في الحلقة السابقة ناقشنا بعضاً من الاعتبارات والعوامل والمبررات الموضوعية التي تُلقي على عاتق المملكة العربية السعودية ، كبلد عربي إسلامي ، عبء القيام بدور قيادة مبادرة البدء في تحريك ثورة تجديد وإصلاح ديني شامل والدفع بها قدماً إلى الأمام باعتبارها مهمة تاريخية جسيمة وغير قابلة للأرجاء أو التأخير بالتعاون والتنسيق والتشاور مع المسلمين كافة دولاً ومنظمات ومؤسسات وجماعات ومثقفين وعلماء ومفكرين مؤهلين وقادرين ، وخاصة مع القطبين الإسلاميين الرئيسيين مصر وإيران . واستعرضنا بعضاً من أهم وأبرز المبررات والأسباب وعوامل الخلل والاختلال في الفكر والحياة الإسلامية مؤكدين على جانب من الحقائق الاساسية الجلية حول جوهر ديننا الإسلامي وتعاليمه السمحة اضافة إلى ما يحيط بالعالم الإسلامي من تحديات وإشكاليات ومناخات ناتجة عن ما عايشه العالم من حولنا من احداث وممارسات وافعال نُسبت ، ظلماً ، للإسلام والمسلمين ، وتفجُر ما سُمى بالحرب العالمية ضد الإرهاب بدءاً من ضرب افغانستان مروراً بالتضييق والتشديد على كل العرب والمسلمين في دول العالم وخاصة دول المعسكر الغربي وانتهاء بمصادرة أو تجميد أموال ونشاطات مؤسسات مالية وجمعيات خيرية إنسانية وحركات سياسية إسلامية تحت مبرر الإرهاب أو إيواء ودعماً له دون وضوح أو إدانات قضائية دولية مستقلة وغير ذلك من التحديات والمصائب والمخاطر التي تبدو جلياً استهدافها اساساً للعرب والمسلمين بمبرر أو ذريعة الحرب ضد الإرهاب في العالم التي لا تزال خطواتها وفصو لها تتلاحق وتتسع يوماً بعد يوم ، وتوقفنا في الحلقة السابقة عند مسألة طبيعة وآليات واساليب الدور المتميز والمطلوب من السعودية النهوض باعبائه ومسئولياته فيما يتعلق بالأهمية القصوى والضرورة الملحة والعاجلة للتهيئة والإعداد لثورة تجديد واصلاح ديني فكري وثقافي اسلامي متواصل ومتعمق . ولعله من المفيد والمهم أن نؤكد هنا ، وقبل الولوج في مناقشة موضوعنا الأساسي في هذه الحلقة الخاتمة ، على حقيقة أن تلك المهمة التاريخية الجسيمة والضرورية والبالغة الحساسية في التجديد والاصلاح الديني الشامل القائم على الاحتكام إلى كتاب الله العزيز القرآن المجيد والاهتداء بنصوصه وتعاليمه وفق فهم حديث ومعاصر لها لا يخرجها عن مقاصدها الصحيحة أو ينحرف بها وفق الامزجة والاهواء الظرفية ، تلك المهمة التاريخية الكبرى لم تأت وليست بأية حال استجابة للاعتبارات والظروف والاحداث والضغوط العاصفة التي تحدق بالمسلمين والعالم الإسلامي من العالم الخارجي المحيط به بقدر ما تأتي استجابة واعية وجادة ومسئولة لمطالب واحاسيس عامة وواسعة تشمل العالم الإسلامي على امتداده باتت تشعر وتلح على ضرورة القيام والإسراع بها منذ أمد طويل مضى من منطلق حاجة العالم الإسلامي إلى احداث نهضة حضارية شاملة تواكب العصر بحقائقه ومتغيراته وتحولاته الرهيبة على عتبات الالفية الثالثة والقرن الواحد والعشرين على هدى نهج قويم ورؤية صحيحة من تعاليم واحكام القرآن الكريم. تجمع المسلمين على أرضية مشتركة وتضع حداً لصراعاتهم وخلافاتهم وتمزقهم الداخلي من ناحية ، وتقدم الدين الإسلامي كما أراده الله سبحانه وتعالى هادياً للإنسانية جمعاء إلى الخير والتعاون والحب والتسامح والحرية والعدالة ، للعالم من حولنا جيلاً بعد جيل ومرحلة بعد أخرى … وصحيح أن مختلف الديانات المنتشرة في أرجاء الأرض سماوية كانت أم غيرها ، قد أصابها ما أصاب الدين الإسلامي من عوامل الخلل والاختلال والتحريف والتجديف في موروثاتها وتراثها المتراكم عبر العصور على نحو يناقض جوهر وحقيقة عقائدها الأولى والأصلية ، وربما