توقفنا في نهاية الحلقة السابقة عند سؤال حول ملامح وقسمات ومعالم الدور التاريخي الرئيس الذي يجب أن تتحمل أعباءه المملكة العربية السعودية في سياق النهضة التجديدية الاصلاحية الاسلامية الشاملة التي باتت مطلوبة كضرورة حتمية وبالغة الالحاح في المرحلة التاريخية شديدة الخطر والحساسية التي يعيشها المسلمون جميعا.. وقبل البدء في محاولة الاجتهاد للاجابة عن ذلك السؤال الملح, يبدو من المفيد والمهم الاشارة مؤكدين على ثلاث حقائق أساسية هي: 1) ان الأحداث الرهيبة التي شهدتها أمريكا في 11سبتمبر الماضي, وما تلاها من تداعيات وردود أفعال واثار ونتائج, من منطلق اتهام عرب ومسلمين بارتكابها, أساءت اساءة بالغة وشوهت تشويها عميقا وواسعا صورة الاسلام, كدين, والمسلمين بمن فيهم العرب كامة وحضارة وثقافة وانسانية, كما ألحقت أفدح الأضرار وأعمقها واوسعها بالمسلمين المواطنين في دول الغرب وغيرها والمقيمين في بعثات تعليمية أو طالبي العمل والمعيشة وأصحاب الشركات والمؤسسات التجارية والمالية والاستثمارية أو حتى كزائرين وسياح حيث بات كل مسلم عامة وعربي خاصة في موضع الاتهام المباشر دون اهتمام بمعرفة براءته أو ادانته فيما بعد, وأخضعوا جميعا لشتى صنوف التقييدات والمراقبة والملاحقة والمضايقات دون تمييز. 2) ان دول العالم المتقدمة علميا وصناعيا, ومعها رأي عام عالمي لا يستهان به, ترسخت لديها قناعة مفادها بأن دول العالم الاسلامي عامة, والعربية منها خاصة, خطرة وباعثة على المخاوف والقلق, ما جعل تلك الدول المتقدمة أكثر حذرا وأقل رغبة في التعاون مع دول العالم الاسلامي في المجالات العلمية والتكنولوجية المتطورة والتسليحية من منطلق قناعة ازدادت ترسحا بأنها أكثر ميلا لتبني النهج الارهابي.؛؛ 3) ان تلك الأحداث المأساوية بالمقابل وعلى قاعدة ( رب ضارة نافعة) قد شكلت صدمة عنيفة في الوجدان والأحاسيس والقناعات التقليدية الموروثة لدى المسلمين عامة جعلتهم يشعرون بأهمية وضرورة احداث ثورة اصلاح ديني تجديدي شاملة وأصبحوا مهيئين لمثل تلك الثورة أكثر من أي وقت مضى, فهم يدركون ادراكا راسخا بأن دينهم الاسلامي دين تسامح ومحبة وانسانية وحضارة,لكنهم وجدوا العالم مؤخرا يحاصرهم باتهامات ظالمة بالارهاب والتطرف والعنف والتعصب والتخلف الخ.. استنادا الى أساليب وممارسات وأخطاء مجاميع محددة محسوبة على الاسلام أضرت بالاسلام وأساءت اليه أبلغ اساءة وجرى الصاق أساليب وممارسات وأخطاء وجرائم تلك المجاميع وتعميما على مئات الملايين من المسلمين في العالم. بعد هذه الحقائق الرئيسة الثلاث التي ينبغي علينا جميعا أخذها في اعتبارنا دائما, ندخل في موضوعنا الأساس… وبادئ ذي بدء نؤكد بأن السعودية لاعتبارات الخصوصية المتفردة والفريدة التي تتمتع بها تاريخيا اذ هي أرض طيبة مباركة شرفها الله تعالى وأكرمها بأن جعلها مهبط الرسالة الدينية الاسلامية والأنبياء والرسل تحتضن على جنباتها الطاهرة أقدس وأطهر الأماكن والمقدسات الدينية منذ ما قبل أبي الأنبياء ابراهيم عليه الصلاة والسلام وحتى بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي قبلة المسلمين جميعا في مشارق الأرض ومغاربها ومهوى أفئدتهم وقلوبهم ومشاعرهم, لهذا فهي – أي السعودية- مهيأة تماما بل انها مطالبة كواجب مفروض عليها فرضا بالمبادرة الى النهوض باعباء مسؤوليات القيام بحركة تجديد واصلاح ديني عميق وشامل وجاد يصحح كما