الإخوان المسلمون.. “جماعة” و”حزب”، لماذا وما الحكمة؟ الحلقة الثانية والأخيرة صحيفة الوسط

انتهى بنا الحديث في الحلقة الأولى السابقة وتوقف عند سؤال يطرح نفسه بإلحاح حول ماهية الحكمة والأسباب الكامنة وراء إقدام حزب أو قوة سياسية كبرى واحدة وموحدة تنظيمياً على إزدواجية أو ثنائية أو تعددية الإطار السياسي التنظيمي الحزبي المُعبر عنها والمُمُثل لها؟ إذ من المعروف والمتعارف عليه، كقاعدة أساسية وراسخة من قواعد العمل السياسي الحزبي المُنظم، أن كل حزب أو جماعة سياسية، كبيرة كانت أم صغيرة، تحرص أول ما تحرص وبإستمرار على ضمان وترسيخ واحدية الشكل الحزبي التنظيمي المُعبر عنها والمُمُثل لها سياسياً وقانونياً، في حال علنية وتعدد الأحزاب ومشروعيتها، ودائما ما تعتبر أي انشقاقات أو ثنائية أو تعددية في الإطار التنظيمي الحزبي المُعبرعنها، على أنه يمثل خطراً داهماً لوجودها وإضعافاً لثقلها ونفوذها وتأثيرها السياسي العام، وإشارة واضحة على إخفاقها وعجزها وخطأ سياستها وتقصير قياداتها يُعرضها للمساءلة والمحاسبة ويحملها مسئولية مثل ذلك الخلل، ولم يحدث في ماضي التاريخ السياسي الإنساني المعاصر، في حدود علمنا ومعرفتنا، أن تسعى جماعة سياسية “حزب” وتبادر إلى خلق وإنشاء شكل أو إطار حزبي جديد يمثلها ويعبر عنها سياسياً إضافة إلى جانب إطارها الحزبي الأصيل والقائم فعلا بحيث يصبح لها حزبين أو أكثر !! وعلى ضوء هذه الحقائق غير المختلف عليها ما هي الحكمة والمبررات والأهداف التي أقنعت ودفعت قيادة “تنظيم الإخوان المسلمين” إلى الأخذ بخيار ثنائية وازدواجية الإطار الحزبي المُعبر عنها سياسياً !، والواقع أن الإجابة على هذا السؤال الجوهري تكتسب أهمية كبرى لتحقيق فهم أفضل وأشمل لأقدم وأقوى وأكبر قوة سياسية مُنظمة على إمتداد التاريخ السياسي المعاصر لعالمنا العربي والإسلامي، وذلك ما يُلقي على عاتق باحثينا ومُحللينا ومفكرينا السياسيين مسئولية المبادرة إلى تحقيق إجابة أدق وأشمل على ذلك السؤال المُهم، وهي مسئولية لا تقتصر على أولئك الآخرين من خارج “الجماعة” أو “التنظيم” أقصد الإخوان المسلمين، بل يجب أن تشمل، وعلى نحو أخص، قادة وباحثي ومفكري “الجماعة” نفسها، وذلك لأنهم أكثر معايشة ومعرفة وفهماً لها من داخلها ومن واقع حراكها العملي العام ومسيرتها الحية المباشرة. إن حديثنا هذا يندرج ضمن دائرة المحاولة، مجرد محاولة، أولية على طريق ذلك الهدف، لا تدعي لنفسها الإلمام والمعرفة والإدراك، ولا ينبغي لها مثل هذا الادعاء، ولكنها تقتصر على مجرد إثارة الاهتمام والحث على البحث والدراسة والتحليل حول ذلك الموضوع المُهم والبارز، مُسجلة لبعض النقاط والتصورات والملاحظات والاستنتاجات الأولية المبنية على معايشة وإهتمام شخصي عن قُرب منذ سنوات طويلة مضت لتجربة ومسيرة تنظيم الإخوان المسلمين باعتباره “الرائد ” والمُدشن