يقود الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ال سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية الشقيقة حملة مكثفة واسعة النطاق داخل المملكة من خلال سلسلة متصلة من اللقاءات مع قادة ومسؤولي التعليم العام والجامعي والقادة الاعلاميين واعضاء مجلس الشورى والعلماء ورجال الدعوة والوعظ والارشاد وغيرهم اضافة الى مقابلاته وتصريحاته الصحفية والاذاعية, حيث تركزت الحملة على محور رئيس دعا الأمير عبدالله الى اعتماده نهجاعاماوهو ضروروة التزام الجميع بالدقة والحذر والمسؤولية كل في مجال عمله ونشاطه العام والتأني والتوضيح لاخوانهم المسلمين وغير المسلمين بالكلمة الطيبة والمعقولة في ظل الظروف العصيبة والبالغة الحساسية والخطرة التي تحدق بالاسلام والمسلمين عامة وأن لايتأثروا بالعاطفة أو الاستفزاز مذكرا الجميع بمسؤوليتهم الجسيمة والفردية أمام الله سبحانه وتعالى وأمام شعوبهم وأمتهم, مشيرا الى الحملات السياسية والاعلامية الشرسة التي تستهدف المملكة في وسائل الاعلام الاسرائيلية والغربية وخاصة منها الأمريكية, تحت حجج تشير الى دعم ومساندة السعودية للارهاب والارهابيين. والحقيقية أن توجيه مثل تلك الاتهامات الظالمة للسعودية يتناقض مع حقائق الواقع ومعطيات التجربة العملية فالغالبية الساحقة من دول العالم وأحزابه ومنظماته وشخصياته العامة يدركون ادراكا يقينيا بأن السعودية بحكم طبيعة نظامها السياسي الملكي, أبعد ما تكون عن أعمال ونشاطات تندرج على نحو أو اخر بالارهاب ومنظماته وجماعته وتصديره المنظم الى خارج نطاقها بعكس الحال بالنسبة لنظم سياسية ذات أيديولوجيات شمولية ومناهج ثورية, بل انها – أي السعودية- شأنها شأن العديد من الدول العربية والاسلامية كمصر والجزائر وتونس وسوريا وايران, ضحية لأعمال ارهابية من قبل جماعات ارهابية منظمة وسرية تتخذ من الدين الاسلامي واجهة وغطاء لأعماله الشريرة ابتداء من أحداث الحرم المكي الدامية في مطلع الثمانينيات وانتهاء بالتفجيرات وأعمال التخريب بين فترة وأخرى . ويبدو واضحا أن الدوافع الحقيقية الكامنة وراء الحملة الشرسة والظالمة التي تستهدف السعودية وخاصة في الأونة الأخيرة راجعة الى المواقف الثابتة والواضحة والعادلة النابعة من السياسة السعودية تجاه القضايا العربية وفي مقدمتها قضية الصراع العربي الفلسطيني والمنادية باقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط يحفظ للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة وخاصة اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف, وموقفها المساند لصمود سوريا ازاء الضغوط الشديدة, التي تتعرض لها من قبل اسرائيل وأمريكا والقوى الغربية عموما لاجبارها على التسليم والقبول بالسلام الاسرائيلي غير العادل, وتتأكد تلك الدوافع الكامنة اذا أخذنا في الاعتبار ما أوردته بعض الوسائل الاعلامية حول رسالة موقف رسمية شديدة اللهجة بعثتها القيادة السعودية للادارة الأمريكية قبل الأحداث الارهابية المريعة التي تعرضت لها أمريكا في 11سبتمبر الماضي تطالب فيها الادارة الأمريكية باتخاذ موقف متوازن وواقعي ومنصف تجاه مشكلة الشرق الأوسط وخاصة تحقيق التطلعات الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني والا فان السعودية ستجد نفسها مضطرة لاعادة النظر في مجمل علاقتها بأمريكا والغرب بالاصافة الى تزامن تلك الحملة المعادية الشرسة الموجهة ضد السعودية مع حملة مماثلة تعرضت لها جمهورية مصر العربية, مع استمرار الموقف العدائي ضد سوريا ولبنان وايران وليبيا والسودان وحزب الله والمنظمات الفلسطينية.. الخ, والمرجح أن حملة العداء الشرس والمكثف الموجهة ضد السعودية من صنع دوائر اعلامية صحفية وسياسية داخل الكونجرس الأمريكي خاضعة لتأثيرات وضغوطات جهات اسرائيلية يهودية نافذة ومؤثرة داخل المجتمع الأمريكي, خاصة وأن مضامين تلك الحملة تتناقض مع التصريحات الرسمية للادارة الأمريكية التي تؤكد مرارا على عمق العلاقات وأهميتها وحيويتها مع السعودية مشيدة