هائلا من القناعات والمفاهيم والرؤى التي تراكمت عبر مراحل ماضية طويلة من التاريخ الاسلامي أملتها وصاغتها ظروف ومقتضيات الصراعات والخلافات والانقسامات التناحرية على الصعد السياسية والفكرية والفقهية التي ظلت تعصف بالمسلمين منذ ما بعد سقيفة بني ساعدة وحتى اليوم, الى حد باتت تلك القناعات والرؤى والمفاهيم محفورة في أعماق عقلية الانسان المسلم ويعتبرها من المسلمات البديهية شبه المقدسة وغير قابلة للنقاش.. ويقوم بعملية غربلة شاملة لكل الموروث وتصفيته وتنقيته من كل الشوائب والمغالطات والأهواء والدسائس (الاسرائيلية) والشعوذات وفقا وعلى أساس الاهتداء الكلي بالنور المطلق لكتاب الله سبحانه القرآن المجيد فهو وحده الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يهدي للتي هي أقوم وصرف الله سبحانه فيه للناس من كل مثل. وثورة التجديد والاصلاح الديني الشاملة هذه اصبحت اليوم مطلبا ملحا وضرورة عاجلة لم تعد قابلة للارجاء أو التأجيل, وهي المحك الفاصل أمام المسلمين جميعا فاما أن يكونوا شيئا مفيدا وايجابيا وقادرا أولا يكونوا شيئا ويسقطون من كل حساب في عالمنا المعاصر, وعندما نؤكد على حقيقة كون السعودية الأكثر تأهلا وقدرة فلأنها بالاضافة الى ما سبق ذكره انفا, بلد تحتل في نفس كل مسلم ووجدانه ومشاعره مكانة رفيعة وسامية بمسحة روحية قدسية وهي مكانة تفوق اهمية وارتباطا وولاء مكانة الوطن الأصلي لكل مسلم على حده مما يجعل ما يصدر عن السعودية من قول أوفعل يجد له اذانا واعية وعقولا مفتوحة وتقبلا صافيا, وهذا لايعني ولايهدف الى قصر مهمة ومسؤولية ومسيرة التجديد والاصلاح الديني الامل المنشود والملح على السعودية وحدها, ذلك أن مهمة دينية تاريخية بهذا الحجم والحساسبة هي في الواقع مهمة يشترك في احداثها المسلمون جميعا دولا ومنظمات ومؤسسات وجماعات وأفرادا مؤهلين وقادرين, وما نعنيه ونقصده يتحدد فقط بقيام السعودية بالمبادرة والقيادة والدفع بتلك المهمة بالغة الحساسية والأهمية عبر خطوات واليات سنشير الى أهمها لاحقا.. ولعله من المفيد والحيوي هنا أن نقف قليلا أمام أهم وابرز الأسباب والظواهر والمبررات الموضوعية التي تؤكد على الأهمية القصوى والضرورة الملحة العاجلة للاسراع باجراء ثورة تجديد واصلاح ديني شاملة وعميقة وايجابية ونوردها بايجاز واختصار شديدين على النحو التالى: أولا: الخلافات والصراعات المذهبية والفقهية: لعبت المذاهب الفقهية والفرق الفكرية ( الكلامية ) منذ القرن الأول لفجر الاسلام,وهي لاتزال تلعب دورا مهما وخطيرا في فرقة المسلمين واختلافهم وتقاتلهم وتمزقهم وتشتتهم وتناحرهم,ومن يلقي نظرة عابرة وسريعة على مختلف مراحل التاريخ الاسلامي منذ فجره الأول وحتى اليوم يتبين بكل وضوح كم بحار وأنهار, دماء المسلمين سالت وكم من الارواح أزهقت وكم من المعاناة والعذاب والاضطهاد تعرض له المسلمون.. ولم يدر في خيال الأئمة العظام للحظة واحدة بان اجتهاداتهم الفقهية والفكرية المشرقة ستكون سببا لكل تلك الماسي والصراع والتقاتل وسفك الدماء وازهاق أرواح المسلمين, فمنذ الامام زيد والامام الأكبر أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وجعفر الصادق وغيرهم من الأئمة العظام رحمة الله عليهم جميعا كان كل واحد منهم اما معلما أو تلميذا للاخر ويكنون احتراما وتقديرا بعضهم لبعض سواء لأشخاصهم او لارائهم واجتهاداتهم ولم يلجا أي منهم الى