مناقشة لرسالة الرئيس الأمريكي لوزير سعودي ان القاء المسئولية على طرف بعينه مثل السعودية او مناهج تعليمها الديني أو أي طرف اخر غيرها لوحده لايخدم الحقيقة ويبتعد تماما عن الموضوعية والدقة، ذلك أن مشكلة الارهاب ودوافعه واسبابه وعوامله مشكلة بالغة التعقيد وتتداخل فيها شبكة متكاملة من الاسباب السياسية والفكرية والثقافية والاحتماعية والاقتصادية اضافة الى كونها مظهرا من مظاهر المرض النفسي، والجميع يعلم الان أن امريكا تتحمل جزءا مهما من المسئولية المباشرة في خلق وتوسع وتقوية وانتشار ظاهرة الارهاب والارهابيين عندما اتجهت الى تجميعهم وتدريبهم وتسليحهم وتوجيههم لمحاربة اعدائها وخدمة أهدافها ومصالحها الاستراتيجية كما حدث فيما يعرف بالجهاد الاسلامي في افغانستان ضد الاسلام، ولهذا فان السعي الجاد لمحاربة الارهاب والتصدي للارهابيين يبدأ بدراسات وابحاث علمية جادة ومتخصصة لطبيعة الارهاب وأسباب وعوامل نشوئه وتناميه واتساع تأثيره ونفوذه من مختلف المجالات والشئون العامة تمهيدا لوضع استراتيجية صحيحة وفعالة وناجحة لمحاربته والقضاء عليه بكافة السبل والوسائل والاساليب الشاملة لكل أسبابه ودوافعه وعوامل نموه وتصاعده وهو ما يتطلب جهدا عالميا متضافرا ومتضامنا. وبالعودة الى قضية نقاشنا وهي موقف أمريكا تجاه القضية الفلسطينية في اطار الصراع العربي الاسرائيلي المزمن، يقول الرئيس الامريكي في سياق رسالته الى الوزير السعودي: (( نحن ندرك أن القضية الفلسطينية أمنية كبرى بالنسبة لكم،ولكن لايمكنك الحضور الى هنا واخبارنا أنه من شأن أمريكا فرض سلوك معين على اسرائيل، ويضيف قائلا: (( لكن ليس من شأننا ايضا أن نفرض عليك سلوكا ما أوكيف تُعلم ابناءك الذين قتلوا اربعة الاف أمريكي)). وفي اشارة سابقة في سياق الرسالة ترتبط بشكل أو بأخر بالقضية الفلسطينية يقول الرئيس الامريكي: (( ليست هناك مؤامرة صهيونية لافساد علاقتنا ،والتمس منك الا تقع ضحية لمثل تلك الاكاذيب)). هذا هو كل ما ورد في رسالة الرئيس الامريكي حول مشكلة الصراع العربي الاسرائيلي الذي تعتبر القضية الفلسطينية لها وجوهرها ومحورها الاساسي، وقد مر عليها الرئيس الامريكي مرورا خاطفا وعابرا دون اعطائها درجة الاهمية التي تستحقها.. وفي اعتقادنا الجازم، استنادا الى واقع وشواهد وتاريخ علاقة العرب بأمريكا، أن هذه القضية الجوهرية وبالغة الحساسية ظلت دائما العامل أو السبب الرئيسي في توتير وتأزيم وتعكير أجواء ومسار تلك العلاقة، وهو المسئول الأول في تشويه صورة أمريكا الى أقصى حد لدى الشعوب العربية خاصة والاسلامية عامة، وعَمق ووسع الى حد كبير من مشاعر الكره والبغض والعداء تجاه أمريكا،وهي حالة مؤسفة لم تكن ناتجة أوبسبب ارتباط أمريكا باسرائيل في علاقة تحالف استراتيجي شامل، فتلك مسألة من الممكن فهمها وتفهمها، بل نتجت حالة الكُره والبُغض والكره للسياسة الامريكية عن شعور واقتناع ظل يتعمق ويترسخ يوما عن يوم بأن السياسة الامريكية مبنية على موقف عدائي عميق تجاه العرب يجعل أمريكا ترمي بكل ثقلها في الغالب الأعم موظفة كافة السبل والوسائل والخطوات الرامية الى احباط وضرب التطلعات والاهداف العربية العادلة حتى لايستطيعون بناء قوة لها تأثيرها ودورها ومكانتها اللائقة بها بين أمم وقوى العالم المختلفة.. ونحن على يقين تام بأنه لايوجد عربيا واحدا، يملك قدرا معقولا من الوعي والادراك والمنطق، وسوأ أكان مسئولا