بالموقف السعودي الايجابي والمتعاون الى أقصى الحدود في مكافحة الارهاب.. على أنه ومن جانب اخر اذا كان مهندسو وصانعو ومنفذو حملة العداء والكراهية الظالمة ضد السعودية يتصدون بالارهاب والارهابيين الأفغان والأفغان العرب وأسامة بن لادن وتنظيمه المسمى( القاعدة ) وحركة طالبان فان من الظلم والتزوير الفاضح تحميل السعودية المسؤولية الكاملة عن كل ذلك, حيث يعلم الجميع علم اليقين بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت اللاعب الرئيس والبارز, ومعها بعض الدول الغربية, في ايجاد ودعم وبناء وتدريب وامداد تلك الأشكال ابتداء من منظمات المجاهدين ضد الاتحاد السوفيتي سابقا بحجة الجهاد ضد الشيوعية والالحاد والتي انخرط في صفوفها عشرات من شباب كافة المتظمات والجماعات الاسلامية المتطرفة بدون استثناء,ومرورا باسامة بن لادن ومجاميعه, وانتهاء بحركة طالبان, وذلك بهدف استدراج الاتحاد السوفيتي الى مستنقع استنزافي رهيب وخدمة المصالح والأهداف والحسابات الاستراتيجية والسياسية والأمنية لأمريكا ومحاصرة المد الاسلامي الايراني ومكافحة المخدرات والثروة البترولية لبحر قزوين والحد من امتداد النفوذ الصيني وغيره, وكل تلك الأشكال والمسميات التي توصم اليوم بالارهاب وقد كانت بالأمس مجاهدين شرفاء, تلقوا كافة أشكال الدعم والمساندة والدعم اللوجيستي والامداد والتدريب والرعاية الأمريكية الى اقصى الحدود, ولم تكن أي دول أخرى سوى تابعة ومتجاوبة ومتعاونة مع اللاعب الرئيس أمريكا. ومع ذلك فان الحملة الاعلامية الشرسة التي شنت على السعودية وتوقيتها عقب أحداث 11سبتمبر وما تلاها من تحركات ومواقف عسكرية وسياسية واعلامية خلقت هواجس وقلقا وشكوكا عميقة لدى الكثير من المسلمين على امتداد العالم حول حقيقة دوافعها وأهدافها وذلك لأن السعودية كبلد لها خصوصية منفردة وحساسية مفرطة من بين جميع دول العالم الاسلامي باعتبارها تضم في جنباتها أقدس مقدسات المسلمين جميعا مكة المكرمة والكعبة الشريفة ومدينة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ومسجده الشريف وقبره وكلها تشكل قبلة للمسلمين يتوجهون اليها صبح ومساء, ولهذا فان أي حملة مضادة ومواقف معادية توجه الى السعودية, وخاصة من دول الغرب تثير لدى جمهور المسلمين الواسع مشاعر وهواجس وشكوكا بأن تكون موجهة ضد الاسلام كدين وضد جمهور المسلمين وضد المقدسات الاسلامية التي تحتضنها على جنباتها.. وهذه الخصوصية المتفردة والحساسية الشديدة التي تتمتع بها السعودية , بغض النظر عن الاختلافات السياسية والمذهبية وغيرها , توجب على دول العالم وخاصة الدول الغربية أن تنظر لها وتتعامل معها وفقا لتلك الخصوصية والحساسية التي تميزها , ومن هذا المنطلق الواقعي فليس من المعقول ولا هو من الممكن , مثلا, أن يطلب من السعودية تطبيق نمط الحياة الغربية من حيث الثقافة والسياسة والاجتماع والأشكال المعيشية الأخرى , لانها , أي السعودية ,لاتسطتيع وليس بمقدورها الا أن توائم وتكيف كل قضايا ومتطلبات التحديث والتطوير فيها وفق التعاليم الأساسية والقوانين العامة للشريعة الاسلامية السمحة.. وذلك بخلاف وضع أي دول من دول العالم الاسلامي . على أنه, واستنادا الى تلك الخصوصية المتفردة والوضع الخاض والحساس جدا للسعودية, فان مسؤولية جسيمة ودورا بارزا ورئيسا يقع على كاهلها ويلزمها بقيادة حركة تجديد واصلاح ديني شامل في حياة وثقافة ومفاهيم المسلمين ومذاهبهم ومدارسهم وطرقهم يستهدف أول ما يستهدف اجراء دراسات جادة ومتعمقة وشاملة واعادة النظر في مجمل الموروثات الثقافية المتراكمة عبر مئات عديدة من السنين الماضية وغربلة وتنقية ذلك الموروث المتراكم من كل ما علق به من شوائب وتشوهات وسوء فهم على صعيد الفقه والمذاهب الاسلامية الفقهية والمدارس الاسلامية الفلسفية وغيرها على ضوء واهتداء بأحكام وتعاليم القرآن الكريم كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كتاب محكم صرف للناس وبين لهم من كل مثل واعتبار، الاعتبار في القول والعمل والسلوك.