تخطئة أوتسفيه رأي واجتهاد الأخر بل نظر كل منهم الى ما عنده باعتباره صوابا يحتمل الخطا وما عند غيره باعتباره خطا يحتمل الصواب وهكذا, وهكذا درس كل منهم النصوص القرانية واستوعبها وفهمها واستخلص حلولا ومعالجات لأوضاع ومشاكل الواقع الذي يعيشه في اطار عاملي الزمان والمكان المعاشين أنذاك فكانت استخلاصاتهم واجتهاداتهم تلك أساسا لنشوء ما يعرف بالمذاهب الفقهية والفكرية وكلها جهود بحثية علمية مخلصة وعظيمة, اعمال النصوص وتطبيقها على واقع زماني ومكاني محدد له وقائعه وافرازاته ومشاكله, وهو جهد ومنهج ايجابي عظيم كان يجب أن يستمر ويتواصل في عطاءاته واجتهاداته دون انقطاع أوجمود باعتبار القرآن الكريم صالحا لهداية وتقويم حياة الانسان في زمانه ومكانه، ومن منطلق القاعدة الفقهية القائلة بأن النص متناه ووقائع الحياة لامتناهية بحكم التطور والتغير الدائمين، ومن هنا يجب فتح حميع الأبواب والنوافذوالمنافذ أمام حركة اجتهاد دائم ومتواصل ومستمر لتطبيق أحكام ومقاصد النص على وقائع ومشكلات وأوضاع متغيرة ومستجدة يفرزها تطور الحياة الذي لا ينقطع .. لكن المصيبة أن الأتباع والمناصرين لأولئك الأئمة العظام من العامة وممن لهم مصالح وأطماع مختلفة, أضفوا بوعي أو بدون وعي سياجا من التقديس على تلك الاجتهادات واوقفوا نموها وتطورها وجمدوها بالتحنيط وأحاطوها بجهل التعصب المقيت والعصبية العمياء وناصب كل منهم الأحقاد والعداء المرير كل من لايؤمن أويسلم بما هو عليه, على النقيض تماما من روح ومقاصد ونوايا الأئمة العظام, واعقب ذلك الواقع غير السوي نشوء الفرق الكلامية والمدارس الفلسفية لتزيد الطين بلة ولتؤصل لتعميق وتثبيت التعصب والانغلاق والعداء والتناحر, ووجد المسلمون أنفسهم تعصف بهم عواصف سفك الدماء وازهاق الأرواح والصراع والتناحر على نحو مريع ومخيف وبلا نهاية.. وبدلامن اطلاق العنان والحث وتشجيع حركة الاجتهاد ونشوء المزيد والمزيد من المذاهب والرؤى والاجتهادات دون انقطاع لمسايرة ومواكبة تطورات الحياة ومستجداتها ساد الركود والجمود وتوقف الاجتهاد ولم يبق امامنا سوى التعصب والعصبية العمياء وسط بحار من الدماء وجبال من الجثث ومناخات العداء والبغض والتنافر, فما يسمون بأهل السنة والجماعة لا يعترفون حتى اللحظة سوى بأربعة مذاهب فقهية اسلامية وحدهم الذين يعبرون عن السنة, وهم مصممون على أن لا يمتد بصرهم الى مدى أبعد فيعترفون باسلامية سائر المذاهب وخاصة مذاهب الشيعة وسواهم, ليس هذا فحسب بل ان كلا من الفريقين ينظر الى نفسه وحده بأنه يمثل الدين الحق دون الاخرين غير المنضويين في اطار فريقه. وحرصا على عدم الاطالة في الاسترسال أكتفي بذكر مثال بارز يوضح كل ما أريد ذكره في هذا المجال, ففي بلادنا اليمن كان هناك أحد علماء الدين البارزين والمشهورين توفى مؤخرا_ رحمه الله وغفر له_ ممن يصنفون أنفسهم من علماء السلف, تضمنت كتبه وفتاواه احكاما تخرج من الملة وتكفر جميع الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والاغلبية الساحقة من أنظمة الحكم في العالم الاسلامي وجميع المذاهب الفقهية سنية كانت أم شيعية وعددلامحدود من العلماء وعلى رأسهم العلامة الفاضل يوسف القرضاوي وغيره, ولأن هذاالعالم- سامحه الله- له أعداد كبيرة من الأتباع المريدين والمناصرين فكلهم يأخذون فتاواه كأحكام قاطعة تتساوى مع أحكام الدين قطعية الدلالة ولا تقبل المساس أو