رسميا أم انسانا عاديا،يمكنه التفكير- مجرد التفكير- فحسب، في أن يطلب من الولايات المتحدة الامريكية يوما، تغيير أو مراجعة علاقتها الاستراتيجية التحالفية الحميمة مع اسرائيل، ولا حتى الطلب من أمريكا فرض سلوك ما ومعين على اسرائيل، على حد تعبير الرئيس الامريكي، ان هكذا طلب لايمكن أن يخطر على بال عربي عاقل وفاهم،ليس لانه لايريد أن يحدث ذلك، أو أن أمريكا حرة في سياستها وعلاقاتها ولايحق لغيرها أن يدس أنفه فيما لايعنيه، ولكن لأن الجميع يعلم تمام العلم مكانة((اسرائيل)) وحجمها ودورها كجزء لايتجزأ من استراتيجية العالم الغربي ومشروعه العالمي، وان ((اسرائيل)) في اطار الحركة الصهيونية العالمية، ربطت نفسها نهائيا، أو تم ربطها لافرق، بالاستراتيجية أو المشروع الراسمالي العالمي للمعسكر الغربي، وأصبحت، أي ((اسرائيل)) مقتنعة أو مجبرة على لعب دور اقليمي -عالمي- تابع للغرب وليس العكس،ومن هذا المنطلق، فاننا، في الوطن العربي، لانعتبر بحال من الاحوال أن مشكلتنا تنحصرمع((اسرائيل)) ولكن مشكلتنا الحقيقية مع المعسكر الغربي بقيادة أمريكا الذي أصبح القوة الوحيدة المتفردة في التحكم بشئون وأوضاع العالم أجمع!! وليسمح لنا فخامة الرئيس الامريكي بأن نقول له أننا لانريد مطلقا أن نذهب الى أمريكا لنقدم لها شكاوانا وتظلمنا من ((اسرائيل)) أو لنطلب من أمريكا أن تفرض سلوكا معينا على ((اسرائيل)) أبدا ، لانريد لأنفسنا مثل هذا الدور البائس، ولكننا نريد فعلا أن نذهب الى أمريكا لنقول لها، هي ذاتها،ومن خلالها لسائر دول المعسكر الغربي الذي تتزعمه، جملة من الحقائق والتساؤلات الملحة والجادة ونطلب منها ايضاحات واجابات مقنعة وواضحة نريد أن نقول لها تحديدا: هل لازلتم تعتقدون بأن قيامكم بمصادرة الوطن الفلسطيني وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه ورميه الى أحضان التيه هائما على وجهه بدون هوية في أصقاع الدنيا، أو داخل مخيمات اللاجئين، كحل لعقدتكم ومشكلتكم التاريخية التي صنعتموها وأمنتم بها في العداء للسامية واليهود، كان حلا انسانيا يستند الى مُثل وقيم الحق والعدل والانصاف، أم أن ضمائركم بدات تتيقظ وتدرك حجم الظلم التاريخي الفادح وعمق المأساة الانسانية الرهيبة التي فرضتموها بالقهر والقوة على الشعب الفلسطيني والذي لايزال يتعرض لأشرس عمليات الابادة والتدمير على يد قوتكم المتقدمة في المنطقة ((اسرائيل)) وبدعمكم ومباركتكم والحاحكم!؟ لماذا تتطرف أمريكا ، تطرفا يصل الى حد الجنون، في تأييد واضفاء الشرعية لأعمال الابادة التي تقوم بها ((اسرائيل)) ضد الفلسطينيين وهي ترى الاف الشهداء والجرحى الفلسطينيين تحصدهم أحدث ماتملكه الترسانة الحربية الاسرائيلية من طائرات ومروحيات ودبابات وصواريخ، وتهدم مساكنهم ومزارعهم وتغتال شبابهم وتحاصر وتجوع مجاميعهم، ولاتريد أن تسمع انتقادات واستنكارمجموعة من أركان الحكومة الاسرائيلية لأعمال حكومتهم، وتكون أكثر اسرائيلية من الاسرائيليين أنفسهم !في الوقت الذي تستعد أمريكا فيه لشن عدوان مسلح على العراق وتغيير نظامه بقوة الحديد والنار بحجة قمعه لشعبه وخنق حرياتهم، وكما فعلت ضد يوغسلافيا في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان، أما الابادة الحقيقية التي يتعرض لها الفلسطينيون فان أمريكا تضفي عليها الشرعية وحق ((اسرائيل في الدفاع عن النفس)) كما تقول، وتمتهن هيبتها كقوة أعظم في العالم بالافراط في استخدام حقها في ((الفيتو)) لمنع صدور أي قرار دولي يطلب من ((اسرائيل)) ولو بالتلميح والاشارة الضمنية للرفق والرحمة بالفلسطينيين الذين يخضعون لبطش احتلالها العسكري الغاشم؟ لماذا تقوم أمريكا وحلفاؤها الغربيين معها بحركة نشطة وعالمية وتوظيف كل امكانياتها ونفوذها وتأثيرها ، لمنع الدول العربية والاسلامية من التزود بالسلاح اللازم للدفاع عن نفسها ومصالحها، في الوقت الذي لاتزال تمكن فيه ((اسرائيل)) وتزودها بكافة أنواع أسلحة الدمار والفتك الشامل من نووية وكيماوية وبيلوجية ومما لانعلم، وتمارس فيه ضغوطا رهيبة على مختلف دول العالم لمنعها من بيع أسلحة للعرب والمسلمين، ففي عهد الرئيس الامريكي السابق(( كلينتون)) مثلا حينما عقدت سوريا صفقة مع جنوب أفريقيا لشراء بعض أجهزة الاضاءة وغيرها من الاجهزة المكملة لتركيبها على دباباتها، تقيم أمريكا الدنيا ولا تقعدها على جنوب أفريقيا و((يهطع)) الرئيس الامريكي بعظمته الى جنوب افريقيا لاجبارها على الغاء الصفقة، ونفس الشئ تفعله أمريكا مع روسيا والصين وكوريا الشمالية وأوكرانيا والارجنتين والبرازيل وغيرها من الدول المصنعة للسلاح !؟ وفي الاونة الاخيرة بدات القوات الامريكية في البحر الابيض المتوسط تمارس قرصنة لامشروعية باعتراض وتفتيش السفن الذاهبة الى سوريا والتأكد من خلوها من السلاح!! لماذا تريد أمريكا أن تفرض على الدول العربية والاسلامية بالقوة الغاشمة نزع سلاحها تماما على المدى البعيد؟ بل ولماذا ترفض امريكا الاستجابة لدعوات مصر المتكررة بجعل منطقة الشرق الأوسط كلها وبدون استثناء خالية من كافة أشكال وأسلحة الدمار الشامل؟! لماذا تريد أمريكا ابتزاز السعودية عبر اصرارها اللامعقول بتحميلها مسئولية أعمال ارهابية يقوم بها عدد محدود جدا من حاملي جنسيتها والمعارضين لها، رغم أن دليلا ماديا واحدا لم تقدمه أمريكا حتى الان يثبت قيامهم فعلا بأعمال ارهابية؟ ثم لماذا تزود أمريكا (( اسرائيل )) بمعلومات استخبارية عن الدول العربية تجمعها أجهزة الاستخبارات الامريكية ووسائل التجسس الحديثة وخاصة حول القدرات العسكرية العربية وغيرها، مستغلة علاقاتها الممتازة مع الكثير من الانظمة العربية ، وعلى نحويلحق أفدح الاضرار والاخطار على الأمن والاستقرار والمصالح العربية؟؟ واذن فان العرب، وعلى المستويين الرسمي والشعبي، لم يفكروا يوما، ولن يفكروا في ان يطلبوا من أمريكا تغيير سياستها وعلاقتها الحميمة مع(( اسرائيل)) أوأن تقف ضد اسرائيل أو تواجهها، أو حتى أن تفرض عليها سلوكا معينا بحسب رسالة الرئيس الامريكي، ان شيئا من هذا القبيل لم ولم يحدث، فيما اعتقد، لا لأن العرب لايريدون ذلك، وانما لأن العرب يدركون طبيعة العلاقة القائمة بين أمريكا و((اسرائيل)) خاصة و(( اسرائيل)) والغرب عامة، والقائمة على اعتبار((اسرائيل)) جزءا من الاستراتيجية الشاملة للعالم الغربي الراسمالي، ثم لأن أمريكا هي وحدها من يملك حق اقامة العلاقات مع من تريد وبالمستوى الذي تريد، وكل ما يطلبه العرب أو ينشدونه من أمريكا ينحصر في جانبين اثنين هما: الجانب الأول: مراعاة واحترام حقوق ومقتضيات علاقات الصداقة والمصالح التي تربط أمريكا بالعرب، أو بالاصح، بالكثير من الدول العربية، بتغيير سياستها ومواقفها العدائية الواضحة والصريحة والنشطة ضد العرب والمسلمين عموما ومصالحهم وتطلعاتهم المشروعة والعادلة، وأن تنهي حصارها وسعيها الدؤوب لحرمانهم