة سن قوانين باختيارنظام انتخابي جديد يقوم على (( التمثيل النسبي )) بحيث تصبح الجمهورية كلها عبارة عن دائرة انتخابية واحدة تتنافس فيها (( قوائم حزبية )) طالما كانت المادة (5) من الدستور تنص على ان النظام السياسي للجمهورية الى مناطق انتخابية كبيرة ما بين 4-6 مناطق تتنافس فيها قوائم (( نسبية )) او جامدة.. ذلك ان نظاما انتخابيا كهذا من شانه ان يجذر ويعمق ويعززويقوي وشائج وعرى الولاء الوطني ويفرض على الافراد والاحزاب على حد سواء تركيز وتوسيع دائرة اهتمامهم وافكارهم ونشاطهم ووجودهم ليشمل الساحة الوطنية كلها لضمان نجاحهم في الانتخابات اما النظام الانتخابي الحالي فيجعل النجاح في الانتخابات محصورا بمدى اهتمام المرشح بمنطقة دائرته الانتخابية الضيقة فقط. 2- المادة(143) من الدستور والمتعلقة باجهزة السلطة المحلية، فقد كان المؤمل ان تعدل هذه المادة وباقي المواد الخاصة باجهزة السلطة المحلية ، على نحوجوهري يضمن لها مهاما ويعيد توزيع السلطات والصلاحيات على قاعدة اللامركزية وبما يحقق عمليا مبدأ توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحُكم .. غير ان التعديل المقترح لم يتضمن جديدا يذكرفي هذا الصدد، في حين كانت الضرورة ملحة، بالنظر الى تدهورالاوضاع العامة وانفلاتها، في إحداث تغييرجوهري دستوريا يكفل الاسراع في الانتقال من المركزية الشديدة الى اللامركزية الحقيقية لاتاحة الفرصة لمشاركة شعبية واسعة في معالجة الاختلالات العامة والقضاء على الفساد والفوضى والتسبب المتفشي في كافة الاوضاع العامة للبلاد.. 3- المادة( 125) من الدستور الخاصة بالمجلس الاستشاري والسابق الاشارة اليها، فان كثيرا ممن كانوا يتوقعون ان يتضمن مشروع التعديلات المقترحة فيما يتعلق بالمجلس الاستشاري، او مجلس الشورى او اي تسمية اخرى لايهم تعديلا ذا قيمة حقيقية على طريق اقامة تجربة المجلسين في السلطة التشريعية بأن يكون المجلس الاستشاري اوالشوري قائما على مبدأ الانتخاب الشعبي المباشروان يعكس تمثيلا عدديا متساويا لجميع محافظات الجمهورية كأن تنتخب كل محافظة ممثلين عنها خمسة مثلا لهذا المجلس، وان كان ذلك متعذرا، وهو ليس كذلك، فكان بالامكان ان يتم تعيين اعضائه من بين القيادات المنتخبة لمؤسسات المجتمع المدني، نقابات واتحادات مهنية ومتخصصة والكفاءات العلمية العالية في الجامعات مع امكانية اضافة نسبة ضئيلة من اعضائه يمثلون الشخصيات الاجتماعية العامة، أما ان يكون مبدأ تعيين اعضاء هذا المجلس بدون ضوابط ولا معاييرواضحة ومحددة فانه يمثل التفافا على ارادة الشعب في اختيارممثليه للسلطة التشريعية وانتقاصا من صلاحياتها الدستورية المتعارف عليها واخلالا بمبدأ التوازن الدقيق بين سلطات الدولة في اتجاه طغيان السلطة السياسية التنفيذية. 4- المادة (111) من الدستوروالتي لا تجيزلأي شخص تولى منصب الرئيس لأكثر من دورتين مدة كل دورة خمس سنوات فقط، وبكل واقعية وموضوعية نرى ان النص الدستوري بتحديد فترة الرئاسة بدورتين انتخابيتين فقط يعتبرسابقا لاوانه وقفزاً فوق حقائق الواقع الموضوعي المعاش في ظروف واوضاع كالتي تعيشها بلادنا في كافة مجالات الحياة، وفي اعتقادي انه سيكون من الحكمة والموضوعية والمراعاة للمصلحة العليا للوطن لو تم حذف والغاء هذا التحديد لفترة الرئاسة مع الابقاء على مدة الرئاسة بخمس سنوات، فطالما ان الرئيس ينتخب في انتخابات شعبية حرة وديمقراطية وتنافسية، فمن المستحسن ترك مسالة اختيارالرئيس لارادة الشعب وحده عبر الانتخابات ، فان اراد الشعب اعادة انتخاب الرئيس مرة ثانية او ثالثة.. الخ او اراد انتخاب غيره فذلك عائد الى الشعب وحده فهو مصدرالسلطات جميعا. وهكذا يتضح ان تعديلات دستورية حقيقية وجوهرية تشمل تغييرالنظام الانتخابي الحالي بنظام اكثروطنية وايجابية ويحقق مبدأ اللامركزية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية في الحُكم عبر مجالس سلطة محلية منتخبة من ادنى الى اعلى وذات صلاحيات وسلطات دستورية محددة، وقيام المجلس التشريعي الثاني على قاعدة الانتخاب الشعبي المباشروالتمثيل المتساوى لجميع المحافظات او غيرمحلي لتعيين اعضائه من قيادات النقابات والاتحادات واقسام الجامعات العلمية المنتخبة من قِبلْ اطاراتها المتخصصة والغاء تحديد فترة الرئاسة بدورتين انتخابيتين وابقاء مسالة الرئاسة خاضعة لارادة الشعب وحده، تمثل متضافرة ومتكاملة تعديلات دستورية جوهرية وحقيقية يقبلها العقل والمنطق وتفرضها الحاجة والضرورة لانتشال البلاد من واقع التدهور والتردي في اوضاعها العامة وتحقيق نقلة نوعية على طريق المستقبل المنشود. فهل يضع نواب الشعب كل ذلك في اعتبارهم وهم ينظرون في مسألة التعديلات الدستورية المقترحة ويغلبون مصالح الوطن على مصالحهم الشخصية؟ نأمل ذلك والله الموفق وهو القاهر فوق عباده.