النقاش. ثانيا: الحركات والجماعات الحزبية الاسلامية المعاصرة: وجاءت هذه الحركات والجماعات الحزبية المنظمةوالسرية المسلحة لتزيد نيران الفتنة تأججا واشتعالا وخطورة حيث ارتدت ثوب الاسلام وأطلقت على نفسها ( أهل السنة والجماعة) أو ( السلفية) ولم تكتف باخراج مسلمين عن الملة والحكم بتكفيرهم أو ارتدادهم عن الدين بالفتوى والقول فقط, بل راحت تنطلق مسعورة لقتل الناس, منهم علماء دين أفاضل ومرموقون ومثقفون وادباء وكتاب وعسكريون وحكام ومواطنون عاديون لالسبب حقيقي ومجرد، وانما لانهم على خلاف معهم في الراي والاسلوب وليسوا جزءا منهم ولا يؤيدونهم أو يناصرونهم, فراحو يشقون صدورهم ويفتشون في قلوبهم وضمائرهم ويتجراون على سلطان الله سبحانه وتعالى فيقتلون من شاءوا ويعيثون في الارض فسادا بدون الحق غارقين حتى قمم رؤوسهم في تزكية أنفسهم والمن على الله باسلامهم وانهم وحدهم دون سواهم المسلمون الحقيقيون والله وحده أعلم بمن اتقى .. ولم يقتصر دورهم التخريبي المنحرف على سفك دماء وازهاق أرواح المسلمين فقط بل أضافوا الى ذلك قتل أتباع الديانات الأخرى لا لذنب وانما لمجرد كونهم مسيحيين أو غيرهم؛؛ وأصبح قتل النفس التي حرم الله الا بالحق أسهل وأيسر عندهم من شربة ماء على الماشي ؛ ومبلغ علم هؤلاء لايخرج عن نطاق القتل وسفك الدماء وترويع الامنين واحتقارالمرأة ووضعها داخل قمقم مغلق محرم عليها التعليم والعمل والمشاركة في شؤون دنياها واعتبار وجهها ويديها ورجليها وصوتها ومشيتها عورة لا يجوز كشفها أو استعمالها انظروا ماذا فعل هؤلاء في مصر والجزائر والسودان وتونس وسوريا والباكستان واليمن؟ وما تجربة ومثال حركة طالبان منا ببعيد. ثالثا: سوء فهم تعاليم ومفاهيم اسلامية: وبما ان موروثنا المتراكم والهائل, باستثناء القرآن كتاب الله العزيز الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, والمكون من التراث الفقهي والفكري والفلسفي وكتب الأحاديث المروية عن الرسول الأعظم عليه واله أفضل الصلاة والسلام فيما أطلق عليه اصطلاحا ( السنة النبوية ) والاختلاف الواسع والعميق بشأنها بين أئمة المذاهب والفرق والطرق الاسلامية والعلماء والمفكرين المسلمين المعاصرين, وبالنظر الى حقيقة الخلافات والصراعات السياسية الدامية والرهيبة التي دارت بين المسلمين منذ فجر الاسلام الأول وتواصلت على امتداد مختلف المراحل اللاحقة ولاتزال تمزق جماعة المسلمين حتى اليوم شر ممزق, وانعكاس تأثيراتها ومؤثراتها انطلاقا من سعي وحرص كل طرف من اطراف تلك الخلافات والصراعات الى ايجاد وخلق شتى المسوغات والمبررات لاضفاء طابع المشروعية الدينية لدعم وتعزيز وتبرير موقفه ونهجه في خوض ذلك الصراع, ومن هنا بدأت مشكلة وأزمة اتجاه جميع المتصارعين بشكل دؤوب ومكثف وحثيث الى مبدا الشروع فيما عرف بالتنصيص السياسي واتسعت دائرة التلفيق والافتراء والتزييف للتاريخ والموروث المتراكم وخاصة رواية الأحاديث المنسوبة الى الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم وكان الباع الأكبر والأوسع في هذا التصنيف السياسي من نصيب الأطراف المنتصرة أو المتغلبة في الصراع وأصبحت هي الحاكمة والمتحكمة من ثم في كتابة ذلك الموروث كل حسب هواه وبما ينسجم مع مصالحه ومطامعه وبما يؤدي الى تخطئة وتسفيه وتجريم الأطرف الأخرى.. ان جميع المسلمين يدركون – يقينا – أن كافة المسلمين على اختلاف مذاهبهم الفقهية ومدارسهم