من حقهم المشروع، شأنهم شأن أي دولة في العالم، في التسلح للدفاع عن نفسها وضمان أمنها واستقرارها ومصالحها، وأن تكف عن استغلال وتوظيف مكانتها ودورها وثقلها الدولي بممارسة ضغوط وتهديدات لمنع حصول العرب والمسلمين عموما على احتياجاتهم الضرورية من السلاح، وعدم التفكير بامكانية تجريدهم من السلاح في المستقبل! اننا لانريد امتلاك ماتسميه أمريكا بأسلحة الدمار الشامل ونتمنى باخلاص زوالها من كل دول العالم بدون استثناء، أما أن يُسمح لاسرائيل بتكديس مثل تلك الاسلحة وخاصة النووية منها وكذلك الكثير من دول العالم المصنعة أو المستوردة، ويحرم منها العرب والمسلمون بالذات فهو ما يتناقض مع كافة قيم ومُثل العدل ومعايير المنطق والعقل بالاضافة الى استحالة قبوله وتحقيقه بأي حال من الاحوال. الجانب الثاني:التقيد بأقصى قدر ممكن من الحياد والنزاهة في الدور السياسي الذي تحملت أمريكا أمانته ومسئوليته كراعية للسلام بين العرب و((اسرائيل)) فمادام طرفي النزاع قد حمٌلوا جميعهم أمريكا مثل هذا الدور وقبلت أمريكا بالقيام به، فان ذلك يلزمها أخلاقيا وقانونيا بالتزام الحيدة والنزاهة والا فانها تفقد مصداقيتها واحترامها أمام نفسها والعالم أجمع، واذا لم تكن قادرة على الحياد والنزاهة في الدور الملقى على عاتقها فان عليها التخلي عنه فورا، وهو ما يجب أن تفعله بعد أن تمادت في تأييدها وتشجيعها ومباركتها لأعمال((اسرائيل)) اللاانسانية ضد الفلسطينيين وعلى نحو أصبحت فيه أمريكا أكثر تطرفا في تأييد((اسرائيل)) من الاسرائيليين أنفسهم! هذا هو قصارى ما يطلبه العرب من أمريكا لاأكثر من ذلك،أما كيف تكون علاقة أمريكا بأسرائيل فذلك ليس شأننا ولايهمنا حتى وان وصل الامر الى أن تصبح اسرائيل الولاية رقم 52من الولايات المتحدة الامريكية! أما أن تناصبنا أمريكا مثل ذلك العداء الشرس والحاد فان من حقنا أن نقول لها لا. فهل تقتنع الادارة الامريكية بضرورة مراجعة سياستها تجاه العرب؟نأمل ذلك. وهنا سنحاول تقديم صورة عامة وخاطفة لجوهر الدين الاسلامي وحيقيقته الصحيحة والصافية وفقا لرؤيتنا له واجتهادنا المتواضع في معرفته وبيان تعاليمه الاساسية الجوهرية، وكانت أهم دوافع وبواعث اختيارنا لهذا الموضوع بالذات تتحدد بالاتي: 1ـ الصورة المشوشة والمغلوطة التي رسمت في عقول وأفهام الغرب حول الاسلام وطبيعته وحيقيته وعلى نحو أدى الى تحميل الدين الاسلامي تصورات وتهم وانطباعات غير صحيحة ولاتمت الى الاسلام بصلة، مثل اتهامه بالارهاب والعنف واكراه غير المسلمين على اعتناقه أو محاربتهم، وما يتصل بذلك من منافاة الحرية الانسانية في التعبير والاعتقاد واستباحة قتل النفس الانسانية لأتفه الأسباب، بالاضافة الى وضع المرأة وحقوقها ودورها في الحياة العامة. 2ـ اعتبار كل ما يصدر عن بعض المسلمين، سواء كانوا منظمات ارهابية أو جماعات مغالية ومتطرفة أو افراد أوحتى أنظمة حاكمة، من مواقف وسياسات وأفكار وممارسات، تعبيرا عن الاسلام كدين وممثلا له، وعدم التمييز والتفريق الواضح والدقيق المبني على بحوث ودراسات علمية موضوعية، بين تعاليم الاسلام وقواعده النظرية كما اراد الله سبحانه وتعالى.. وبين ما يصدر عن بعض المسلمين من مواقف وسياسات ورؤى وممارسات وان ادعت انطلاقها من الاسلام وتعبيرها عنه.. 3ـ النهج الايجابي المثمر والبناء والصحي،الذي دشنة الرئيس الامريكي واعتمده من خلال توجيهه لرسالة الى وزير الشئون