دار حديثنا، في المقال السابق، حول انتخابات الرئاسة في مصروتأثيراتها وانعكاساتها المتوقعة على ما أطلق عليها ( ثورات الربيع العربي) الشعبية، مركزين على أسلوب أداء (الإخوان المسلمين) وحزبهم المعلن (حزب الحرية والعدالة) ومواقفهم إزائها، مشيرين في السياق العام للحديث إلى الجماعات والأحزاب الدينية ذات المرجعية الإسلامية أيضا، وأبدينا جملة من الملاحظات والانتقادات مستخلصة من رؤى ومواقف وتحليلات القوى والأحزاب والشخصيات العامة مراقبين أو محللين أو مشاركين في العملية.. وفي هذا المقال أحسسنا بضرورة مواصلة الحديث حول “الإخوان” ما لهم وما عليهم سياسياً وتنظيمياً وأداءاً وخطاباً.. الخ. وقبل البدء في الحديث أود التأكيد على حقيقة بأن هذه الأحاديث المتمحورة حول “الإخوان المسلمين” خاصة وبدرجة أقل حول القوى والأحزاب والجماعات الدينية المستندة إلى مرجعية إسلامية عموما، ليست منطلقة من موقف أو إستهداف عدائي مسبق ومقصود، وإنما يحركها ويفرض طرحها على تفكيرنا، مزيج متواشج من إحترام وحرص على دور استراتيجي مهم في الحياة السياسية العامة لمجتمعاتنا تنهض به أقوى وأكبر وأوسع قوة سياسية منظمة في تاريخنا الحديث والمعاصر، وهو إحترام وحرص لا ينقضه ولا ينتقص منه التعبيرعن ملاحظات ورؤى نقدية أو انتقادية لأساليب حركتهم ومواقفهم وأدائهم السياسي على واقع الممارسة العملية بمختلف جوانبها ومجالاتها، ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا، إذ لا نَحمِل من الأسباب أو الدوافع أو الأغراض ما يمكن أن يجعلنا في صف مناوئ أو مُعاد أو كاره للإخوان المسلمين كقوة سياسية منظمة وعريقة أو كمنهج سياسي فكري أيديولوجي، وكل ما نهدف إليه هو محاولة تحريك واقع راكد ورتيب، وخلق حركة تفاعل حيوي ونشط وإيجابي من المناقشات والحوارات المفتوحة والصحية وإن بأصوات عالية داخل مجتمعاتنا وبين مختلف قواها السياسية والثقافية والاجتماعية دون حساسيات أو صدود أو انعزال وصولاً، على الدوام، إلى الأسلم والأفضل والأحسن وبما يدفع بحركة التجديد والتحديث والتغييرالإيجابي لدى الجميع، قُدماَ إلى الأمام.. وتركيزالأحاديث المُعبرة عن ملاحظات وانتقادات، على “الإخوان المسلمين” والقوى والجماعات المماثلة له، يُعد أمراً طبيعياً ومنطقياً، بل واجباً وضرورياً ومُحتماً، وذلك لأن هذه القوى والأحزاب تطرح نفسها وتبرر وجودها وحركتها ودورها في المجتمع باعتبارها “إسلامية” أو “ممثلة للإسلام” أو “ناطقة باسمه” أو في أهون الصيغ ذات “مرجعية إسلامية”، ولما كان “الإسلام” – الدين- يمثل المعتقد الإيماني التعبدي للغالبية الساحقة من مجتمعاتنا، فإنها تملك كامل الحق في التعبير عن آرائها وملاحظاتها وانتقاداتها وتقييماتها إزاء كل التصرفات والمواقف والممارسات والسياسات الصادرة عن أي حزب أو قوة أو جماعة تدعي أو تضفي على نفسها ووجودها صفة الإسلام – الدين – تعبيراً عنه أو تمثيلاً له أو حتى إعتباره