في الحلقة السابقة اؤضحنا بكل جلاء رفضنا وادانتنا المطلقة للهجمات الارهابية التي تعرض لها الشعب الامريكي التي راح ضحيتها الالاف من المدنيين الابرياء الأمنين ينحدرون من مختلف الاجناس والاعراق والديانات اطفالا وشيوخا ورجالا دون ذنب اقترفوه وبينا ان الحكومة الامريكية تملك كل الحق في ملاحقة وضرب الارهابيين المسؤولين عن تلك الجريمة الانسانية الشنعاء منفذين ومخططين وداعمين ومناصرين اينما وجدوا مع وجوب تقديم العالم اجمع ما يستطيع من عون ومساندة في هذا الصدد لاعتبارات انسانية واخلاقية متعارف عليها عالميا .. وتوقفنا قليلا لمناقشة المشروع الذي تبنته الادارة الامريكية وراحت تعمل بحماس ونشاط منقطع النظيرموظفة كل ثقلها وامكانياتها وتاثيرها الهائل لانجاحه وهو اقامة ( تحالف عالمي ) واسع النطاق بقيادة امريكا لشن حرب حاسمة وشاملة ضد الارهاب والارهابيين في العالم وحددت امريكا معيارا واحد وهو ان اي دولة في العالم لاتوافق على الانضمام لهذا التحالف فورا فسوف تصنف تلقائيا بانها دولة ارهابية او داعمة للارهاب وان عليها ان تضع مرافقها وارضها وسماءها وبحارها وسائر التسهيلات تحت امرة وتصرف امريكا في نشر وتموضع وتحرك قواتها العسكرية التي راحت تحشدها وتعبئها وتنشرها في ارجاء العالم مزودة بالة هائلة من اسلحة الدمار الشامل الحديثة والفتاكة بما في ذلك الاسلحة النووية التكتيكية تقريبا في اضخم حشد عسكري يشهده العالم في التاريخ الحديث .. وكان راينا ورؤيتنا تتحدد بانه ومع تسليمنا بان الحرب ضد الارهاب ينبغي ان تكون مسؤولية دولية شاملة وواجبا ملزما على كافة دول العالم بدون استثناء ، الا اننا نرى ضرورة ووجوب اخضاع الحرب الشاملة والعالمية ضد الارهاب والارهابيين للضوابط ومعايير الشرعية الدولية كمرجعية عليا تحتكم اليها جميع دول العالم بدون استثناء وهي الامم المتحدة بهيئاتها ومنظماتها الدولية المتخصصة بدءا باصدار (ميثاق عالمي ) لمحاربة الارهاب تعريفا محددا وواضحا لماهيته وطبيعته دون غموض او لبس او خلط يتركه خاضعا للاهواء وحسابات ومصالح هذه الدولة او تلك، ويحدد مسؤوليات وواجبات دول العالم في محاربة الارهاب واجتثاث جذوره واسبابه وعوامل تزايد خطره واتساع نطاقه وتاثيره ويرسم بوضوح وجلاء الاجراءات او العقوبات التي سيفرضها المجتمع الدولي على اي دولة تمارس الارهاب او ترعاه او تسانده بشكل مباشر او غير مباشر او تمتنع عن القيام بمسؤولياتها وواجبها في افساح المجال لتسهيل مهمة اي تحرك دولي لضرب اوكارالارهاب او الارهابيين ومرورا بانشاء اليات عملية فعاله ضمن نطاق الشرعية الدولية ، ذاتها وليس خارجا عنها مثل فرق التحري والتقصي والتحقيق والتدقيق المتعلق بالاعمال الارهابية وتحديد المسؤولين الحقيقيين عنها تخطيطا وتمويلا وحماية ومساندة وتنفيذا على نحو متجرد وحيادي ونزيه وتحويل نتائج اعمالها للنظر واصدار الحكم الدولي العادل امام محكمة دولية تنشأ خاصة لمحاربة الارهاب ، لتتولى الشرعية الدولية تنفيذه دون غيرها عبر هيئاتها القائمة حاليا والتي يمكن الاتفاق على تجديدها وتطويرها لاحقا استنادا الى التطورات والمتغيرات الهائلة التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الان ، كمجلس الامن الدولي، والجمعية العامة، والقيادة العسكرية لقوات الامم المتحدة وتحت اشرافها وتوجيهها وقيادتها على نحو تام وكامل ، وهذا لايقضي بالضرورة ، عدم الاستعانة بقوات وامكانيات وقدرات هذه الدولة او