الأول لما يمكن أن نسميه بالإسلام الحزبي السياسي المُنظم في العالم الإسلامي تقريباً، دون إدعاء الصواب سلفاً، وحسبنا لفت الانتباه وإثارة الاهتمام كخطوة تمهيدية لجهود ومحاولات وضع إجابة واضحة وشاملة ودقيقة إلى حد معقول للسؤال المطروح. وفي بداية محاولتنا هذه ومن أجل رؤية وفهم أفضل، فإن هناك ضرورة لنطل إطلالة سريعة على طبيعة البناء التنظيمي الذي اعتمدته الجماعة منذ البداية وسارت عليه والتزمته بما في ذلك معايير وشروط وإجراءات الكسب والاستقطاب الحزبي للأفراد وضمهم إلى التنظيم كأعضاء، وأيضا منهج وبرنامج التوعية والتثقيف العام والإلزامي للأعضاء، وتأثير وإنعكاسات كل ذلك على مُجمل الهيكلية التنظيمية للتنظيم والانضباطية الصارمة لحركته ونشاطاته وفعالياته العامة، والأهم من ذلك على الولاء المطلق والطاعة التامة من قبل الأعضاء، وعقلياتهم ورؤاهم ومواقفهم إزاء “كل الخارج” عن الجماعة من دولة وأحزاب ومنظمات ومجتمع وأفكار وايديولوجيات ..الخ. وتبدأ العملية برمتها، وخاصة بعد دخول الجماعة أو التنظيم في مواجهات ومصادمات عنيفة مع نظام الحكم “مَصر”، وبمختلف حلقاتها ومجالاتها المشار إليها آنفا، تبدأ منطلقة من مقدمة أو مُسلمة أساسية مؤداها أن الإسلام -كدين- بشموله في خطر حيث تتكالب عليه وتحيط به من كل جانب قوى كثيرة ونافذة ومعادية له وتستهدفه بكافة السبل والوسائل لإجتثاثه وتدميره وتصفيته من الوجود،  وتُمثل على إختلافها وتعددها، محور الكفر والإلحاد والشرك، وبعد التأكيد والتشديد على هذه المقدمة أو المسلمة مباشرة يُطرح السؤال: ما العمل؟، كيف ندافع عن الإسلام – الدين – ونحميه ونحافظ عليه؟؟، وتكون الإجابة المُوجهة والمُتحكم بمسارها بعناية بداية طريق الإلتحاق بالجماعة والإنضمام إلى عضويتها على وجه العموم والإجمال، وكل من يجتاز هذه المرحلة بنجاح وينال التزكية المطلوبة ينتقل إلى صفوف “الأنصار” وهي مرتبة تعني أنه أصبح عضوا ” مرشحاً” ولا بد للجميع أن يمكثوا في هذه المرحلة خمس سنوات يخضعون خلالها لشتى صنوف وأشكال الاختبارات والمحطات والتدقيق والتحري والتقويم المستمر ويخضع لبرنامج تثقيفي مكثف ومتصاعد، فإن اجتازها بنجاح ونال التزكية يصبح عضواً في التنظيم أو الجماعة في أدنى مستوى من المستويات والمراتب التنظيمية المتعددة ويترقى فيها بحسب بلائه وانضباطه وحرصه البالغ على السرية المطلقة ودرجة الولاء والطاعة التامين اللتين يبديهما خلال مسيرته الحزبية..