وطرقهم الفكرية والفلسفية بدون استثناء مجمعون ومتفقون اتفاقا تاما على كتاب الله القرآن الكريم, ولم يحدث في اي يوم من الايام ان اختلف اثنان منهم على القرآن, وانما حدث الاختلاف واسع النطاق والصراع الدامي الرهيب والممتد والذي لا يزال قائما حتى اليوم بسبب الموروث المتراكم وخاصة رواية الحديث النبوي والسيرة النبوية والتراث الفقهي والفكري والفلسفي, فمثلا الامام الأكبر أبو حنيفة وهو المؤسس الأول للفقة والذي كان قريب عهد بالنبوة اذ ولد عام 70 للهجرة, لم يثبت في كتابه سوى سبعة عشر حديثا نبويا تتعلق كلها تقريبا باصول العقيدة, ولم تبدا عملية التدوين الا في النصف الأخير من القرن الثالث للهجرة في مخالفة صريحة وصارخة للنهي القاطع والصريح عن تدوين الحديث والصادر عن الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله كما اثبتت ذلك جميع كتب ( الصحاح ) ودونت الاف الأحاديث المنسوبة للرسول بأوامر وتوجيهات واشراف الحكام والسلاطين, وتهيأت الفرصة أمام (الاسرائيليات ) لادخال دسائسهم وافتراءاتهم واساءاتهم لشخص الرسول الأعظم ولتعاليم الدين الاسلامي, وأنزلت تلك المدونات المتاخرة جدا منزلة التسليم والتقديس الديني رغم ما حوته من أحاديث معارضة ومناقضة تماما لتعاليم الاسلام كما وردت في القرآن الكريم, وفيها ما يشوه ويسي أبلغ اساءة لشخص الرسول وسلوكه وهو الذي وصفه ربه ( وانك لعلى خلق عظيم ) وامتدت الاساءة الى زوجاته أمهات المؤمنين.. الخ. وفي هذا المجال فان هناك الكثير والكثير مما يمكن قوله لولا الحرص الشديد على تحاشي الاسهاب والتطويل, وكل ما نريد قوله في هذا السياق أن ذلك الاضطراب والخلل والمقاصد غير البرئية والأغراض والأهواء التي تحكمت في صياغة وتدوين موروثنا المتراكم الذي أنزلناه على غير هدى أو بصيرة منزلة التقديس والتسليم الايماني المطلق والذي تسبب – ولا يزال- في الحاق كم هائل من الأهوال والماسي المريعة وجرت أنهار غزيرة من دماء المسلمين وأزهقت الاف مؤلفة من أرواحهم, هئ التي خلقت المنطلق والأرضية المناسبة لسوء فهم طبيعة المقاصد وحقيقة معاني أحكام وتعاليم وأوامر الاسلام الواردة في كتاب الله حيث فسرتها وطبقتها كثير من الجماعات والحركات الحزبية السرية باسم الدين استنادا واهتداء بمضامين ذلك الكم الهائل من الموروث المتراكم, وذلك على نحو مصادم ومناقض لمعانيها ومقاصدها الحقيقية والصحيحة . وراحوا يسفكون الدماء ويزهقون الأرواح ويقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق من المسلمين وغير المسلمين ونشروا الرعب والفزع والترويع على الأرض بحجج غريبة وعجيبة مؤداها أنهم يقومون بواجب الجهاد في سبيل الله والدعوة الى الله اضافة الى مفاهيمهم الخاطئة ازاء مسائل: مثل أسلوب معاملة أهل الديانات الاخرى والدور الصحيح للنساء في المجتمع وحرية الاعتقاد ومسالة الحريات الانسانية وغيرها من المفاهيم والتعاليم, فاساءوا الى انفسهم والى دين الله معا, وأوجدوا بقصد أو بدون قصد. ما يمكن اعتباره دينا اخر موازيا لدين الله الحق مهتدين بالموروث المتراكم الذي أشرنا اليه, ودعوني أسوق هنا مثلا في حدث عشته شخصيا بسمعي وبصري اذ دخلت ذات يوم مسجدا لصلاة الجمعة في مدينة تعز وصعقت وتزلزل كياني من الاعماق وأنا أسمع خطيب المسحد وهو من اتباع تلك الجماعات والحركات المبتدعة يعظ المصلين ويحثهم على أن لايكثروا من قراءة وتدبر القرآن الكريم لأنه متشابه وحمال أوجه كما قال والعياذ بالله مما قال وحثهم بالمقابل بقراءة وحفظ الاحاديث لأنها دقيقة ومحكمة.