تلك من دول العالم حيث ان بعض الحوادث والاعمال الارهابية الخطيرة تستلزم الاستعانة بمن تراه الشرعية الدولية من دول العالم وخاصة منها تلك المتضررة مباشرة من الاعمال الارهابية، المهم هو ان تكون تلك الاستعانة بتكليف وتحت اشراف قيادة الشرعية الدولية كما هو الحال فيما يتعلق بقوة حفظ السلام الدولي. ان راينا هذا مبني على قاعدة الوعي والادراك الموضوعي المتجرد لحقيقة ان اطلاق يد هذه الدولة اوتلك واعطائها الحرية المطلقة دون معايير وضوابط والتزامات محددة وواضحة وملزمة في تحديد طبيعة الارهاب واصدار احكام جزافية ضد من تعتبرهم ارهابيين مسؤولين عن اعمال وحوادث عنف افرادا، كانوا ام منظمات، وحركات سرية والشروع في تنفيذ ماتقرره من عقوبات واجراءات عقابية عسكرية او اقتصادية او حصار او غيرها من الاجراءات الانتقامية من شانه ان يؤدي حتما الى ممارسة الدول القوية والكبرى لاشكال متعددة من الظلم والطغيان والقهر ضد الدول الاضعف والاصغر بغرض ابتزازها او اخضاعها بالقوة لسياسات ومصالح الدول الاقوى ولاكبر باستغلال وتوظيف تهمة الارهاب على نحو غير مشروع وبدون حق اودلائل مادية دامغة وهذا وضع غير سوي ولا يحقق الاستقرار والامن الدوليين ولا يخدم هدف اقامة علاقات دولية عادلة ومتكافئة تقوم على مبادئ التعاون والتكامل والوئام وبعبارة اخرى مختصرة فانه يخشى من ان تتحول تهمة الارهاب ومحاربته الى ذريعة لتصفية حسابات وخصومات ومنافسات بين دول العالم وهو ما سيحدث حتما اذا لم يسارع المجتمع الدولي الى وضع المعايير والضوابط الكاملة والحازمة في كيفية واسس التعاون الدولي مع مسالة الارهاب ومحاربته . هذا اضافة الى وجود احتمالات قوية ومنطقية باندفاع هذه الدولة او تلك وخاصة تلك التي تتعرض لاعمال ارهابية مباشرة ، الى اتخاذ تدابير والقيام باجراءات وتصرفات انتقامية متعجلة تحت تاثير ردود الفعل العاطفية وثورة الغضب الطبيعي بحق دولة او طرف ما، ثم يتبين عدم مسؤوليتها وبراءتها من التهمة التي كانت سببا خاطئا لتعرضها للانتقام في غير محله وبالتالي تعرضها للتدمير وسقوط ضحايا ابرياء لا علاقة لهم بالموضوع. ويؤكد التاريخ الانساني حدوث مثل تلك الاجراءات الانتقامية المدمرة والمبنية على تقييم خاطئ وغير دقيق لعل اقربها زمنا الينا وافظعها الغارات العسكرية الجوية والصاروخية التي شنتها امريكا قبل سنوات عديدة على المدن والمنشآت الليبيةالتي نتج عنها سقوط اعداد كبيرة من الضحايا المدنيين والمنشآت المدنية والصناعية كرد فعل انتقامي لتفجيرحدث في احد ملاهي ايطاليا ادى الى مقتل واصابة عدد من العسكريين الامريكيين من رواد ذلك الملهى واتهام امريكا لليبيا وتحميلهاالمسؤولية ثم تبين بعد حين من الزمن وعبر القضاء الايطالي نفسه براءة ليبيا وعدم مسؤوليتها عن ذلك الحادث بعد معرفة الجهة الحقيقيةالمسؤولة عنه، ورغم كل ذلك فلم تكلف امريكا نفسها ولو مجرد الاعتذار عن ذلك الاجراءالمتعجل الخاطئ ناهيك عن عرض التعويض القانوني لنتائجه ونفس الشئ بالنسبة لتدميرامريكا بالصواريخ مصنع الشفا للادوية في السودان بحجة انه مصنع ينتج اسلحة كيماوية لاسامة بن لادن وهكذا . ولهذا يحق للعالم ان يشعر باعلى درجات الخوف والقلق بل والفزع والرعب ، وهو يتابع المشاهد المتتابعة لخطوات تعبئة وحشد وانتشارالقوات العسكرية لاقوى دولة في العالم وهي امريكا اضافة الى قوات حلفائها في حلف الناتو وقوات غيرهم من المساندين في اضخم حشد عسكري لم يشهد العالم