على نحو يفوق كثيراً ما اصاب الموروث الهائل المتراكم للأسلام فكراً وفقهاً وتاريخاً وفلسفة وتراثاً ، ومع ذلك فلا يضرنا ، نحن المسلمين ، واقع واحوال تلك الديانات الأخرى باعتباره شاناً من الشئون العقدية لكل ديانة على حدة بقدر ما يضرنا ويؤثر فينا سلباً ، وعبر الاجيال المتعاقبة ، أن لا نسارع إلى التحرك الشامل والجاد والمتعمق لغربلة وتنقية وتصحيح المفاهيم والرؤي الناتجة عن موروثاتنا المتراكمة عبر العصور والمراحل التاريخية ، وصولاً إلى تجديد واصلاح ديني حقيقي يستند إلى مرجع عقيدتنا الأساس ، القرآن الكريم ، القادر وحده على انتزاعنا من دوامة التيه والاضطراب والضياع والتمزق والصراع ، ودفعنا بايجابية وقوة مستنيرة وصحيحة لنتبوأ مكاننا ومكانتنا اللائقة على خريطة التقدم والرقي والنهضة الحضارية الإنسانية الشاملة والمتكاملة بالمعارف والعلوم المادية وبالمثل والقيم والمبادئ الإيمانية الإنسانية السمحاء . وذلك هو ما استشعره ولي العهد السعودي الأمير عبدالله مبكراً وبرهنت عليه سلسلة لقاءاته وحواراته وانشطته المكثفة والمتواصلة مع مؤسسات وقادة ومسئولي الإرشاد والتعليم والافتاء والإعلام ومجلس الشورى وغيرها من المؤسسات والتي تدور حول محور رئيسي وهو الاعتدال ونبذ التطرف والعنف والتناحر والتبابذ واعتماد منهج الدعوة والإرشاد القائم على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وبالتي هي احسن تقيداً بتعاليم وأوامر الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز ، وتجسيد المثال والقدوة الحسنة قولاً وسلوكاً لإعطاء الإسلام نموذجه المشرق والعظيم الذي أراده الله سبحانه وجسده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في اقواله وافعاله وممارساته وتعاملاته مع المسلمين ومع غيرهم على حد سواء ، ومما لا شك فيه أن ما قام به الأمير عبدالله ولا يزال ، يدل دلاله واضحة على استشعار واحساس عميق بضرورة النهوض بدور رئيسي للسعودية في ما يمكن أن نطلق عليه اتجاه التجديد والإصلاح الديني الشامل المطلوب اسلامياً وعالمياً. وكاسهام متواضع للغاية في محاولة لتصور معالم وملامح وقسمات ذلك الدور المنشود وبلورته، ما أمكن ،من حيث طبيعته وآلياته واساليبه ومقاصده وغاياته ، فإن وجهة نظرنا الأولية يمكن تحديد معالمها على النحو التالي : أن حقيقة الخصوصية المتميزة والمنفردة التي تتمتع بها السعودية من حيث قدسية المكان ، واعتباره قِبلة يتوجه اليها جميع المسلمين على امتداد العالم بافئدتهم وعقولهم وايمانهم ، يؤهل السعودية ، أكثر من غيرها من بلدان المسلمين ، للقيام بدور رئيس بالغ الأهمية والحساسية والايجابية في حياة المسلمين وافكارهم وتحركاتهم وادوارهم ، دور يتميز ويمتاز عن ادوار اسلامية اخرى يتمثل في أن تشكل واحة فسيحة الأرجاء ورحبة الأفاق للقاء كافة مسلمي العالم ، على اختلاف مذاهبهم واجتهاداتهم ومدارسهم الفقهية والفكرية ، والعمل انطلاقاً منها لكل ما من شأنه التقريب بين المسلمين وتجمعيهم وتوحيد مواقفهم وتحركاتهم وسياساتهم وامكانياتهم وقواهم الخلاقة على رؤية متفق عليها وكلمة سواء بينهم الا يدعو عوامل الفرقة والانقسام والتناحر والتشتت تهدر امكانياتهم وتفرق صفوفهم وتضعف قواتهم وتعيق نهضتهم وتقدمهم ، وأن ينبذوا أسباب الخلاف والتطاحن فيما بينهم والناتجة عن مواقف التعصب المقيت والتطرف والغلو المدمر في النظر إلى بعضهم بعضاً وفي إدارة وتوجيه سياساتهم وعلاقاتهم البينية … ان السعودية مؤهلة ومهيأة أكثر من غيرها للعب دور المُقرِب والمُجمِع والمُوحِد للمسلمين جميعاً على نحو سيفضي في حالة استمراره وتواصله