الاسلامية السعودي ،ذلك النهج الصحيح القائم على مبدا الحوار والاقناع وروح الشراكة مع الاخرين وبهم ازاء مختلف القضايا والشئون المهمة والكبرى التي تهم العالم،وهو ما نتمنى من كل قلوبنا اعتماده نهجا في رسم وادارة سياسات الاستراتيجية الامريكية تجاه مختلف يلدان وشعوب العالم أجمع، باعتباره الوسيلة المثلى القادرة على خلق تفاهم واتفاق ووفاق عالمي حول كل مايهم البشرية ويحقق رفاهيتها وسلامها وأمنها واستقرارها وتعاونها المفيد والخلاق. 4ـ رغبتنا الصادقة وحرصنا الجاد المنطلق من احساسنا البالغ بمسئوليتنا الكونية كمسلمين، في العمل على تهيئة الظروف والاجواء الملائمة والصحية لاقامة وتأسيس حوار عالمي شامل بيننا وبين أمريكا والعالم الغربي على وجه الخصوص والعالم اجمع، بكل ثقافاته وحضاراته ودياناته ومعتقداته الفكرية والسياسية، يفضي في نتائجه ومعطياته النهائية الى صياغة أسس ومقومات وثوابت ما يسمى بالنظام العالمي الجديد بمنظومة قيمه ومبادئه واخلاقياته ومناهج واليات حركته المشتركة والمتضافرة. لهذه الاسباب والدوافع الرئيسة،وغيرها، اخترنا أن يكون موضوع هذه الحلقة رسم صورة عامة للاسلام وتعاليمه ومبادئه الصحيحة، كما نفهمها استنادا فقط الى نصوص كتاب الله العزيز((القرآن الكريم)) صورة غير تفصيلية تقتصر في هذا السياق على مجرد عناوين رئيسية فقط، نهديها الى فخامة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش ومنه الى الشعب الامريكي بكل الحب والاخلاص، علها تشكل بداية أو مدخلا يقود الى تصحيح صورة الاسلام والى معرفة وفهم أفضل وأصدق لحقيقة الجوهر الانساني العظيم لتعاليم الدين الاسلامي ومبادئه فما هي هذه العناوين أو الملامح الرئيسية والعامة التي نريد أن نقدمها أو نرسمها لصورة الاسلام وطبيعة تعاليمه ومبادئه وقيمه ومثله واخلاقياته ؟، ان محاولتنا الصعبة والمعقدة هذه ستتبلور من خلال عدة محاور رئيسية كبرى وقد يتضمن كل محور منها على عدة مسائل وقضايا متصلة به على نحو أوآخر، وأكرر الاشارة هنا باقتصار حديثنا حول تلك المحاور على مجرد عناوين أو ملامح رئيسية وذلك على النحوالتالي: المحور الأول: الاسلام ومنهجه في الدعوة والتعامل: حدد الله سبحانه وتعالى منهجا واضحا وضوحا تاما لالبس فيه ولاغموض لطبيعة واسلوب الدعوة والهداية الى سبيله والزم جميع رسله وانبيائه الذين حملوا رسالات ربهم الى الناس بدون استثناء باتباع ذلك المنهج والتقيد بطبيعته واساليبه واحكامه ، ويقوم ذلك المنهج من أوله الى اخره وفي شكله ومضمونه كليا على الاسلوب السلمي بالحوار والمحاججة المنطقية والاقناع والاقتناع البرهاني في اطار من الهدوء واللين والحكمة والوعظ بعيدا عن الحدة والاستفزاز والتجريح والتسفيه والالغاء والاقصاء للاخر، دون أي شكل من أشكال القهر أو الاكراه، وعلى أساس كفالة الحرية الكاملة في الاعتقاد أمام الانسان، فهو حر تماما في ان يؤمن أو يكفر وفقا لارادته ومشيئته الفردية وحدها. وقد بلغ ذلك المنهج الالهي القويم ذروة تبلوره وأكتماله ونضجه برسالة الاسلام الممثلة يكتاب الله العزيز القرآن الكريم الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه باعتباره خاتما للرسالات السماوية حيث حدد الله سبحانه، في كثير من المواضع الواردة في القرآن الكريم، طبيعة المهمة والدور الذي القاه الله العظيم على عاتق النبي الرسول في الدعوة الى الله وهداية الناس الى الطريق