ويخضع كل عضو، منذ قبوله كمرشح، لبرنامج تثقيفي توعوي مكثف وممنهج ومتصاعد وإلزامي، ويُبنى ذلك البرنامج – الذي يكتسب أهمية بالغة في بناء الجماعة أو التنظيم – على الأسس والمضامين والأهداف الرئيسية التالية، أو بالأصح أهمها وأبرزها، كما يلي: 1)  قراءة وحفظ أجزاء من “القرآن الكريم” وتفسيرها من كتب تفسير مختارة، إضافة إلى “الأحاديث النبوية” وكتاب “رياض الصالحين” كواجب مُلزم لاتهاون فيه. 2)  قراءة ومناقشة مجموعة مختارة من الكتب والدراسات ذات الطابع الديني من تأليف مجموعة من قادة وباحثي ومفكري الجماعة، والتي، كما سبق أن أشرنا إلى طبيعتها وسماتها في سياق الحلقة الأولى من هذا الحديث، تأثر مؤلفوها بنتائج وانعكاسات وأجواء مراحل المواجهات والصراع المرير الذي خاضته الجماعة مع نُظم الحُكم القائمة، بكل معاناتها وآلامها وعذاباتها، وانعكست على كتاباتهم التي أفرطت إفراطا ًكبيراً في إستغلال الإسلام واستثماره وتوظيفه عسفاً وقهراً وتكييفه ومواءمته وتأويله بما يبرر ويسوغ ويخدم صراع وخلاف الجماعة – التنظيم– مع نُظم الحُكم القائمة، وراحت تمدد وتوسع من دائرة “التكفير” و”التفسيق” على نحو غير مسبوق طوال التاريخ الإسلامي، ولم تقتصر تلك الدائرة على نظام الحُكم وسياساته ورجاله ومؤسساته فحسب، بل إمتد ليشمل كل الأحزاب والقوى السياسية والتوجهات الفكرية والايديولوجية وصحفها ورجالها وكتابها، إلى أن وصل الأمر بها حد الحكم على كل “المجتمع” بالكفر والفسوق والارتداد، لتحث وتدعو إلى مفاصلة الجميع باعتزالها ومقاطعتها والهجرة منها بعيدا..الخ، وتعميق فكرة واعتقاد وإيمان أفراد الجماعة أو التنظيم بأنهم وحدهم الذين يملكون الحق والحقيقة باعتبارهم “المسلمين الأنقياء” والفرقة الناجية الوحيدة من عذاب الله ومقته. 3 )  ركز البرنامج التثقيفي التربوي المُلزم على تعميق وترسيخ الاعتقاد لدى الأعضاء بضرورة المحافظة على تميزهم ونقاوتهم الدينية واستقامتهم الإيمانية، بتحاشي الاختلاط المفتوح والتعامل والتفاعل غير الضروري مع المجتمع وكل قواه وحركاته السياسية والثقافية والاجتماعية، وعدم القبول أو الأخذ بأي رأي أو فكرة أو حتى بآيات قرآنية وأحاديث نبوية إذا أتت من أي شخص أو جهة أو مصدر خارج الجماعة فلا قبول أو أخذ لأي شيء بالمطلق ما لم يأت عن طريق أميره أو مسئوله التنظيمي في الجماعة ! وبالمقابل توسيع نطاق العُرى والوشائج والعلاقات الإنسانية والاجتماعية إلى أقصى الحدود بين أعضاء الجماعة بعضهم ببعض عبر التزاور الدائم وتَفقُد أحوالهم والخروج في فترات زمنية محددة إلى رحلات الخلاء “الخروج في سبيل الله” والتكافل والتعاون فيما بينهم، وتحاشي ترك العضو في حالة انقطاع عن الجماعة ولو لأيام قليلة حيث يحرص كل الحرص على ربط المسافر منهم إلى أية منطقة أخرى داخل البلاد أو خارجها، بأعضاء الجماعة في تلك المنطقة المسافر إليها! المهم أن لا يترك العضو بأي حال من الأحوال منقطع الصلة بالجماعة ولو لفترة زمنية قصيرة جدا. 4)  وحرص برنامج التثقيف التربوي كل الحرص، على غرس وتعميق إعتقاد الأعضاء وإيمانهم الراسخ بأن انتماء العضو إلى الجماعة – التنظيم–  يُعد مسألة إيمانية عبادية لا يصح أو يكتمل إسلام المرء أو إيمانه بالله تعالى ودينه القويم بدون ذلك الانتماء