مرجعية لها، فالدين أرسله الله سبحانه وتعالى للناس كافة هدى ورحمة وفلاحاً، بتكليف ومسئولية فردية بحتة، في مسائل الاعتقاد الإيماني والعبادات والأوامروالنواهي المفروضة، ونهى نهياً قاطعاً محاولات الاستئثار به وإحتكاره والوصاية عليه من قِبَلْ أي كان، فرداً أو جماعة. وعلى ضوء المقدمة هذه، سيدور حديثنا في هذه المقالة حول المسيرة التنظيمية السياسية لتنظيم “الإخوان المسلمين” عبرمحطات، نخالها بارزة، على إمتداد المراحل المختلفة لتلك المسيرة، وصولاً إلى المرحلة الراهنة والمُعاشة، واضعين في إعتبارنا أن الحديث حول مسيرة وتجربة “الإخوان” يمثل أنموذجاً ينطبق، بهذا القدرأو ذاك، على سائر القوى والجماعات “الإسلامية” الأخرى، وننبه هنا أننا لن نقوم ببحث تحليلي لمراحل وطبيعة تلك المسيرة، فتلك مهمة ليس هنا مكانها كما أنها تفوق مقدرتنا وإمكانياتنا الفردية، وسنكتفي فقط بإشارات عابرة وخاطفة للتمهيد لحديثنا الذي ننوي سوقه في هذا المجال. ولا شك أن مسيرة “الإخوان” التاريخية حافلة وبالغة الثراء والغنى، حيث يعتبر “تنظيم” أو “جماعة” الإخوان المسلمين الذي تأسس في 22 مارس عام 1928م في مصر، أكثر الأحزاب والقوى والجماعات السياسية المُنظمة عراقة وأقدمها وجوداً في عالمنا العربي، وربما في العالم الإسلامي عموما، وتوسعَ وتعمقَ وتجذرَ وانتشرَ سريعاً ليصبح ” تنظيماً عالمياً “، عُرِفَ ببنيته التنظيمية الحديدية التي ضمنت لحركته مستوى رفيعاً جداً من الدقة والصرامة والانضباط والكفاءة، والمقدرة الفائقة على تحريك وحشد وتعبئة لقطاعات جماهيرية واسعة، وخاصة في الأرياف، وعلى أرض مصرالتي شكلت بيئة ومنطلق نشأته الأولى، اضطرإلى انتهاج العمل السري تحت الأرض منذ أربعينيات القرن العشرين وعلى نحو تدريجي، تحت ضغط وتأثير وبفعل المواجهات والصراعات السياسية العاصفة التي خاضها في مواجهة السلطات الحاكمة والتي تخللتها بعض أعمال الاغتيالات والتصفيات الدموية المنسوبة إليه، إبان المرحلة الملكية ابتداء، وتلتها مرحلة قصيرة من الانفراج العام عقب ثورة 23 يوليو 1952م بقيادة جمال عبدالناصر، لتتجدد المواجهات والصراعات السياسية بينه وبين النظام الثوري الجديد وتشهد مزيداً من التصاعد والحدة، بسبب رغبة (الإخوان) وسعيهم الممنهج لتحقيق عملية احتوائهم للثورة ونظامها وإحكام سيطرتهم السياسية عليها باعتبارهم القوة الأكثر تنظيماً والأوسع شعبية والأقدر والأكفأ في قيادة الدولة والبلاد من “الانقلابيين العسكريين”، وكانوا قد أعدوا العُدة، منذ وقت مبكر، لتحقيق ذلك الهدف ومن ضمنها إنشاء أجهزة عسكرية سرية مدربة (الجهاز الخاص) المُناط به تنفيذ عمليات خاصة كالاغتيالات والتفجيرات والتخريب للمنشآت الحساسة..