؛؛ هكذا يبدو واضحا الدين الأخر الموازي الذي يريدون خلقه والاهتداء بهديه بدلا عن كتاب الله .. ولوأن هؤلاء- هداهم الله – قرأوا القرآن ووعوه وتدبروا اياته برؤيه كلية تكاملية وليس برؤيه تجزيئية حتى لا نكون من الذين ( جعلوا القرآن عضين ) لوجدوا أمام أعينهم وبصيرتهم دون أدنى لبس أو غموض الحقائق الثابتة والقاطعة الاتية: 1) أن الاسلام يحرم تحريما قاطعا قتل النفس أو الانسان مهما كانت الأسباب والدوافع الا أن يكون النفس بالنفس قصاصا شرعيا عادلا سواء كان الانسان مسلما أو مؤمنا أو كافرا. 2) أن الاسلام يؤكد في أكثر من ستمائة أية من أيات القرآن بل أن الدين بكامله يقوم على الحرية الكاملة والمطلقة في الاعتقاد والايمان من خلال قوانين رئيسة واضحة وقطعية الدلالة بأنه ( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) و ( أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) و ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وغير هذه كثير وكثير, ولهذا فهو يلزم المسلمين بالدعوة السلمية الطيبة الى سبيل الله ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) و( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) و( ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن ) و( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ). 3) أن الاسلام حرم العدوان والعنف المسلح تحريما قاطعا الا في حالة واحدة فقط وهو الدفاع عن النفس وصد العدوان وكثيرا ما ألزمت أيات القرآن المسلمين بعدم الاعتداء فان جنح المعتدون للسلم فاجنح لها وان انتهوا عن عدوانهم فانتهوا ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين , ولهذا كان الهدف الوحيد للرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام أن تدعه قريش يدعو الى سبيل ربه سلما وبالحكمة والموعظة الحسنة لكنهم بادروه بالأذى والعدوان فهاجر الى يثرب ولحقوه بجيوشهم الى هناك محاربين ومعتدين فحاربهم دفاعا عن النفس وردا لعدوانهم , ولو أن مشركي قريش تركوه وشانه يدعو الى الله بالكلمة الحسنة والموعظة والسلم لما رفع الاسلام سيفا قط في دعوته، افلا يرون أن غالبية تعداد المسلمين في العالم اليوم في أسيا وافريقيا دخلوا الاسلام عن طريق الوعاظ والتجار ومن خلال القدوة في سلوكهم ومعاملاتهم, وليس صحيحا البتة فهم والذين فهموا معنى الجهاد في سبيل الله ومدلوله خطأ على أنه شن الحروب وخوض المعارك المسلحة لفتح البلدان وادخال الدين اليها أبدا فذلك غرض ومقصدالسلطان والملك وليس من الاسلام في شيء ما لم يكن دفاعا عن النفس وردا لعدوان، ثم ان قصر مفهوم الجهاد على القتال والحرب فقط من شأنه تشويه الدين والاساءة اليه فالجهاد مفهوم واسع جدا يشمل جهاد النفس والجهاد في أعمال البر والخير وتحصيل المعارف والعلوم وو..الخ.. 4) ثم أن الاسلام أرسله الله تعالى هدى ورحمة ونورا وخيرا للبشرية جمعاء على مختلف العصور والأزمان , ينبذ الأحقاد والضغائن والكراهية والقتل وسفك الدماء حيث يعتبر من كبائر الاثام. أقول هذا باختصار شديد وقد أسهبت واسترسلت في الحديث ولم يعد هناك متسع للحديث عن طبيعة الدور المطلوب من السعودية للقيام به والياته وأساليبه فذلك سيكون باذن الله موضوع الحلقة القادمة.