وفعاليته إلى جعل السعودية مرجعاً ذا صوت مسموع ومقبول من الجميع لإزالة أسباب الخلاف والتوتر ووضع حلول فعالة وسريعة لمشاكل الاختلاف التي قد نشأ فيما بينهم دولاً وجماعات من خلال تبلور وتنامي دورها كمرجعية محايدة حياداً ايجابياً مخلصاً وصادقاً ومحباً للجميع دون تحيز أو تمحور مع هذا أو ذاك وإنما من خلال نظرة وموقف ثابت وأمين بأن الكل أخوة عقيدة ينبغي العمل من أجل الصلح بين المختلفين منهم بالحق والعدل ، وهكذا فإنه بإمكان السعودية أن تجعل من نفسها مرجعية وحكماً يحتكم إليها المسلمون فيما يشجر بينهم على أسس من الحيدة النزيهة بين الجميع ، مثلما هي منذ الازل قبلة يتوجه إليها المسلمون جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها بأفئدتهم وقلوبهم وعقولهم المؤمنة باعتبارها أرض أطهر وأقدس مقدساتهم الدينية إضافة إلى حقيقة كون مثل هذا الدور يجعلها تلعب دور الدافع والمحفز والمبادر إلى تبني وطرح كل ما يهم المسلمين وما يتعرضون له من مشكلات وأزمات وخاصة تلك التي تسئ إلى جوهر الإسلام وتشوه صورته وطبيعته في العالم سعياً إلى وضع المعالجات والحلول المناسبة والفعالة أولاً بأول من خلال تشاور المسلمين واتفاقهم العام لما يحييهم … . وأعتقد ، بناءً على ما سبق ،أن الدور الطبيعي للسعودية والتي هي مؤهلة له قبل غيرها في المبادرة والدفع وقيادة الحركة المطلوبة والملحة للاصلاح والتجديد الديني الشامل في حياة المسلمين ، تتحدد طبيعته ومعالمه الرئيسية والكبرى في الوقوف الحازم والواعي ، بالفكر والمنطق والحجة والحكمة ضد كافة مظاهر التخندق والتعصب والتطرف الغلو بجميع اشكاله وصوره المذهبية والفقهية والفكرية والفلسفية المنطلقة من منطلقات اسلامية ، وتحريم لجؤ المسلمين إلى أي نوع من أنواع التكفير والتفسيق والاتهام بالارتداد والإخراج من الملة ضد بعضهم البعض أو حتى بتبادل الاتهامات والتشنيع والسباب المؤدية إلى إشاعة أجواء من الفرقة والتباغض والكراهية والاحقاد والتنافر في صفوف المسلمين ، من منطلق القناعة بالقاعدة الذهبية ( مذهبي صواب يحتمل الخطأ ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب ) ولينطلقوا إلى التعاون والوحدة فيما يتفقوا عليه ويتركوا قضايا الخلاف كل واجتهاده بحرية ودون اكراه ، اضافة إلى وضع ضوابط ومحددات وشروط دقيقة وصارمة لمسألة الفتوى ومن له حق اصدارها وانهاء فوضى اطلاقها على عواهنها لمن هب ودب، واعتقد أنه من الانسب والاضبط والمحقق للفائدة قَصر مسألة الفتوى على أولياء الامور في الدول الاسلامية الذين سيحرصون بدون شك على تدعيم وتعزيز عوامل واسباب الائتلاف والوحدة بين المسلمين فيما يصدرونه من فتاوى باسم الدين … ولعله من الايجابي والمفيد والمحقق للغايات النبيلة للدور السعودي المنشود أن تنطلق لتفعيل وتنشيط ومواصلة الجهود العظيمة التي بدأت في أوائل الستينيات واستمرت لبعض الوقت فيما عُرف انذاك بـ : (( التقريب بين المذاهب الاسلامية )) والتي رعاها الازهر الشريف والمرجعيات الشيعية العليا واثمرت إصدار موسوعة فقهية من عدة مجلدات للنواحي والجوانب المتفق عليها بين المسلمين ثم توقفت تلك الجهود وطفئت للاسف الشديد ولاشك أن مواصلتها من حيث انتهت أنذاك سيكون حجر الزاوية لوحدة رؤية المسلمين تكاتفهم ووحدة صفوفهم بعيداً عن التمزق والتشتت والعداء اللامتناهي . والأهم من كل ذلك تهيئة المناخ الملائم لفتح جميع ابواب ونوافذ الحوار الواسع والمفتوح الملتزم بشروط وآداب الحوار في الإسلام والمجسد في أروع صوره في الخطاب والمضمون القرآني المجيد حتى أن المتدبر للقرآن الكريم يجده قائماً في