الخ. والتي بلغت الذروة بمحاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصرفي الاسكندرية، لتتخذ المواجهة والصراع بين الإخوان ونظام الثورة الناصرية مساراً متصاعداً بالغ القوة والضراوة وتعرض (الإخوان) لأخطروأقوى وأوسع أساليب المواجهة وعلى نحو غير مسبوق في تاريخهم، وأُعدم بعد محاكمات عدد لا يزيد عن أصابع اليدين من قادته، وخاصة قيادات في الجهاز الخاص، وشنت حملات متلاحقة وواسعة من الملاحقات واعتقال أعداد كبيرة من قياداتهم وكوادرهم وأعضائهم وتعرض منهم للتعذيب والقهرمن قبل الأجهزة الأمنية وظلوا في السجون، أو على نحو أدق بعضهم، لسنوات عديدة..الخ. ولسنا هنا بصدد دراسة وتحليل وتقييم ذلك الصراع السياسي المرير، لكننا نريد أن نصل إلى أن “الإخوان المسلمين” رغم اضطرارهم، خلال تلك السنوات إلى الإنكفاء أوالتواري بفعل تأثيرالأساليب الأمنية وملاحقاتها، إلا أنهم نجحوا في الاستفادة من دروسها ومعاناتها إلى حد كبير، بابتكار وسائل وأساليب جديدة وتقوية وتعزيز تحول التنظيم بالكامل إلى العمل السري المطلق تحت الأرض عميقاً وإعادة بناء تنظيمهم وفقاً له، ونجحوا في الدفع بأعداد متزايدة من قياداتهم وكوادرهم، سواء من أطلق سراحهم من السجون، أو أولئك الذين لم يُكشفوا إلى الهجرة خارج مصر في دول عربية أو أوروبية أو أمريكية، مركزين على المال والأعمال والاستثماربالدرجة الأولى بهدف تمويل الجماعة أو التنظيم من ناحية، وتأسيس فروع تنظيمية في دول المهجر ونشرالفكرة عالميا.. وبالنظر إلى أن تلك التجربة بالغة المرارة والقسوة التي عاشتها الجماعة والمرحلة التارخية التي حدثت خلالها، تمثل أهم وأدق وأخطر محطة يمر بها “الإخوان” في تاريخهم، فإننا لا بد أن نسجل بعضاً من أهم النقاط والحقائق المستخلصة منها على النحو التالي: 1) أن الحل الأمني، برغم شدته وقسوته واتساع نطاقه، لم ينجح في تصفية وإنهاء التنظيم، بل خَدمه ودَفعه إلى تجاوز المحنة وإعادة بنيته التنظيمية على نحو مختلف إلى أقصى الحدود. 2) وعلى الرغم من أن تجربة السجون وأجوائها ومناخاتها النفسية والفكرية التي عاش في ظلها الآلاف من المنتمين إلى التنظيم، قد فرخت وأخرجت من تحت عباءة (الإخوان المسلمين) عدداً من الجماعات والحركات المنشقة عنه بُنيت على أفكارشديدة التطرف والميل إلى العنف والتدمير بدافع الإحباط وغياب الأمل، إلا أن التنظيم ظل محافظاً على وجوده، وإن في ظل أقصى درجات السرية والحذر والانكفاء العام وفي نطاق غير واسع واستطاع أن يتلاشى من سطح الأرض ليغوص عميقاً تحت الأرض، مُعيداً البناء بأسلوب حديدي صارم وانضباط دقيق مُتراضاً عليه بقناعات ذاتية راسخة كنوع من حفظ البقاء.. وهكذا نشرَ واقع العمل السري المطلق والشامل أجواءه ومناخاته وفرضَ منطقه وأساليبه وقواعده وثقافته وأفكاره القائمة على الغموض وحلكة الظلام وروح العداء والكراهية والثأر، وعقلية الحذروالتوجس والانغلاق شبه الكلي تجاه أي غريب وأي جديد، وتَعمُق مشاعرالاضطهاد والاستهداف والمظلومية، وتضخم فكر وعقلية التميز وإمتلاك الحق والحقيقة وحدهم دون سواهم من الآخرين، وتحت أجواء ومناخات تلك التجربة البالغة المرارة والقسوة نشأت وترعرعت سلسلة أفكار وتصورات ورؤى حول الواقع ومشكلاته وأوضاعه وبشره وقواه ومكوناته السياسية والاجتماعية والثقافية اتسمت بقدر كبير من الإحباط والسوداوية والرفض والتكفير لكل ما هو قائم، دون تعريضها لأشعة الشمس وأضوائها والدفع بها في حلبة التفاعل والنقاش والحوار المفتوح والصحي والحر لتحقيق المفاعلة الطبيعية الحتمية تأثيرا وتأثراً وتلاقحاً وإخصاباً وتجدداً وتطورا.