التنظيمي السياسي، استنادا إلى أن الإسلام دين ودولة، عبادة وسياسة ، والفصل بينهما ضرب من ضروب الكفر والفسوق، وأن الولاء الكامل والطاعة المطلقة للجماعة – التنظيم- ولقيادته وأميره واجب ديني مقدس ومُلزم والوجه الآخر المُكمل للإيمان بالله سبحانه وتعالى والولاء والطاعة المطلقة له سبحانه ولرسوله، وأن التمرد والخروج عن الجماعة – التنظيم – الأمير وشق عصاها كفر وارتداد توجب القتل “من شق عصا الجماعة فاقتلوه”! وإعمالا وتجسيداً لهذه القناعة الراسخة المغروسة في أذهان وعقول وتفكير الأعضاء، فإن أقصى ما كان يذهب إليه أي عضو، في حالة خلافه وعدم اتفاقه بالرأي مع قيادة وسياسة الجماعة- التنظيم-، على ندرة حدوث ذلك – هو الانسحاب بهدوء وصمت والانكفاء الكلي والدائم على النفس دون أي موقف أو ردة فعل من أي نوع. 5)  كان ذلك المنهج أو البرنامج التثقيفي التربوي الشامل، بمعالمه وملامحه الرئيسية المشار إليها آنفا، هو المنهج والبرنامج الموحد والمعتمد للإخوان المسلمين وقد أصبحوا ” تنظيما عالميا” أمميا واحدا له فروعه المنتشرة في الكثير من الدول العربية والإسلامية وله وجوده ونشاطه وحركته في أرجاء مختلفة من الكرة الأرضية، ويُدار بقيادة سياسية واحدة وعبرآليات وقنوات تنظيمية وسياسية وثقافية واحدة، والحقيقة أن ذلك المنهج والبرنامج الموحد حقق نجاحاً ملموساً في خلق التجانس والانسجام والتماثل الفكري والثقافي والسياسي بل وحتى السلوكي النفسي بين أعضائه على امتداد بلدانهم ومجتمعاتهم ومناطق تواجدهم على المستوى العالمي. وعلى ضوء معالم ومضامين وشروط ومعايير وأسس البنية التنظيمية والثقافية والسياسية والسلوكية للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين والتي أشرنا إلى أهمها وأبرزها آنفا، نستطيع القول بأنها بنية مقفلة ومنغلقة على ذاتها طوال مراحل مسيرتها منذ التأسيس وحتى الآن تقريبا، ولم تُبن في بيئة ومناخات مفتوحة يجعلها خاضعة أو محكومة بمقتضيات وعوامل قوانين التأثير والتأثر والأخذ والعطاء التفاعلية الطبيعية.. ومعلوم أن كل جماعة إنسانية نظمت نفسها سياسياً في بنية تنظيمية مقفلة ومنغلقة على ذاتها، عادة ما تتعرض لهزات ومخاطر كبيرة وتجابه تحديات وعواصف عاتية، عند منعرج متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية وثقافية وبنيوية تعصف بمجتمعاتها تحقق لها مناخ الحرية والديمقراطية والشفافية الصحيحة، حينها تجد تلك الجماعات ذات البنى التنظيمية المقفلة والمنغلقة على ذاتها والمعزولة عن حركة التفاعلات الحيوية الطبيعية في المجتمع نفسها فجأة وعلى غير استعداد وسط ضوء الشمس الساطع وداخل دوامة عاصفة من تفاعل وتدافع وجدل الآراء والأفكار والتصورات المتلاطمة أمواجها ورياحها الهائجة المائجة، تماماً كأي إنسان حُجب عنه الضوء والنور لزمن طويل ثم غمره النور فجأة فأغشى بصره متخبطاً