مبتدأه ومَبناه على اسلوب الحوار والمحاججه المنطقية العقلية بأنصع وابهى صورها ، وكتاب الله العزيز هو بدون خلاف ، خيرهادٍٍ ومُوجِه إلى سواء السبيل والصراط المستقيم . . والتحريم الكامل والحازم لكافة اشكال واساليب وصور اللجؤ والاحتكام إلى لغة العنف والقوة المسلحة والقتل والترويع والتخويف سواء لحسم خلافات رأي وفكر بين المسلمين بعضهم بعضاً أو بينهم وبين سائر الناس في العالم اتباع ديانات وفلسفات ومذاهب غير اسلامية ، باعتبار أن قتل النفس التي حرم الله من أشد الجرائم والموبقات التي حرمها الإسلام تحريماً مطلقاً وواضحاً وحاسماً لا لبس فيه ، عدا أن يكون القتل قصاصاً شرعياً ” النفس بالنفس ” ، وحتى أنبياء الله ورسله عليهم السلام لم يبح الإسلام لهم قتل اعدائهم ما لم يكن دفاعاً عن النفس ورداً لعدوان واقع عليهم ، ولعل قصة موسى عليه السلام وفرعون وملائه وقيام موسى عليه السلام بقتل الذي من عدوه نُصرة للذي هو من شيعته خير دليل قاطع على ذلك ، حيث اصبح في هم وغم بسبب عمل الشيطان ذاك ، لولا أن غفر الله له ذلك الجرم الشنيع ، واما قتل مؤمن لمؤمن من اكثر المحرمات تشدداً ، ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً “إلا خطأ” وتوعد من يفعل ذلك بعذاب اخروي رهيب وفضيع اضافة إلى القصاص الشرعي الواجب في الدنيا ، و يسرى هذا التحريم الإلهي البات على كافة اشكال القتل بين الناس كافة بسبب معتقداتهم الدينية أو الفكرية ( ان الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذي اشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ، إن الله على كل شيء شهيد )… وذلك من منطلق حقيقة جوهرية تشير إلى أنه ما من احد من مخلوقات الله كائناً من كان وسواء أكان نبياً أو رسولاً أو عالماً أو انساناً عادياً يملك القدرة على العلم والمعرفة اليقينية الصائبة بحقيقة إيمان الشخص من عدمه أو يطلع على مكنونات نفسه وبواطنها وسرها ونجواها سوى الله خالقها ومصورها وبارئها ، ولهذا نجد أن الإسلام ، كما بينه الله سبحانه في كتابه العزيز القرآن المجيد يقوم على محور رئيسي يعطي الحرية الكاملة للإنسان في الإيمان والاعتقاد والعمل دون اكراه أو قسرأو ترويع أو ضغط ( ان عليك إلآ البلاغ وعلينا الحساب ) ، ولم يعط الله العليم أية سلطة لاحد من خلقه ، بمن منهم الانبياء والرسل ، لإكراه الناس على الإيمان والاعتقاد باساليب الضغط والتخويف والترويع والقتل ولم يخوِل لهم صلاحية التفتيش داخل انفس الخلق وضمائرهم واصدار صكوك أو شهادة بإيمان أو كفر هذا أو ذاك ، ولم يطلب إليهم أو يكلفهم أو يستنجد بهم لحماية دينه والحفاظ عليه وضمان بقائه واستمراره …حيث لا يستقيم عقلاً أو منطقاً أن يفعل مثل ذلك من هو على كل شيء قدير، ومن أمره اذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، ومن هو الخلاق العليم، فيطلب من مخلوقاته الدفاع عن دينه الذي ارتضاه للعالمين كافة وهو الغني الذي لا يحتاج لمخلوقاته التي هي بحاجة ماسة إليه في رعايتهم وحمايتهم ورزقهم واستمرارهم وبدون ذلك فكل من في السموات والارض من مخلوقاته لا شيء أمام عظمته وقدرته ولطفه ،و كل ما طلبه منهم ، لطفاً ورحمة بهم ، أن يستقيموا كما أمرهم ويقيموا موازين الحق والعدل والرحمة والتكافل والتعاون والاستقامة والأمانة والايثار في علاقاتهم بعضهم ببعض ، وأن يعبدوا الله ويطيعوه في أقوالهم وأفعالهم عبر مختلف أشكال وصور الخير والبر بعيداً عن الاثم والعدوان والمعاصي والفواحش وغيرها من أعمال السؤ والظلم والطغيان ووجههم ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ظل اذا اهتديتم ) .