ً 3) وكانت الطامة الكبرى تتمثل في الاندفاع الجامح وغيرالمحسوب وغير المسئول، من قِبَل فقهاء التنظيم وقياداته وكوادره التنظيرية الفكرية، تحت تأثيرأجواء ومناخات ومشاعر ومرارات ومعاناة التجربة الآنف الإشارة إلى معالمها، ومن منطلق إعتبار التنظيم مُعبراً أو ممثلاً أو ملتزماً بالإسلام -_الدين_ والحامي والمدافع عنه، لاستغلال واستثمار وتوظيف الدين بشكل مُفرط للغاية ومبالغ فيه واعتسافه وتكييفه على نحو يخدم ويُسوغ ويُبرر ويُشرعن صراع الجماعة السياسي ومواجهاتها العاصفة سواء ضد النظام الحاكم بكل ما يمثله ويُعبرعنه من برامج وسياسات وأفكار ومؤسسات أو ضد قوى وجماعات سياسية أخرى تختلف معها في الرأي والتوجه والغايات، بما فيها تلك المتخذة من الإسلام مرجعية لها.. إن هذا الوضع غير السوي وغير المسئول أنتج ونشر ورسخ وعمٌق منظومات واسعة من الأفكار والصيغ والرؤى على إعتبارها مُعبرة ومترجمة للإسلام _الدين_، ساهمت إلى حد بعيد في تشويه عقلية الإنسان المُسلم وتحريف فهمها الصحيح لدين الله القويم، وألصقت به صفات وسمات بالغة السوء والبشاعة وقدمته للعالم وكأنه ( دين) يحث على القتل وسفك الدماء وإثارة الحروب والكراهية بين البشر، وإبادة كل من يخالفه الرأي والمُعتقد ليس من غيرالمسلمين فحسب، بل ومن المسلمين أيضا! ووقف الخَلقْ فاغري أفواههم إندهاشاً وفزعاً وهم يتابعون أعداداً متزايدة من شبان “مسلمين” كيف يتسابقون، مبتهجين، في تفجير أنفسهم منتحرين وسط مجاميع من المسلمين الأبرياء أطفالا ونساء ومُسنين في مساجدهم ودورعبادتهم ومزاراتهم ويحصدون أرواح المئات بل والآلاف منهم ويسفكون دماءهم، أو وسط آخرين من غير المسلمين، وإن بدرجة أقل كثيراً من ضحاياهم المسلمين! لا لسبب لا لهدف وبلا مُسوغ أو مُبرر، ونسمع أولئك الخلق، عبر العالم، أن الإنسان المسلم يكره الحياة ولا يضع أدنى إعتبار لحياة الإنسان وقدسيتها، ويعشق القتل وسفك الدماء ويمتهن العنف والتدمير، والدين الإسلامي على النقيض كلية من هذه الجرائم والانحرافات السلوكية المقيتة، ولم يقف التأثيرالمدمر الرهيب لماكينة الضخ الفكري المريض والمشوه للإسلام عند حدود الأعمال الإجرامية التي أشرنا إلى أبرزها آنفاً، بل إن المفارقة الجديرة بالتأمل والعبرة أن تلك الأفكار والرؤى والتصورات الناتجة عن سوء إستغلال وتوظيف الإسلام توظيفاً سياسياً مفرطاً ومغلوطاً، عادت بعد حين لتستخدمها قوى وجماعات أكثر تطرفا وغلواً تدٌعي وصلاً وانتماء إلى الإسلام، كسلاح لتكفير وتصفية وإرهاب مُنتجيها ومُبدعيها الأوائل والقوى والجماعات والأحزاب التي رعتها ونشرتها وروجتها! ورغم محاولاتها الهادفة إلى إعادة صياغتها وتصحيحها وإحلال أفكار ورؤى وتصورات أكثر إيجابية وتسامحاً وانسجاماً وتلاؤماً مع جوهر الإسلام وتعاليمه السمحاء الأصيلة، لكنها لا تحقق من النجاح إلا قليلا.!! 