بحثاً عن طريقه واتجاه سيره، ويجد نفسه بعد ذلك وجهاً لوجه أمام أشياء وصور وأوضاع لم يألفها أو يتعرف أو يتعامل عليها ومعها من قبل! ومع وفي وسط بداية الإرهاصات المبشرة بمرحلة من التحولات والمتغيرات السياسية الشاملة والجديدة والتي توجت بالثورات الشعبية السلمية العارمة التي شهدتها بعض البلدان العربية ونظم الحُكم العتيقة فيها والتحركات والتململات المُرهصة بانفجار ثورات شعبية مماثلة في بلدان عربية أخرى، والتي انطلقت مطلع العام الماضي، ولا تزال تفاعلاتها وآثارها وارتداداتها حية وقائمة حتى اليوم، استطاع تنظيم الإخوان المسلمين أن يحتل مكان الصدارة الأبرز لواقع ما بعد الثورات الشعبية تلك، وبدا وكأنه عاصفة ” تسونامي” تكتسح وتلتهم من طريقها كل شيء أو الجزء الأعظم منه على الأقل، ومع ذلك وفي ذات الوقت وجد نفسه، ولأول مرة في تاريخه، مباشرة ووجهاً لوجه أمام مسئولية بالغة الجسامة والحساسية والخطورة وتحدٍ مصيري يتعلق اليوم بمهمة إدارة الدولة وقيادة المجتمع، وهي مسئولية لا سابق خبرة أو تجربة له بها ولا يملك رؤية سياسية واضحة ومحددة ومتكاملة في كيفية التعامل معها ومواجهة متطلباتها والتزاماتها، في ظرف استثنائي يشهد غليانا شعبيا وسياسيا واجتماعيا هائلا تموج في ظله ووسطه وتتدافع وتتلاطم خضم من القوى والفعاليات التقليدية والجديدة الناشئة وفي ضمنها قوى محسوبة على سلطات حُكم أسقطتها ثورات الشعوب وأقصتها عن الحُكم،  لكنها لم تنته ولا تزال بقاياها فاعلة في مؤسسات وأجهزة ومرافق الدولة، وقوى وفعاليات جديدة متدفقة بالحماس والتطلع إلى دور تمارسه ومكانة تحتلها، ورأي عام شعبي أخرجته الثورة من واقع السلبية واللامبالاة والانكفاء وبات واعياً يقظاً متفاعلا نشطاً يرمي بثقله وتأثيره للتحكم بمسارالأحداث وفرض إرادته عليها!! والحديث هنا عن مَصر بالأساس، وأصدر “المرشد العام” قرارا بتشكيل “حزب سياسي” يمثل ويُعبر عن “الحزب الأم”، الإخوان المسلمين الذين باتوا يملكون حزبين سياسيين يعبران معا عنهم!! وكذلك فعلت فروع لهم من قبل في اليمن والأردن والعراق ولبنان وفلسطين، وكما هو جارٍ العمل به في بلدان أخرى مثل ليبيا والمغرب وسوريا وغيرها سيراً على ذات الطريق المُفضي إلى الازدواجية أو الثنائية الحزبية لجماعة واحدة موحدة ! وتساءل الرأي العام عن حكمة ومبررات وأسباب تلك الثنائية الحزبية المستغربة، ومن وجهة نظرنا فإننا نعتقد بأن أهم المبررات والأسباب وراء ذلك تتمحور بالآتي: 1)       أن “الأخوان المسلمين”، كما هو معروف للجميع، تنظيم حزبي عالمي واحد له فروع تنظيمية في العديد من بلدان العالم وتديره وترسم مسار حركته ونشاطاته قيادة واحدة تخضع بالكامل لسلطة ” المرشد العام ” وتَحول فروعه التنظيمية في بعض البلدان إلى العمل السياسي العلني بذات التسمية التاريخية الأصيلة “الإخوان المسلمين” من شأنه إحداث