مثيلا له في تاريخه المعاصر،اكثر من الف وخمسمائة طائرة حربية متطورة واكثر من خمسة الاف دبابة حديثة وحاملات طائرات واساطيل بحرية وصواريخ بالغة التدمير وغيرها من اسلحة الدمار الشامل الما حق، وهي اسلحة تكفي وتزيد لتدمير العالم باسره وافناء كافة مظاهر الحياة البشرية على كوكبنا الارضي فناء تاما وكاملا ، ومن حق هذا العالم المفزوع والمرعوب ان يتساءل ؟! هل هذا الحشد العسكري الرهيب والمنتشر على امتداد العالم يتطلبه حقا مواجهة شخص فرداسمه اسامة بن لادن مع قاعدته التنظيمية بل وحركة سياسية تدعى (طالبان ) وتحكم افغانستان البلد الذي لاتوجد فيه ابسط مظاهر الحياة الانسانية وشعبها يطحنه شظف العيش والفقر والمجاعة ؟ ولو انا سلمنا جدلا بمسؤولية هؤلاء جميعا مسؤولية مباشرة مثبتة بالدليل المادي القاطع وهو مالم يثبت حتى الان، عن الهجمات التسليحية والعسكريةوالاقتصادية والعلمية..الخ. ولو افترضنا ان امريكا تريد ان تنتقم منهم وتضربهم وتقضي عليهم قضاءا مبرما فان هذا الهدف يمكن تحقيقه بنجاح كامل وحاسم وباقصر الطرق واسهلها واقلها كلفة وخسائر مامونة العواقب والتوقعات وذلك عن طريق دعم قوات المعارضةالافغانية في الشمال بقليل من الاسلحة والعتاد الحربي والمساعدة المالية مع اشكال بسيطة من الدعم اللوجيستي والمعلومات الاستخبارية بالتزامن مع طوق من الحصار تفرضه الدول المجاورة جغرافيا لافغانستان وذلك كله كفيل بالتاكيد القاطع باسقاط نظام حكم طالبان في بضعة ايام وليس اسابيع او شهور ، وهو مايتيح لامريكا وغيرها ان تلاحق بعدئذ وتتعقب وتعتقل وتحاكم من تريد ممن يتخذون من افغانستان ونظامها منطلقا وقاعدة حماية وماوى لهم من الارهابيين، اما ان يتم ذلك عن طريق حشد عسكري رهيب ومخيف يكفي تماما لخوض حرب كونية شاملة وطويلة المدى وواسعة الدمار والفناء فانه يلقي ظلالا كثيفة من الريبة والشكوك الجادة والحقيقية حول الاهداف المخيفة لذلك الحشد العسكري الجرار وان تستر واختفى خلف ذريعة الحرب ضد الارهاب المحدد بين بن لادن وحركة طالبان اساسا . ورغم ذلك ومع علمنا يقينا بان صوتنا هنا وفي ظل الظروف السائدة حاليا مثله مثل كثير من الاصوات التي ترتفع في العالم كله على امتداده محذرة ومنبهة الى المخاطر الجسيمة والعواقب الوخيمة ومساراتها كما نراها سائرة بخطى حثيثة الى غايات واهداف غير واضحة ولامحدده دون ان تجد تلك الاصوات اذانا مستعدة لوعيها واخذها في الاعتبار، الا اننا نجد من واجبنا تسجيل موقفنا وراينا براءة للذمة وللتاريخ فنقول مؤكديين ومكررين على اهمية وضرورة وحيوية اخضاع مسالة الارهاب ومسؤولية محاربته للقوة الشرعية الدولية اخضاعا كاملا وشاملا اذا اردنا للحرب ضد الارهاب العالمي ان تكتسب مشروعيتها ومصداقيتهاوفاعليتها والزاميتها لجميع الاسرالدولية دون استثناء وذلك على نحو ما رايناه ونراه من تقيد كافة دول العالم والتزامها الكامل بتنفيذ ما يسمى بقرارات الشرعية الدولية التي تفرض عقوبات مختلفة على بعض الدول بدءا بالعقوبات الاقتصادية والحصار الشامل والمقاطعة الدبلوماسية والتجارية وانتهاء بالعمل العسكري المباشر كما هوجار بالنسبة للعراق وكما جرى ليوغسلافيا الصرب وغيرها من الدول ويمكن ان يتحقق ذلك عبر الخطوات والاجراءت الرئيسة التالية : 1) الاخذ بمضمون مبادرة الرئيس المصري محمد حسني مبارك التي لا تزال مصر تطرحها مرارا وتكرارا على العالم منذ سنوات عديدة خلت ، والداعية الى عقد مؤتمردولي خاص بالارهاب