المستقيم والسلوك القويم في الحياة الدنيا، واعتبار مهمة النبي والرسول تلك ودوره تشكل النموذج الأكمل والمثل الاعلى الذي يجب على المؤمنين كافة الاقتداء به والالتزام الصارم بأحكامه وأسسه وأساليبه وبدون ذلك لايستحقون حمل لقب وصفة المؤمنين،ويقوم هذا المنهج الالهي على الأسس والمفاهيم والمبادئ التالية: 1ـ الدعوة السلمية الودية المرنة والهادئة بهدف التبيين والتبليغ للرسالة: وهناك أيات قرانية كثيرة جدا توضح ذلك وتحث على التزامه والتقيد به وجوبا نختار من بينها على سبيل الاستشهاد الايات التالية حيث يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ((ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)). ((ياأيها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ،ولاتطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا)). ((وما أرسلناك الا رحمة للعالمين)) ((انما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة التي حرمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن، فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه، ومن ضل قل انما أنا من المنذرين)) ((فانما عليك البلاغ وعلينا الحساب)) (( نحن أعلم بمايقولون، وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد))((والذين اتخذوا من دونه أولياء، الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل)) ((ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء))..(( انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله،ولاتكن للخائنين خصيما)). وبعد أن يحدد الله تعالى دور ومهمة رسله وانبيائه بحصرها على ابلاغ الناس وانذارهم وتبشيرهم ودعوتهم الى الله بالحسنى، باعتبار العقاب والحساب بشأن مسائل الايمان والكفر والنفاق ينفرد بها الله سبحانه وحده دون أحد من خلقه، فانه جل جلاله ينهاكم نهيا قاطعا عن اللجوء الى وسائل الضغط والقهر والاكراه لحمل الناس على الايمان فيقول: ((لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي))((ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا، أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وما كان لنفس أن تؤمن الا باذن الله)).. (( وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) ((لكل جعلنا فيكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تختلفون)) (( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولايزالون مختلفين الا من رحم ربك، ولذلك خلقهم)) وهذه الايات كلها، وغيرها كثير في القرآن الكريم ،تبين أن اختلاف الناس وتباينهم في الاراء والاعتقادات والمصالح سنة وقانون ثابت وأساسي من سنن وقوانين الحياة البشرية التي ارادها الله سبحانه، وان على المؤمنين ان يؤمنوا بها ويتعاملوابينهم وفقا لها قبولا وتعايشا مع الاخر المختلف.. ويعطي القرآن الكريم ضمن هذا السياق اهتماما خاصا بشأن اتباع الديانات والمعتقدات الاخرى غير الاسلامية وكيف يجب أن يتعامل معها الانسان المسلم على ضوء تعاليم وأوامر دينه، يقول الله جل وعلا في كتابه العزيز القرآن الكريم: ((الحق من ربك فلا تكن من الممترين، فمن حاجك فيه من بعد ماجاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)) (( قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بينناوبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله، فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)) ((ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا منهم، وقولوا امنا بالذي انزل الينا وانزل اليكم والهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون)) ((وان من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل اليهم خاشعين لله لايشترون بايات الله ثمنا قليلا ،اولئك لهم أجرهم عند ربهم ان الله سريع الحساب)) ((ان الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى من أمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون)) ((ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد)) ((قل من يرزقكم من السماوات والارض، قل الله وانا أواياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لاتسألون عما اجرمنا ولانسال عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم)) ((وان كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون )) ((ولو شاء الله ما اشركوا، وما جعلناك عليهم حفيظا ،وما أنت عليهم بوكيل ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم،كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم الى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون)) ((ولاتزكوا انفسكم هو أعلم بمن اهتدى)) في هذه الايات القرآنية الواضحة تماما، وغيرها كثير، يأمر الله تعالى المسلمين بأن يكون تعاملهم وحوارهم وتفاهمهم مع غيرهم من أتباع الديانات والعقائد والمِلل المختلفة بأسلوب هادئ ودي حكيم والتعاون معهم في مامن شأنه خدمة قضايا ومصالح المجتمع،بل ان تلك الايات تؤكد على ان منهم أي اتباع تلك الديانات والعقائد والملل من يؤمن بالله واليوم الاخر ويعمل الصالحات فهؤلاء يبشرهم الله بأن عليه أجرهم ولاخوف على مصيرهم يوم القيامة ولاهم يحزنون،وأكثر من ذلك أن آيات القرآن هذه تضع الجميع بمن فيهم المسلمون في موقف واحد متساو تماما أمام الله تعالى في الحياة الآخرة الذي هو وحده من سيفصل بينهم جميعا فيما كانوا فيه يختلفون، وتنهي المسلمين عن النظر الى أنفسهم بتميز أو اعتبار انفسهم وحدهم المؤمنين الحقيقيين فلا أحد من الناس يزكي نفسه مطلقا، وتأمر المسلمين بعدم التعرض لمقدسات واعتقادات الاخرين بالتسفيه او السب أو التحقير، وتحدد تلك الايات منهجا يقوم على حرية الاعتقاد بدون ضغط او اكراه على قاعدة ثابتة مؤداها (( لي عملي ولكم عملكم.. ولكم دينكم ولي دين وكل مسئول عن خياره واعتقاده والله سبحانه وحده صاحب السلطات والفصل بالحق في الحكم العدل من أصاب ومن اخطاء ومن هو المؤمن ومن هو الكافر وليس من حق مخلوق كائن من كان يتدخل في سلطات الله ومشيئته)) ولهذا لايستطيع مسلم أن يعتبر نفسه وحده المصيب والمحق أو يجبر غير المسلمين على اعتناق الاسلام أوقتلهم مطلقا لانه اذا فعل ذلك اعتبر خارجا تماما عن الاسلام وتعاليمه الواضحة القاطعة. ونعتقد أننا في هذه الحلقة قد تمكنا ـ الى حدما ـ من تكوين ملامح أو عناوين كبيرة حول المحور الأول من محاور محاولتنا اعطاء صورة عامة سريعة وموجزة لحقيقة الاسلام وجوهره ومبادئه وتعاليمه ومقاصده، كما نراها وكان موضوع النقاش المحدد للمحور الأول يدور حول طبيعة منهج الدعوة الدينية وأساليب التعامل والتعايش مع الناس كافة،وعلى اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم الدينية وثقافاتهم ومشاربهم الفكرية والاجتماعية.