حالة من الاضطراب والتداخل وتضارب السلطات والمسئوليات بين “العالمي” و”المحلي” ويجعل العلاقة والمسئولية بين “الأصل” و”الفرع” مُبهمة وغامضة ومتضاربة، ولكن وبالمقابل فإن إصدار التنظيم الأصل لقرار تشكيل حزب سياسي مُعبر عنه بتسمية أخرى مختلفة لا يغير من الأمر شيئا فقيادة الحزب بالتسمية الجديدة وكوادره وأعضاؤه هُم هُم أنفسهم أعضاء في ” الحزب الأصل” الإخوان المسلمين” ، ويخضع بالتالي لقيادة وسلطة “المرشد العام” وقيادة “الإخوان المسلمين” سواء على المستوى “العالمي” أو “المحلي”! ومعنى هذا أن إقامة أحزاب سياسية بأسماء مختلفة لا يعدو كونه ضرباً من ضروب العبث واللامعنى. 2)       أن تنظيم الإخوان المسلمين نشأ وأسس بنيته التنظيمية والفكرية والثقافية والسياسية، عبر عقود طويلة من الزمن، ومن خلال منهجه التربوي وبرنامجه التثقيفي المشار إلى معالمه آنفا، على أفكار ورؤى واجتهادات اتسمت بالتطرف والغلو وتكفير وتفسيق الآخرين وعدم القبول بهم أو التعايش معهم إلا من قبيل الضرورات التكتيكية المؤقتة، وأن تلك الأفكار والاجتهادات القائمة على استغلال الدين وتوظيفه وتحريف تعاليمه وتكييفها ومواءمتها لخدمة أغراضه وأهدافه ومصالحه السياسية، قد أصبحت راسخة ومتجذرة في فكر وعقليات وقناعات أعضائه على نحو يصعب إعادة تصحيحها وتقويمها من جديد، وأية محاولة في هذا الاتجاه من شأنها إحداث تصدعات وخلافات وانقسامات داخلية خطيرة. ولهذا كانت هناك ضرورة لإعلان تشكيل أحزاب سياسية بأسماء جديدة مختلفة تعبر عن الجماعة – التنظيم-  تكون عبارة عن واجهات شكلية ولافتات إعلانية لا وجود حقيقي مختلف لها على الإطلاق، للقبول والتعامل مع واقع سياسي جديد بمنطق المساومات والصفقات والتنازلات وانتهاج سياسات تتعارض وتتناقض مع المنظومات والقناعات الفكرية العقدية السياسية الاجتماعية المتطرفة المهيمنة على أعضاء الجماعة – التنظيم- وخطابه وقياداته وكوادره، وتحميل مسئوليتها بالحزب الجديد التسمية تحت مبرر وذريعة “فقه الضرورات”، كما يقولون، ونأي الجماعة – التنظيم- بنفسها عن تبعات ونتائج وانعكاسات السياسات والمواقف التي تنسب لحزب وهمي لا وجود فعلياً له في الواقع ! على أساس إقناع أعضاء الجماعة – التنظيم- بأن واقع البلاد وظروفه الحالية ومشاكله ليس مؤهلا بعد ولا يقبل في الوقت الراهن فرض فكر وايديولوجية الجماعة – التنظيم – الأصلية والثابتة، وإلى أن يحين الوقت الملائم لذلك فلا بأس ولا ضير من القبول والمشاركة في الترتيبات والسياسات والمواقف التكتيكية بإسم حزب بتسمية أخرى كخطوة على طريق تهيئة وإعداد البلاد لفرض ايديولوجيتهم الأصلية كاملة! 3)       أن “الإخوان المسلمين” أوقعوا أنفسهم في إشكالية خطيرة إذ كيف سيبررون ويسوغون، من النواحي الدستورية والقانونية والأخلاقية والأهم من ذلك الدينية، أن يكون لجماعة مُنظمة واحدة ومُوحدة وجهين حزبيين سياسيين يمثلانها ويعبران عنها في نفس الوقت؟ إحدى التخريجات التي رددت قبل فترة أن ” الإخوان المسلمين” هم عبارة عن جماعة دينية دعوية وليست حزباً سياسياً!! وهذه التخريجة يدحضها الواقع والعقل إذ كيف تكون “جماعة دعوة دينية” وتكون لها بنية تنظيمية شديدة الانضباطية وبالغة السرية، وتمارس أدوار وأنشطة سياسية بحتة متذ تأسيسها وتخوض مواجهات وصراعاً عنيفاً ومسلحاً ودامياً مع خصومها ، وتسعى بكل الوسائل والإمكانيات للسيطرة على الحُكم، بل وكيف يستساغ عقلياً أن تنشئ “جماعة دعوة” أحزاباً سياسية كبرى ونافذة ومسيطرة؟ وجمعيات الدعوة لها مواصفاتها وشروطها ووضعها وآليات عملها المعروفة في القوانين السارية. 4)       وهناك من يعتقد أن ” تنظيم الإخوان المسلمين” كتنظيم حزبي عالمي وبفروعه التنظيمية المحلية المنتشرة في مختلف دول العالم، لم يصل بعد إلى قناعة بالتخلي عن أسلوب العمل الحزبي السري الانقلابي، وأن لجوءه إلى إعلان تشكيل أحزاب سياسية محلية مُعبرة عنه تؤكد رغبته في تحقيق أقصى الفوائد والمكاسب عبر أسلوب العمل السياسي الحزبي العلني والمشروع، وفي نفس الوقت تمسكه واستمراره في العمل السري الحزبي الانقلابي الذي درج عليه منذ أكثر من ثمانية عقود من تاريخ تأسيسه. 5)       وهم قد كشفوا، من خلال بعض المواقف والممارسات وخاصة خلال الفترة الأخيرة، اعتمادهم على عقلية وأسلوب ذرائعي مُطعم بانتهازية سياسية واضحة، تجعلهم لا يتورعون عن اتخاذ الشيء ونقيضه، وتبرير ذلك سياسياً أو حتى دينياً، ولا يترددون عن نقض تعهداتهم والتنصل عن التزاماتهم إذا اقتضت مصالحهم الخاصة ذلك، ففي بعض البلدان وضع “الإخوان” أنفسهم وقواهم في خدمة ودعم سلطات حُكم ديكتاتورية فاسدة وأصبحوا أدوات بيد تلك السلطات لمواجهة القوى والأحزاب المعارضة لها، وخاضوا معها وإلى جانبها معارك وحروباً عديدة لمجرد تحقيق بعض المكاسب السياسية والمادية ثم انقلبوا عليها وتحالفوا مع القوى المعارضة لها ، واتسمت علاقتهم بها بالسعي إلى الهيمنة والاستحواذ على كل شيء في أوقات الاستحقاقات السياسية والانتخابية والشعبية..الخ، ويقطعون على أنفسهم عهوداً ووعوداً والتزامات قبل تلك الاستحقاقات، وبعدها وأثنائها يتنصلون عنها بدون تحرج، وهذا أمر مُعيب في حق قوى وتنظيمات تصف نفسها بالإسلامية والنضال من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية. والواقع أن هذه النقطة تقودنا إلى مناقشة مدى مشروعية إتكاء بعض القوى والأحزاب على الدين واستغلاله واستثماره وتوظيفه لتحقيق مصالح ومكاسب سياسية دنيوية في العمل السياسي القائم على التنافس والصراع بين مختلف القوى والأحزاب السياسية في البلاد لكسب أصوات وتأييد الناخبين في الوصول إلى السلطة والحُكم، غير أن ذلك موضوع آخر.   عبدالله سلام الحكيمي بريطانيا – شيفلد 9 يونيو2012م    

By Editor