ومواجهته عالميا دون ان يصغي احد اليها وربما تحقق ذلك من خلال الدعوة الى اجتماع استثنائي طارئ للجمعية العمومية للامم المتحدة على مستوى رؤساء وزعماء العالم على ان يسبقه تحضير واعداد جيد وكامل لاعماله ومناقشاته ويكون مكرسا لمشكلة الارهاب ومسؤولية الاسرة الدولية في محاربته والقضاء عليه ، ينتج عن ذلك المؤتمر الدولي الطارئ الاتفاق على وثيقة (اعلان عالمي ) يحدد ماهية الارهاب وطبيعته واشكاله ويميز بين اعمال العنف ذات الطابع الاجرامي الارهابي وبين اعمال العنف ذات الطابع المشروع كحق الشعوب في مقاومة الاحتلال العسكري لا راضيها والنضال من اجل الحرية وتقرير المصير ويحدد بوضوح تام الحقوق المشروعة للاقليات الاثنية والدينية ومتى تكون مقاومتها المسلحة لنيل حقوقها تلك مشروعا، ومتى تكون ارهابا، بالاضافة الى خروج المؤتمر الدولي باتفاق واضح وملزم على الاساليب والاليات العملية التي تضبط وتنظم وتوجه وتقود جهود وحركة كافة دول الاسرة العالمية المتضامنة والمتناسقة في مواجهة الارهاب ومحاربته والقضاء عليه مثل جهاز التحري والتحقيق والتدقيق والمحكمة الدولية الخاصة بجرائم الارهاب والحروب والابادة الانسانية ، وغيرها من الاليات والاطر التابعة للشرعية الدولية بالاضافة الى تحديد طبيعة العقوبات والاجراءات الرادعة ونوعياتها التي يمكن للمنظمة الدولية ان تقرها على الدول والمنظمات والافراد ذات العلاقة المباشرة اوغير المباشرة بالارهاب واعماله . 2) العمل على نحو متزامن ومتكامل مع الخطوة السابقة انفة الذكر، بمضمون مبادرة الرئيس الايراني الدكتور/ محمد خاتمي الداعية منذ سنوات خلت الى اجراء وادارة حوار مفتوح وجاد ومتعمق بين الحضارات الانسانية والديانات السائدة في العالم في اطار الشرعية الدولية ، وذلك بهدف تحقيق التعارف الافضل والمتبادل بين مختلف الحضارات والثقافات والديانات السائدة في العالم وتاكيد مبدا القبول والتعايش السلمي والتفاعل الايجابي البناء بينها جميعا في اطار من الاحترام للخصوصيات الحضارية الثقافية والدينية لشعوب وامم العالم كافة ويكفل بالتالي توظيف واستثمار جهودها وامكانياتها جميعا لما يحقق خير وازدهار ورقي وسلام البشرية كافة . وبهذا المنهج وحده يمكننا ان نتطلع بامل وثقة الى امكانية تاسيس واقامة نظام عالمي جديد تعيش في ظله الانسانية جمعاء في اجواء صحية وصحيحة من الامن والسلام والوئام والحق والعدل والتعاون الجاد لخدمة قضايا الانسانية واهدافها السامية . وبدون مثل هذا المنهج الايجابي البناء فانه لايمكننا ان نتصور سوى انتشار الفوضى وسيادة شرعية الغاب التي ياكل فيها القوى الضعيف وتصبح شرعية القوة فوق شرعية الحق بما تفضي اليه من طغيان وظلم وقهر يجعل العلاقات بين شعوب العالم ترقص على بركان من الاخطار والحروب المؤسسة على ارضية من الدماء والجماجم والمعاناة والعذاب الانساني اللامتناهي، وبما ان المجتمعات الغربية عموما قد تكونت وتعمقت لديها عقدة متاصلة تجاة الاسلام والمسلمين بمن فيهم العرب ، الى الحد الذي صارت فيه كافة اشكال الارهاب والعنف والتخلف والهمجية تلصق وتقرن على نحو تلقائي ودائم بالاسلام والمسلمين العرب حقا وباطلا ، فماذا يجب على العالم الاسلامي بمافيه العرب ان يفعله في مواجهة مثل تلك العقدة المتاصلة لدى الغرب والتي لاشك بان استمرارهايعود بنتائج سلبية وعواقب وخيمة على المسلمين والعرب عموما ؟ وذلك ما سنحاول تناوله في حلقة قادمة باذن الله تعالى .