4) ورغم نجاح تنظيم ” الإخوان المسلمين” مع مرور الوقت من بناء ” تنظيم عالمي” في انتشاره ببنية تنظيمية حديدية وبإنضباط دقيق وصارم وفعٌال، وصَلَ بالتنظيم إلى مستوى يعتبره الكثيرون، بأنه أقوى حزب سياسي مُنظم في الأكثرية الساحقة من الساحات العربية، إلا أنه خلال فترة العقود الثلاثة الأخيرة، وفي ظل متغيرات سياسية مفاجئة شهدتها بعض أنظمة الحكم، وخاصة في مصر واليمن كمثال، اختار في استثمارها أسلوب تقديم نفسه للسلطات الحاكمة الجديدة كقوة داعمة ومساندة لها في مواجهة وتصفية خصومها السياسيين كالقوميين واليساريين والليبراليين..الخ! ولا شك أنه استفاد من وراء هذا الأسلوب السلبي في التعامل السياسي وحقق مكاسب ومصالح على مختلف الأصعدة، وخاصة في مجال تعزيز وتوسيع قوته وانتشاره التنظيمي جماهيرياً ونقابياً وحضوره السياسي والإعلامي..الخ، وإن ظل متمسكا بثبات بالعمل السري من تحت الأرض مع الظهور الخافت والمحدود لمجموعة من قيادييه البارزين. وسط كل هذه الأوضاع وأجوائها ومناخاتها المختلفة، سواء على المستوى الذاتي الخاص أو الموضوعي العام، وعند عتبات ومطالع العام 2011م الماضي انفجر ” الربيع العربي” بثوراته الشعبية السلمية العارمة بدءاً بتونس فمصر ثم اليمن فليبيا، وتململات وإرهاصات وتحركات احتجاجية شعبية في عديد من الدول العربية، فكان أسلوباً في آلية الثورات والتغييرات السياسية جديداً ومبتكراً، ولا تزال بعضها مستمرة ومتوثبة رغم مرور عام وبضعة أشهر من عمرها، ونجحت بعضها في إسقاط رموز وقادة ومسئولي السلطات الحاكمة، على اختلاف في مستوى ونسبة ذلك الإسقاط بين ثورة وأخرى، إلا أنها، في المحصلة النهائية، نجحت في فرض تغيير مهم وخلقت أوضاعاً وقوى وحقائق جديدة، ودشنت مرحلة مختلفة تماماً عن مرحلة سابقة ولت وانقضت، أو كادت، وإذا كان من المسلم به – الآن – أ ن الثورات الشعبية انطلقت وتفجرت بإرادة الشباب وحماسهم وتطلعهم وتشوقهم المتحرق لحياة أفضل ومستقبل أكثر إشراقا بالحرية والكرامة والعدالة والحداثة، ولم تلتحق الأحزاب السياسية التقليدية بها إلا لاحقا، فإنه مما لا شك فيه أن تنظيم الإخوان المسلمين أقواها وأكثرها نفوذاً وتأثيراً جماهيرياً والأوفرمالاً وإمكانيات مادية، كان له الإسهام الأبرز في صمود واستمرار وتصاعد وتائرعدد من ثورات الربيع العربي وتحديداً في مصر واليمن وإلى حد ما في ليبيا، ومع نجاح تلك الثورات، وسنركزهنا على مصر كنموذج، في إسقاط رموز السلطة الحاكمة ومع نشوء وبروز واقع جديد وظروف وحقائق جديدة ومختلفة، لم يكن أمام تنظيم الإخوان المسلمين أي