القرآن الكريم الذي جعله كثير من المسلمين للأسف الشديد وراء ظهورهم مهجورا, وهو وحده الذي يوحد المسلمين ويهديهم الى التي هي أقوم, حيث لا يختلف عليه اثنان من المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم واجتهاداتهم وطرقهم على الاطلاع, وانما نتج الخلاف والصراع والحروب الدامية الطاحنة على امتداد مئات من السنين الماضية, ولا يزالون, بسبب اتجاه جماعتهم وفرقهم ومذاهبهم واجتهاداتهم الى البحث عما يدعم رؤاهم واجتهاداتهم من غير كتاب الله العزيز الذي لاريب فيه ولا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, فكانت الفرقة والخلاف والصراع والحروب والتناحر فيما بينهم على نحو مخيف ومروع منذ أواحر عهد خلفاء الرسول صلى الله عليه واله وسلم وحتى الان, ولايوجد سبيل لانهاء هذه الأحوال المأساوية الرهيبة التي يعيشها المسلمون سوى عودتهم جميعا الى الاحتكام وتحكيم القرآن الكريم في تعاليمه وأحكامه وأوامره ونواهيه فهو وحده الأقدر على اشعال شرارة الصحة والانطلاقة الحضارية الشاملة عبر تحقيق الوحدة الراسخة والقوة للمسلمين جميعا نحو الغاية الكبرى التي رسمها الله سبحانه وتعالى للانسان في مختلف مراحله وأزمانه وعصوره في عمارة الأرض وتنميتها وتطويرها الدائم والمتواصل بما يكفل سعادة الانسان ورفاهيته وأمنه وأمانه على أسس من سيادة الحرية والكرامة والحق والعدل للبشرية كافة بعيدا عن منهج الابعاد والاقصاء والتكفير والتفسيق والالغاء المتبادل بين جماعات المسلمين، والتعصب المقيت، والغرور المتعالي، وتزكية النفس ضد بعضهم البعض. ان الحملة المكثفة والواسعة والمباركة التي يقودها الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود حاليا داخل المملكة, قولا وحركة, والتي تتمحور حول قضية الاعتدال والدقة في الطرح والافتاء باسم الدين والتسامح والتعايش مع الأراء والاجتهادات المختلفة للمسلمين كافة, تعطي مؤشرات أولية واضحة وقيمة على حركة وتحرك واسع النطاق وعميق الدلالات والأبعاد نحو صحوة تجديدية واصلاحية جذرية تفضي الى اعادة تقييم وغربلة وتنقية موروثات المسلمين المتراكمة عبر مراحل زمنية طويلة بما من شأنه ازالة قيم وسلوكيات العنف والتعصب والفرقة والتناحر والصراع بين مسلمي العالم الاسلامي كافة وبما يكفل وحدتهم وتوادهم وتراحمهم وتعاونهم على البر والتقوى دون أن يصر البعض على أنه وحده الذي يملك الحقيقة ووحده دون سواه ووحده فقط الذي يحق له أن يفتي ويحكم باسم الله سبحانه أويعتبر نفسه وكيلا عن الله في دينه ومخلوقاته.. ولاشك بأن هذه الحملة , لن يقتصر مداها وافاقها ونطاقها على السعودية وحدها بل انها كما يبدو, ستمتد لتشمل العالم الاسلامي والمسلمين كافة, والمملكة العربية السعودية وفقا لخصوصيتها المتفردة التي أشرنا اليها انفا,هي المطالبة بالحاح أن تبادر الى النهوض بقيادة حركة التجديد والاصلاح الديني الشامل لديها الذي بات مهمةوطلبا ضروريا وملحا الى اقصى الحدود في مثل المرحلة والظروف والأوضاع التي يعيشها المسلمون داخلهم وتلك التي تحيط بهم عالميا, وهي الأقدر على جمع علماء ومفكري الاسلام من مختلف بلدانهم وأقطارهم ممن يتمتعون برؤى صافية ونظرات ثاقبة لجوهر الاسلام ومقتضيات العصر والتحديث والتطوير الشامل اهتداء بتعاليم وأحكام القرآن الكريم واستبعاد كل ما يتعارض مع تعاليمه وأحكامه مما تراكم على موروثنا الفقهي والثقافي عبر مراحل الاختلاف والصراع والتعصب والاقتتال بين المسلمين طوال فترة المئات العديدة من السنين في الماضي، وبناء أرضية عامة واحدة لجميع المسلمين كلهم مهما كانت خلافاتهم واجتهاداتهم واختلافاتهم التي ستتفاعل وتتلاقح وتثرى من خلال تلك الأرضية الجامعة المبنية على أن لكل مجتهد نصيبا وان اخطأ. ولكن ما هي الملامح والقسمات والمعالم الرئيسة التي يمكن تصورها لطبيعة ومضمون الدور السعودي الرئيس المنشود في سياق النهضة التجديدية الاصلاحية الاسلامية الشاملة تلك؟ ذلك ما سنحاول تناوله باذن الله تعالى في الحلقة القادمة .. فالى اللقاء.