الإسلام.. الاختلاف والتعدد،الحرية والسلامالحلقـــــــة الثالثــــــــة: (( صحيفة الامة ))

·        الحقيقة الثانية: سنة الاختلاف والتعدد والتباين في خلق الله:   يؤكد الله سبحانه وتعالى في أكثر من موضع على أن الاختلاف والتعدد والتدافع والصراع سنة من السنن الإلهية التي أرادها الله في خلقه مستنكراً أن يقوم البعض بإكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين, قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} , {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ}, { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}, {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}, {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}, {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}. واستناداً إلى هاتين الحقيقتين الجوهريتين المسوغتين والمؤكدتين, منطقياً, على سلمية الدعوة وآدابها السامية المتحضرة, منح الله سبحانه الإنسان الحرية الكاملة في الاعتقاد والاختيار بين الكفر والإيمان, بعيداً عن القهر والإكراه قال تعالى في التأكيد على هذه الحقيقة. {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}, {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}, {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ}, {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ}, (إن عليك إلا البلاغ وعلينا الحساب), {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}, “محمد:25”. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}, “المائدة:54”. {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. “البقرة:217”. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}, “النساء:137”. مما سبق من آيات, وغيرها كثير, يتضح أمامنا بجلاء تام لا لبس فيه ولا غموض, أن الدين الإسلامي, كما نفهمه من كتاب الله العزيز (القرآن الكريم) المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, ألزم المؤمنين به وأوجب عليهم أن تكون دعوتهم الناس إلى الله سلمية تماماً متقيدة بالحكمة والموعظة الحسنة, والمجادلة أو الحوار بالتي هي أحسن, بل وأكثر من ذلك يعفون ويصفحون ويعرضون عن الجاهلين, والسفهاء, وأن لا يردوا السيئة بسيئة, قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً}, و {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}, و {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. وحول كيفية تعامل المسلم مع المخالفين له في الاعتقاد بمن فيهم المشركون يقول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}, (التوبة:6). لم يكتف الله سبحانه وتعالى بإلزام المسلم بحماية وإجارة أي مشرك لجأ إليه طلباً للحماية, بل ألزمه أيضاً بأن يبلغه أو يوصله إلى المكان الذي يؤمنه ويأمن فيه على حياته. وهنا من حقنا أن نتوجه إلى كل الذين يشنون تلك الحملات العدائية والاتهامات الظالمة ضد الإسلام, من أفراد وهيئات ومنظمات ومؤسسات علمية وإعلانية وثقافية ودول, فنسألهم هل هناك, في تاريخ البشرية كله فكر أو نظرية أو ميثاق أو قانون أو فلسفة دعت أو ألزمت أتباعها بمثل هذا المستوى الواسع من الفهم غير المسبوق لحرية الاعتقاد وكيفية التعامل بمنتهى اللطف والسماحة مع كل المخالفين والمعادين, والرد على الإساءة بالحسنة, بل وبحماية المعادي والدفاع عنه إذا استجاره واعتبار المسلم مسئولاً وملزماً أيضاً بإيصال المعادي له إلى المكان المأمون الذي يأمن فيه على حياته؟ فالإسلام هنا لا يكتفي فقط بإلزام المسلم بالإيمان والعمل بمقتضيات حرية الاعتقاد أمام الجميع, بدون استثناء, بل يحمل المسلم مسئوليتين جسيمتين وكبيرتين: الأولى: التزام أرقى أشكال الحوار وإشاعة السماحة والمحبة والمبادلة السيئة بالحسنة, والعفو والصفح والإعراض عن المخالفين الثانية: إن عليه مسئولية واجبة ومفروضة برعاية وإجازة أي مشرك, وهم أكثر الفئات عداء للمسلمين, وحمايته والدفاع عنه إذا استجار به وإيصاله إلى المكان الذي يحقق أمنه وسلامة حياته مع ما قد تؤدي إليه هذه المسئولية من تبعات ومنها أن يفقد المسلم حياته أثناء أدائها. ولعنا نلاحظ ملاحظة مهمة وهي أن (القرآن) الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كخاتم للرسالات الإلهية السابقة التي تواصل إنزال الله لها على يد رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام على طريق دين الله الواحد, نلاحظ الأسلوب أو المنهج المتميز والمتفرد والأمثل الذي أتبعه القرآن في تعليم وتربية أتباعه بشكل عميق وراسخ قائم على الحجة والمنطق الواضح, فهو, على سبيل المثال, يلزم أتباعه بالإيمان والعمل بحرية الاعتقاد والاختيار بين الكفر والإيمان وينهى عن الإكراه بعد أن اكتمل الدين وتكامل بصيغته النهائية, إذ يقول سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. ثم يعلمنا في موضع آخر ويؤكد لنا حقيقة من الحقائق الكبرى التي اقتضتها مشيئته في خلقه وهي الاختلاف والتعدد فيقول جل جلاله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}, ويعود لمزيد من التأكيد بالقول: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ }.   وغيرها من الآيات السابق الإشارة إليها ويريد الله سبحانه وتعالى أن يعلم خلقه ويؤكد لهم أن الاختلاف والتباين والتدافع بين الناس سنة من سننه في خلقه وإنه لأجل ذلك خلقهم, ثم يوجه سؤالاً استنكارياً جوهرياً لرسوله الكريم: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}, ويزجر الذين لم يستسيغوا هذه الحقيقة الكبرى في الخلق فيقول: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}. ومن أجل كل ما سبق قضت مشيئة الله تعالى وحكمته بأن يكون الحكم والعقاب بشأن مسائل الإيمان الكفر والفسق والنفاق مقصوراً عليه وحده سبحانه وتعالى, ولم يعط أي إنسان من مخلوقاته البشرية, بمن فيهم الأنبياء والرسل, أي حق أو مسئولية للفصل والحكم بشأنها حيث لم يذكر أو يشر إلى أية عقوبات أو حدود دنيوية في حق الكافر أو الفاسق أو المنافق, بل أرجأها إلى يوم القيامة يوم الحساب الفصل والأعظم. ومما هو جدير بالملاحظة أن كل العقوبات والحدود الواردة في القرآن الكريم تتعلق وتتصل بدور البشر وعلاقاتهم وتعاملاتهم بعضهم ببعض لأن هدف الدين هو كما قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}, أي لإقامة حياة اجتماعية إنسانية تقوم على القيم والمبادئ السامية والفضائل الصافية ومكارم الأخلاق. أما مسائل الإيمان والكفر والفسق والنفاق وكل ما يتصل بعلاقة المخلوق بخالقه وعبادته, فلا أحد من الخلق يستطيع الحكم عليهم من حيث صحتها وعدم صحتها صدقها وكذبها, والخالق وحده صاحب الأمر والحكم عليها فهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو أقرب للإنسان من حبل وريده علام الغيوب. والواقع أن المنهج التعليمي التربوي الفريد والمتميز الذي يتخذه القرآن في تربية وتعليم المؤمنين, يستحق الأخذ بمضمونه, وعلينا أن نقرأ القرآن بتدبر آياته ودراستها دراسة منهجية تقوم على استخلاص جميع الآيات والأحكام والأوامر والنواهي الواردة فيها حول كل قضية لوحدها, وبهذا المنهج تتضح أمامنا مقاصد وغايات القرآن متكاملة إزاء كل قضية من القضايا كل على حدة حيث سندرك مدى ترابطها وتكاملها وسينتهي ما يشعر به البعض من وجود شيء من الاختلاف أو التباين بين أية وأخرى في القضية الواحدة وبهذا المنهج لا نكون ممن وصفهم القرآن الكريم: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ}, وعضين: بمعنى مجزأ, أو مفكك. وعلينا أن نفهم الأمر الإلهي: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}, لا بمعنى حسن