مفر او خيار سوى الإظهار والإعلان عن نفسه كحزب سياسي بالكامل ودون مواربة أو تردد، وإلا أفلتت من يديه، شيئا فشيئا، أوراق وخيوط اللعبة السياسية وزمام التحكم بمسارها ومآلاتها المستقبلية، والجميع، بدون استثناء أو خلاف، يجمعون على حقيقة راسخة وساطعة بأن “الإخوان المسلمين” يُعتبرون حزباً سياسياً بامتياز، ليس هذا فحسب، بل وأكثر من ذلك باعتباره أقدم الأحزاب السياسية كافة، إذ يزيد عمره الوجودي الفعلي عن 84 عاما متواصلة، وأقواها وأكفأها تنظيماً وانضباطاً وصرامة، وأكثرهم نفوذاً وانتشاراً ومقدرة في وسط الجماهير الشعبية، وأوفرها وأغناها أموالا وإمكانيات مادية واقتصادية واستثمارية على نحو لا يقارن بغيره منفردين أو مجتمعين، باستثناء الأحزاب السياسية التي أقامتها الدولة كواجهة سياسية لها وأداة دعاية ودفاع عن سياساتها ومواقفها، وهذه لا يقاس عليها لأنها غير قائمة بذاتها وبقاؤها وانهيارها مرهون ببقاء السلطة وسقوطها، صحيح أن “الإخوان المسلمين” تنظيماً عالمياً واحداً ووجوده في مختلف البلدان والساحات كفروع تنظيمية لتنظيم واحد أشمل وأوسع، إلا أن قوته ونفوذه وتأثيره تظل في المقدمة فرعاً كان أم أصلاً وكان التوقع العام يتجه إلى أن تنظيم الإخوان المسلمين سيعلن تحوله بذات تسميته التاريخية من العمل السري المطلق السرية إلى العمل السياسي الحزبي التعددي العلني، وإنهاء مرحلة “السرية”، لكن ما حدث كان على العكس تماما من ذلك إذ أعلن “المرشد العام” لتنظيم “الإخوان المسلمين” صدور قراره بتشكيل حزب سياسي باسم “حزب الحرية والعدالة” وتعيين رئيس وأعضاء هيئته التأسيسية ، وأوكل لهم أن يكونوا حزباً فكانوا، على نحو مشابه لأسلوب السلطات الحاكمة في بلدان عربية بإنشاء أحزاب سياسية تابعة لها ومعبرة عنها بقرارات جمهورية أي بأوامر سلطانية !! صحيح أن قرار وخطوة المرشد العام بتشكيل حزب سياسي لم تكن الأولى من نوعها فقد سبقتها تجارب مماثلة في بعض الدول العربية قبل ” ثورات الربيع العربي” كاليمن والأردن والكويت والعراق وفلسطين وغيرها حيث أنشأ “الإخوان المسلمون” أحزاباً سياسية علنية بمسميات أخرى مختلفة، وبعد (الربيع العربي) يجري إنشاء أحزاب سياسية بذات الطريقة في بلدان عربية أخرى، وهذا الوضع الاستثنائي شبه المتفرد يشير إلى أن الإخوان المسلمين يملكون في كل فرع تنظيمي وفي كل بلد من البلدان العربية، وربما غير العربية، إطارين أو تشكيلين أو كيانين حزبيين بتسميتين مختلفتين! والسؤال الذي يطرح نفسه، هنا، يتساءل عن الحكمة والأسباب والغايات والمسوغات الكامنة والموجبة لاعتماد جماعة سياسية واحدة موحدة خيارالازدواجية والتعدد الحزبي الممثل لها والمُعبر عنها سياسيا؟ بعبارة أخرى لماذا ومن أجل ماذا تنشئ لنفسها حزبين سياسيين مُنظمين لتمثيلها؟ ذلك ما سنناقشه تفصيلا، بإذن الله تعالى، في الحلقة القادمة فإلى اللقاء فيها. عبدالله سلام الحكيمي بريطانيا – شيفلد 2 يونيو 2012م