الأداء والصوت في التلاوة, بل باعتباره يطالبنا بأن نجمع الآيات والأحكام والتوجيهات الواردة في سياقه حول كل شأن أو قضية ونرتبها واحدة بعد الأخرى حتى يتبين لنا الحكم أو الرؤية الشاملة إزاءها, وفيما يتعلق بموقف الإسلام العام إزاء موضوع هذا البند فلعل سورة الكافرون تحدده وتلخصه وتجمله على نحو واضح ودقيق للغاية, قال تعالى في كيفية التعامل مع الكافرين وهم فئة غير أهل الكتاب: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * َلا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}.   ثانياً: الحرب والقتال والسلام والأمن في الإسلام.. اتضح أمامنا من خلال مناقشتنا لموضوع البند الأول آنفاً, أن جميع رسالات وكتب ورسل الله وأنبيائه والتي كان آخرها الرسالة الخاتمة (القرآن الكريم), والتي اكتمل بها دين الله الواحد, وحددت التعاليم والأوامر والنواهي والحدود التي فرضها الله سبحانه وتعالى على البشر وحياتهم الدنيوية بصيغتها النهائية المتكاملة والمكتملة, إن الهدف المحوري الأساسي لدين الله الواحد بجميع رسالاته وكتبه وبيناته وآياته التي نزلت على جميع رسل الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام جميعاً منذ بدء وحتى نزول رسالة القرآن الكريم, وكان ولا يزال يتركز حول تأسيس وبناء حياة الإنسانية مثلى تقوم على القسط والميزان والعدل والسلام والإخاء والتعاون والأمن والتكامل والرحمة وغيرها من القيم الإنسانية الرفيعة, ومكارم الأخلاق الحميدة, وتحرم علاقات البغضاء والأحقاد والعنف والاقتتال والظلم والاستعباد والترويع والإرهاب, وغيرها من القيم والعلاقات الذميمة التي تدمر الحياة المثلى وتفسدها وتنحرف بها عن صراطها المستقيم وغايتها الإيجابية البناءة. كما تبين لنا مما سبق, الأمر والتوجيه الإلهي الرباني الواضح والقاطع الذي يقضي بإلزام المؤمنين باعتماد المنهج السلمي الودي المتسامح في الدعوة إلى الله ديناً وحياة, قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} , وجادلهم بالتي هي أحسن, فإن آمنوا فقد اهتدوا وإن لم يؤمنوا فقل لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وربنا وحده يفصل بيننا يوم القيامة), وموصياً المؤمنين بالإعراض عن الجاهلين, والعفو والصفح والرد على السيئات بالحسنات..إلخ. ومبيناً لهم أن اختلاف الناس وتباينهم وتدافعهم هي سنة من سنن الخلق والحياة التي اقتضتها إرادة الله سبحانه ومشيئته, إذ لو شاء لجعل الناس كلهم جميعاً مؤمنين, وإنه بإكمال الله سبحانه لدينه الواحد للخلق, بنزول رسالة القرآن الكريم, تبين للناس الرشد من الغي, وللإنسان كامل الحرية في الاختيار بين الكفر والإيمان, وألزم المؤمنين بالعمل بمقتضى أمره الواضح, {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}, وقال تعالى: {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ}, “الأنعام:35”. ولم يقتصر الله جل جلاله في تعاليمه وأوامره على كفالة مبدأ حرية الاعتقاد بأوسع معانيها, بل عززها وأكدها بأخلاقيات وممارسات عملية سامية حيث فرض على المسلم إجارة المشرك إذا استجاره حتى يسمع كلام الله بمعنى أن المسلم ملزم بحماية المخالف له في العقيدة والدفاع عن حياته وأمنه وإيصاله إلى المكان الذي يوفر له السلامة والأمن على حياته ومما يمثل, وبناء على كل هذه المنظومة المتكاملة من القيم والمبادئ الأساسية في حرية الإنسان الكاملة في الاعتقاد والاختيار وسلمية الدعوة وتسامحها والتعامل مع المخالفين بالحسنى وحماية حياتهم والدفاع عنهم إذا طلبوا ذلك من المسلم ووجوب ضمان بلوغهم مأمنهم, فليس من المستغرب أن نجد الإسلام, من خلال كتاب الله العزيز القرآن الكريم, مبيناً على غاية إستراتيجية محورية, في مجمل تعاليمه وأوامره وقيمه, وهي منع الحرب والقتال وتحريمه ونشر وتثبيت الأمن والسلام والطمأنينة للإنسان على الأرض. وكل باحث منصف يطلع على جوانب من السيرة النبوية الشريفة والمسار التاريخي لبدء الدعوة إلى الإسلام, سيتضح له جلياً دون أدنى لبس أو غموض, أن رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حينما كلفه ربه سبحانه وتعالى بإبلاغ الناس ودعوتهم إلى كتاب الله القرآن الكريم, كان كل ما يطلبه من مشركي قريش آنذاك أن يتركوه وشأنه ليدعوا الناس إلى الإيمان بالله وكتبه ورسله وتعاليمه سلمياً وبالحكمة والموعظة الحسنة وبالحوار والجدل بالتي هي أحسن, بعبارة أخرى كان كل ما طلبه منهم حرية الاعتقاد وحرية التعبير عن الرأي لا أكثر. ولكنهم رفضوا ذلك رفضاً عدائياً قاطعاً, ومارسوا ضد الرسول والنفر القليل الذين آمنوا به كافة أشكال الإيذاء والإرهاب والاضطهاد والعنف البدني والنفسي, وفرضوا عليه ومن آمن به أقسى أشكال الحصار والمقاطعة, ومنع وصول الغذاء إليهم, وغير ذلك من صنوف الأذى والاضطهاد والإرهاب, مما دفع الرسول والنفر القليل من الذين آمنوا بالدعوة الجديدة معه إلى الفرار من الظلم والقهر والاستبداد الفادح الذي لحق بهم والنزوح خارج قريش طلباً لملجأ يوفر لهم حقهم في حرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي بأمن وسلام إلى أن استقروا بالمدينة المنورة, ومع ذلك لم تكتف قريش بخروجهم منها ولجوؤهم إلى مكان بعيد عنها, بل واصلت إيذاءهم والتحرش بهم بقطع الطرق عليهم ونهب قوافلهم والزحف عليهم بجيش جرار إلى المدينة المنورة لقتالهم واستئصالهم من الوجود. والحقيقة تشير إلى أنه لو كانت قريش قد تركت الرسول يبشر بدعوته الدينية الجديدة سلمياً, وبالحوار الهادئ والمتسامح كما أمره الله سبحانه وتعالى, لما اضطر الرسول والذين آمنوا معه إلى رفع سيف القتال على الإطلاق, لأن دعوته الدينية الجديدة تنهى عن ممارسة العنف والإكراه والحرب وتحرمه أصلاً, أفلا ترون أن أكبر تجمع بشري إسلامي في عالمنا اليوم والمتركز في منطقة شرق آسيا, وخاصة أندونيسيا, لم يكن اعتناقهم للإسلام بفعل الحرب والغزو العسكري, وإنما عبر التجار والرحالة والدعاة الذين كانوا يمثلون في سلوكهم وأخلاقياتهم وتعاملاتهم مع الناس قدوة ونموذجاً جديداً مشرقاً وإنسانياً راقياً جذب الناس هناك للإيمان بالإسلام بحرية وقناعة دون إكراه أو ترويع, ولم تكن الحروب التوسعية التي حدثت بعد انتقال الرسول عليه وآله الصلاة والسلام إلى جوار ربه, وخاصة مع بداية الدولة الأموية وبعدها الدولة العباسية وبعدها إمارات متعددة والدولة العثمانية, وغيرها. برغم أنها حروب تمت تحت شعار (الجهاد في سبيل الله لنشر دعوة الإسلام وتوسيع دولته). إلا أنها لم تكن معبرة عن الإسلام كدين ولم يأمر بها الله سبحانه وتعالى أصلا؛ لأن دعوته تقوم على مبدأ الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن سلمياً على أسس من الأخلاق الرفيعة والتسامح والعفو والرد على السيئة بالحسنة…إلخ. ويمكننا القول بأن تلك الحروب قامت بناء على مقتضيات واعتبارات سياسية واقتصادية وإستراتيجية فرضتها متطلبات ودواعي الملك والحكم والسلطان وإن كانت قد اتخذت من الإسلام شعاراً وذريعة لإضفاء قوة المشروعية الدينية عليها, والواقع أن الإسلام كدين هداية ورحمة لم يعن بمسألة إقامة كيان سياسي أو دولة للمسلمين دون غيرهم من الناس؛ لأنه نزل هدى ورحمة للناس كافة ودولته هي العالم على امتداده حيث توجد حرية الاعتقاد والتعبير السلمي البناء, ومع ذلك فإنه يمكننا القول بأن الإسلام كدين لم يدع إلى إقامة كيان سياسي أو (دولة) وفي نفس الوقت لم يحرمها, وإنما تركها ضمن منطقة الفراغ التشريعي التي تجيز للناس تقرير مدى المصلحة في إقامة دولة من عدمها, وفقاً لمقتضيات ظروف الزمان والمكان. وبناءً على ما سبق فالدين الإسلامي جاء في رسالته الخاتمة لرسالات وكتب دين الله الواحد, ليؤكد ويرسي ويثبت مبدأين استراتيجيين…. يتبــع      

By Editor